الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
حَاقِنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَاقِنُ لُغَةً: مِنْ حَقَنَ الشَّيْءَ يَحْقِنُهُ حَقْنًا حَبَسَهُ فَهُوَ مَحْقُونٌ وَحَقِينٌ، وَحَقَنَ الرَّجُل بَوْلَهُ حَبَسَهُ، وَبَعِيرٌ مِحْقَانٌ يَحْقِنُ الْبَوْل فَإِذَا بَال أَكْثَرَ مِنْهُ، وَاحْتَقَنَ الْمَرِيضُ احْتَبَسَ بَوْلُهُ. وَالْحَاقِنُ هُوَ الَّذِي لَهُ بَوْلٌ شَدِيدٌ. (١)
وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ رَأْيَ لِحَاقِنٍ، وَلاَ لِحَاقِبٍ، وَلاَ لِحَازِقٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَاقِبُ:
٢ - الْحَاقِبُ لُغَةً مِنْ حَقِبَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ حَقِبٌ إِذَا تَعَسَّرَ عَلَيْهِ الْبَوْل، أَوِ احْتَبَسَ، وَالْحَاقِبُ أَيْضًا هُوَ الَّذِي احْتَاجَ إِلَى الْخَلاَءِ فَلَمْ يَتَبَرَّزْ أَوْ حُصِرَ غَائِطُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ رَأْيَ لِحَاقِنٍ، وَلاَ لِحَاقِبٍ وَلاَ لِحَازِقٍ (٣) .
_________
(١) لسان العرب،، والمغرب مادة: (حقن) .
(٢) حديث: " لا رأي لحاقن ولا لحاقب ولا لحازق " ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث (٣ / ٧٤٩ - ط وزارة الأوقاف العراقية) ولم يذكر له إسنادا.
(٣) حديث: " لا رأي لحاقن. . . " سبق ذكره ف / ١.
وَالْحَقَبُ حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ رَحْل الْبَعِيرِ إِلَى بَطْنِهِ كَيْ لاَ يَتَقَدَّمَ إِلَى كَاهِلِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْحِزَامِ، وَالْحِقْبَةُ مِنَ الدَّهْرِ مُدَّةٌ لاَ وَقْتَ لَهَا، وَالأَْحْقَابُ الدُّهُورُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (١) . وَحَقِبَتِ السَّمَاءُ حَقَبًا إِذَا لَمْ تُمْطِرْ، وَحَقِبَ الْمَطَرُ حَقَبًا إِذَا احْتَبَسَ، وَكُل مَاءٍ احْتَبَسَ فَقَدْ حَقِبَ. وَالْحَاقِبُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الْمُدَافِعُ لِلْغَائِطِ. (٢)
ب - الْحَصْرُ:
٣ - الْحَصْرُ هُوَ احْتِبَاسُ الْبَطْنِ، وَقَدْ حُصِرَ وَأُحْصِرَ وَيُقَال: حُصِرَ غَائِطُهُ وَأُحْصِرَ بِغَائِطِهِ وَحُصِرَ عَلَيْهِ بَوْلُهُ وَخَلاَؤُهُ. وَالْحَصْرُ مَصْدَرُ حَصِرَ يَحْصَرُ حَصَرًا، إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلاَمِ، وَالْحَصُورُ الْكَتُومُ لِلسِّرِّ الْحَابِسُ لَهُ لاَ يَبُوحُ بِهِ، وَحَصِرَ صَدْرُهُ ضَاقَ وَحَصَرَهُ الْمَرَضُ وَالْعَدُوُّ، وَأَحْصَرَهُ إِذَا حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ مِنَ الْمُضِيِّ لِحَاجَتِهِ. (٣)
ج - الْحَازِقُ:
٤ - الْحَازِقُ الْمَحْصُورُ بِالرِّيحِ، وَالْحَاقِبُ الْمَحْصُورُ بِالْبَوْل وَالْغَائِطِ، وَقِيل الْحَازِقُ الْمَحْصُورُ بِالْبَوْل
_________
(١) سورة النبأ / ٢٣.
(٢) لسان العرب، مادة: (حقب)، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٨٨.
(٣) لسان العرب مادة: (حصر) .
وَالْغَائِطِ، وَقِيل: الْحَازِقُ الَّذِي ضَاقَ خُفُّهُ فَحَزَقَ قَدَمَهُ أَيْ ضَغَطَهَا. (١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ صَلاَةَ الْحَاقِنِ وَهُوَ الْمُدَافِعُ لِلْبَوْل، وَصَلاَةَ الْحَاقِبِ وَهُوَ الْمُدَافِعُ لِلْغَائِطِ مَكْرُوهَةٌ أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ تَحْرِيمًا لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَْخْبَثَانِ (٢) .
وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُخِل بِالْخُشُوعِ وَبِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُفْرِغَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ قَبْل دُخُول الصَّلاَةِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْحَاقِنِ أَوِ الْحَاقِبِ أَنْ يُفْرِغَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ. وَتَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِمَا إِذَا بَدَأَ الصَّلاَةَ وَهُوَ حَاقِبٌ، أَمَّا إِذَا طَرَأَ لَهُ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الصَّلاَةِ إِذَا كَانَتْ مَفْرُوضَةً إِلاَّ إِنْ ظَنَّ بِكَتْمِهِ ضَرَرًا. (٣)
_________
(١) حواشي الشرواني على تحفة المحتاج ٢ / ١٦٣، وابن عابدين ١ / ٤٣١، والمغرب مادة: (حقن) .
(٢) حديث: " لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان ". أخرجه مسلم (١ / ٣٩٣ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣١، والقوانين الفقهية ص ٥٦، وتحفة المحتاج ٢ / ١٦٣، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٢، وكتاب الفروع ١ / ٤٨٦، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٨٠.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَصَلاَةُ الْحَاقِبِ أَوِ الْحَاقِنِ مَكْرُوهَةٌ، سَوَاءٌ طَرَأَ لَهُ ذَلِكَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الصَّلاَةِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، فَإِنْ شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ الصَّلاَةِ قَطَعَهَا إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ، وَإِنْ أَتَمَّهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ أَثِمَ؛ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: لاَ يَحِل لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ (١) وَمِثْلُهُ الْحَاقِبُ. (٢)
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَهَتْ بِهِ مُدَافَعَةُ الأَْخْبَثَيْنِ إِلَى أَنْ ذَهَبَ خُشُوعُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَْخْبَثَانِ. (٣)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ صَلاَةَ الْحَاقِنِ وَالْحَاقِبِ بَاطِلَةٌ إِذَا كَانَ فِي الإِْتْيَانِ بِهَا مَعَهُ مَشَقَّةٌ أَوْ مَشْغَلَةٌ. (٤)
قَضَاءُ الْحَاقِنِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ
_________
(١) حديث: " لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف " أخرجه أبو داود (١ / ٧٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة، وقال الزيلعي في نصب الراية (٢ / ١٠٢ - ط المجلس العلمي): " فيه رجل فيه جهالة ".
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣١.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٢٠٢، والفروع ١ / ٤٨٦.
(٤) الدسوقي ١ / ٢٨٨.
وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الرَّأْيِ وَيَشْغَل الْفِكْرَ الْمُوَصِّل إِلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ غَالِبًا وَلأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (١) .
وَلَكِنْ إِذَا حَكَمَ الْقَاضِي وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ نَفَذَ قَضَاؤُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَهُوَ حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ. فَإِنْ خَالَفَ وَحَكَمَ فَأَصَابَ الْحَقَّ نَفَذَ حُكْمُهُ. (٢)
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلْحَنَابِلَةِ: لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. (٣)
وَجَرَى مِثْل هَذَا الْخِلاَفِ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ فِي إِفْتَاءِ الْحَاقِنِ وَالْحَاقِبِ.
_________
(١) حديث: " لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ١٣٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٤٣ - ط الحلبي) من حديث أبي بكرة واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: " لا يقضين حكم ".
(٢) تحفة المحتاج ١٠ / ١٣٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩١، والمغني لابن قدامة ٩ / ٤٩، وكشف المخدرات ص ٥٠٩، والإنصاف ١١ / ٢٠٩.
(٣) الإنصاف ١١ / ٢٠٩، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٧٩.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: بِتَحْرِيمِهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يُفْتِي الْمُفْتِي وَهُوَ حَاقِبٌ أَوْ حَاقِنٌ، فَإِنْ أَفْتَى وَأَصَابَ صَحَّتْ فَتْوَاهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. (١)
_________
(١) الإنصاف ١١ / ١٨٦.
حَاكِمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَاكِمُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ: حَكَمَ بِمَعْنَى: قَضَى. يُقَال: حَكَمَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ لَهُ: وَالْوَصْفُ: حَاكِمٌ وَحَكَمٌ، وَالْحَكَمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى. (١)
وَالْحَاكِمُ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: هُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَل الْخَلِيفَةَ، وَالْوَالِيَ، وَالْقَاضِيَ، وَالْمُحَكَّمَ، (٢) إِلاَّ أَنَّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فِي عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقَاضِي. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ فِي تَعْرِيفِ الْحَاكِمِ: الْحَاكِمُ هُوَ: الَّذِي نُصِّبَ وَعُيِّنَ مِنْ قِبَل السُّلْطَانِ لأَِجْل فَصْل وَحَسْمِ الدَّعْوَى، وَالْمُخَاصَمَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ تَوْفِيقًا لأَِحْكَامِهَا. (٣)
وَالْمُرَادُ بِالْحَاكِمِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فِي تَقْسِيمَاتِ الْحُكْمِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ الشَّارِعُ وَالْمُكَلِّفُ بِالأَْحْكَامِ.
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس، وفتح القدير ٣ / ١١.
(٢) القليوبي ٢ / ١٥٦ " الحاكم كل من له ولاية ولو بالتغلب ".
(٣) قليوبي ٤ / ٣٣٠، وابن عابدين ٤ / ٢٩٨، وفتح الباري ١٣ / ١١١، والمجلة مادة: (١٧٨٥) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُحْتَسِبُ:
٢ - الْمُحْتَسِبُ: مِنَ الاِحْتِسَابِ الَّذِي هُوَ طَلَبُ الأَْجْرِ، وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ، كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ. (١) وَيَتَوَلَّى ضَبْطَ الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيل، وَسَائِرَ أُمُورِ الْحِسْبَةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ الْفَصْل فِي الْخُصُومَاتِ.
ب - الْمُفْتِي:
٣ - الْمُفْتِي: هُوَ مَنْ يُبَيِّنُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِدُونِ إِلْزَامٍ. (٢)
أَوَّلًا - الْحَاكِمُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ الْمُتَكَلِّمِينَ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ الْحَاكِمَ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ ﷾، فَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، لاَ يَنْفُذُ فِي خَلْقِهِ إِلاَّ مَا شَاءَ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُ الْعِبَادَ وَيَنْهَاهُمْ، وَيَجِبُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَيُثَابُونَ بِالطَّاعَةِ، وَيُعَاقَبُونَ بِالْمَعْصِيَةِ، كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ يُطْلَقُ لَفْظُ الْحَاكِمِ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَالْقَاضِي بِمَعْنَى مَنْ إِلَيْهِ فَصْل الْخُصُومَاتِ. وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) الأحكام السلطانية ص ٢٤٠.
(٢) المصباح المنير، ومختار الصحاح، مواد: أمر، حسب، فتى.
ثَانِيًا: الْحَاكِمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ فِي تَوْلِيَةِ الْحَاكِمِ:
٥ - تَنْصِيبُ الْحَاكِمِ بِمَعْنَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَرْضٌ بِشُرُوطٍ وَقَوَاعِدَ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِمَامَةٌ كُبْرَى) .
وَأَمَّا الْحَاكِمُ بِمَعْنَى الْقَاضِي فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَوَلِّيَ الْقَضَاءِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ وَلِيَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ يَسْقُطُ الإِْثْمُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِلاَّ أَثِمُوا جَمِيعًا، وَتَنْصِيبُ الْحَاكِمِ فَرْضٌ عَلَى الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ يُنْصَبُ لإِقَامَةِ أَمْرٍ مَفْرُوضٍ، وَهُوَ فَصْل الْخُصُومَاتِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالإِْمَامُ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ الْمُتَكَلِّمُ بِاسْمِهِمُ الْمَسْئُول عَنْهُمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُ الْقُضَاةِ فِي كُل الأَْنْحَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (١) . وَلِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَلِمِسَاسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِتَقْيِيدِ الأَْحْكَامِ، وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ؛ وَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ الَّتِي هِيَ مَادَّةُ الْفَسَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. (٢)
وَتَنْصِيبُ الْحَاكِمِ مِنِ اخْتِصَاصِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِإِذْنِهِ. وَلاَ تَثْبُتُ وِلاَيَتُهُ إِلاَّ بِتَوْلِيَةِ الإِْمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ
_________
(١) سورة المائدة / ٤٨.
(٢) كشاف القناع ٦ / ٢٨٦، والإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع ٢ / ٢٩٦، وبدائع الصنائع ٧ / ٢ - ٣، والأحكام السلطانية ص ٦، وروضة الطالبين ١١ / ١٢٣.
بِإِذْنِهِ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْمَنُوطَةِ بِالإِْمَامِ، كَعَقْدِ الْجِزْيَةِ، وَالْهُدْنَةِ، فَلَمْ تَجُزْ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ. (١)
وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي تَوْلِيَةِ الْحَاكِمِ وَمَا تَنْعَقِدُ بِهِ وِلاَيَتُهُ وَشُرُوطِهِ وَاخْتِصَاصَاتِهِ وَتَعَدُّدِهِ وَقَابِلِيَّةِ أَحْكَامِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ لِلنَّقْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُنْظَرُ فِي: (قَضَاءٌ) .
_________
(١) المصادر السابقة.