الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦

أَفْعَالِهِ، وَأَلاَّ يَقْصِدَ خِلاَفَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ. (١)

وَقَال الشَّاطِبِيُّ أَيْضًا: فَإِذَا كَانَ الأَْمْرُ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَلَى أَصْل الْمَشْرُوعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مُوَافِقًا، وَالْمَصْلَحَةُ مُخَالِفَةً فَالْفِعْل غَيْرُ صَحِيحٍ وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ. (٢) اهـ.

وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ مُخَالَفَةُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي أُبِيحَتْ لِلْحَاجَةِ تَيْسِيرًا وَتَسْهِيلًا لِمَصَالِحِ النَّاسِ.

وَمِنْ ذَلِكَ النِّكَاحُ فَالْمَقْصِدُ الأَْصْلِيُّ مِنْهُ التَّنَاسُل، وَيَلِي ذَلِكَ طَلَبُ السَّكَنِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِالْحَلاَل، وَالتَّحَفُّظِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ، فَجَمِيعُ هَذَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ، وَنَوَاقِضُ هَذِهِ الأُْمُورِ مُضَادَّةٌ لِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ، كَمَا إِذَا نَكَحَهَا لِيُحِلَّهَا لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا، وَكَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَكُل نِكَاحٍ عَلَى هَذَا السَّبِيل. (٣) وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٌ) .

وَمِنْ ذَلِكَ الإِْجَارَةُ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِحَاجَةِ النَّاسِ، فَيَجِبُ اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّرْعُ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْجَارُ عَلَى النَّوْحِ وَالْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ وَكُل مَا مَنْفَعَتُهُ مُحَرَّمَةٌ. (٤)

وَالْقَرْضُ شُرِعَ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَمَصْلَحَةِ

_________

(١) الموافقات ٢ / ٣٣١.

(٢) الموافقات ٢ / ٣٨٥.

(٣) الموافقات ٢ / ٣٩٦ - ٣٩٧، والمغني ٦ / ٦٤٤ - ٦٤٦.

(٤) المغني ٥ / ٥٥٠، وهامش الفروق ٤ / ٨.

الْمَعْرُوفِ لِلْعِبَادِ، وَمَتَى خَرَجَ عَنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ امْتَنَعَ، إِمَّا لِتَحْصِيل مَنْفَعَةِ الْمُقْرِضِ، أَوْ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالسَّلَفِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَعْرُوفِ مَعَ تَعَيُّنِ الْمَحْذُورِ وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ. (١)

وَالْمَقْصُودُ بِشَرْعِيَّةِ الزَّكَاةِ رَفْعُ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وَتَحْقِيقُ مَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ وَهَبَ فِي آخِرِ الْحَوْل مَالَهُ هَرَبًا مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ ثُمَّ إِذَا كَانَ فِي حَوْلٍ آخَرَ أَوْ قَبْل ذَلِكَ اسْتَوْهَبَهُ، فَهَذَا الْعَمَل تَقْوِيَةٌ لِوَصْفِ الشُّحِّ وَإِمْدَادٌ لَهُ وَرَفْعٌ لِمَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، فَصُورَةُ هَذِهِ الْهِبَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْهِبَةُ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ إِرْفَاقٌ وَإِحْسَانٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَتَوْسِيعٌ عَلَيْهِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، وَهَذِهِ الْهِبَةُ تُنَافِي قَصْدَ الشَّارِعِ فِي رَفْعِ الشُّحِّ عَنِ النُّفُوسِ، وَالإِْحْسَانِ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَالْقَصْدُ غَيْرُ الشَّرْعِيِّ هَادِمٌ لِلْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ. (٢)

كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَحَيَّل الإِْنْسَانُ لإِيجَادِ سَبَبٍ يَتَرَخَّصُ بِمُقْتَضَاهُ، كَمَنْ أَنْشَأَ سَفَرًا لِيَقْصُرَ الصَّلاَةَ أَوْ أَنْشَأَ سَفَرًا فِي رَمَضَانَ لِيَأْكُل فِي النَّهَارِ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِهِ فَوَهَبَهُ كَيْ لاَ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَالْهُرُوبِ مِنَ الزَّكَاةِ بِجَمْعِ الْمُتَفَرِّقِ أَوْ تَفْرِيقِ الْمُتَجَمِّعِ، وَكَالزَّوْجَةِ الَّتِي تُرْضِعُ جَارِيَةَ الزَّوْجِ أَوِ الضَّرَّةِ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ،

_________

(١) الفروق ٤ / ٢، وهامش الفروق ٤ / ٤.

(٢) الموافقات ٢ / ٣٨٥ - ٣٨٦.

أَوْ إِثْبَاتِ حَقٍّ لاَ يَثْبُتُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي قَالَبِ الإِْقْرَارِ بِالدَّيْنِ. (١)

وَفِي أَصْل هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا بُنِيَ عَلَيْهَا مِنْ فُرُوعٍ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي مَوَاضِعِهِ، وَفِي بَحْثِ: (حِيلَةٌ) .

الْحَاجَةُ تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ:

١٦ - مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ نُجَيْمٍ وَالسُّيُوطِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ - وَهِيَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ - أَنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ أَوِ الْخَاصَّةَ تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ.

وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَاجَةِ عَامَّةً أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا فِيمَا يَمَسُّ مَصَالِحَهُمُ الْعَامَّةَ مِنْ تِجَارَةٍ وَزِرَاعَةٍ وَصِنَاعَةٍ وَسِيَاسَةٍ عَادِلَةٍ وَحُكْمٍ صَالِحٍ.

وَمَعْنَى كَوْنِ الْحَاجَةِ خَاصَّةً أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهَا فَرْدٌ أَوْ أَفْرَادٌ مَحْصُورُونَ أَوْ طَائِفَةٌ خَاصَّةٌ كَأَرْبَابِ حِرْفَةٍ مُعَيَّنَةٍ.

وَالْمُرَادُ بِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي الأَْحْكَامِ فَتُبِيحُ الْمَحْظُورَ وَتُجِيزُ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، مِمَّا يُسْتَثْنَى مِنَ الْقَوَاعِدِ الأَْصْلِيَّةِ.

١٧ - أ - وَالْحَاجَةُ الْعَامَّةُ كَالإِْجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَغَيْرِهَا، قَال الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهَا جَرَتْ عَلَى حَاجَاتٍ خَاصَّةٍ تَكَادُ تَعُمُّ،

_________

(١) الموافقات ٢ / ٣٧٩ - ٣٨٠.

وَالْحَاجَةُ إِذَا عَمَّتْ كَانَتْ كَالضَّرُورَةِ، فَتَغْلِبُ فِيهَا الضَّرُورَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.

وَمِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ الإِْجَارَةِ مَعَ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى مَنَافِعَ مَعْدُومَةٍ، يَعْنِي أَنَّ الشَّرْعَ كَمَا اعْتَنَى بِدَفْعِ ضَرُورَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ لاَ يَعْتَنِي بِهِ مَعَ حَاجَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ مُنِعَتِ الْجَمَاعَةُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لَنَال آحَادَ الْجَمَاعَةِ ضَرُورَةٌ تَزِيدُ عَلَى ضَرُورَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، فَهِيَ بِالرِّعَايَةِ أَوْلَى.

وَمِنْهَا ضَمَانُ الدَّرْكِ جُوِّزَ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ؛ إِذِ الْبَائِعُ إِذَا بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ لَيْسَ مَا أَخَذَهُ مِنَ الثَّمَنِ دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى يَضْمَنَ، وَلَكِنْ جُوِّزَ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَى مُعَامَلَةِ مَنْ لاَ يَعْرِفُونَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ خُرُوجُ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا.

وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْعِلْجِ (الْكَافِرِ) الَّذِي يَدُل عَلَى قَلْعَةِ الْكُفَّارِ بِجَارِيَةٍ مِنْهَا يَصِحُّ لِلْحَاجَةِ، مَعَ أَنَّ الْجُعْل الْمُعَيَّنَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْلُوكًا وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا. (١)

وَالصُّلْحُ إِنْقَاصٌ لِلْحَقِّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِدُونِ وَجْهٍ مَشْرُوعٍ وَهُوَ جَائِزٌ؛ لأَِنَّا إِذَا أَجْمَعْنَا عَلَى بَذْل الْمَال بِغَيْرِ حَقٍّ فِي فِدَاءِ الأَْسْرَى وَالْمُخَالَعَةِ وَالظَّلَمَةِ وَالْمُحَارَبِينَ وَالشُّعَرَاءِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لِدَرْءِ الْخُصُومَةِ. (٢)

وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّهُ يُبَاحُ مِنْ رِبَا الْفَضْل مَا

_________

(١) أشباه ابن نجيم / ٩١ - ٩٢، وأشباه السيوطي ٩٧، والمنثور ٢ / ٢٤ - ٢٥.

(٢) هامش الفروق ٤ / ٨.

تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ كَالْعَرَايَا (وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ) فَهَذَا الْبَيْعُ فِي الْحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الرِّبَا؛ لأَِنَّ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا أَزْيَدُ مِنَ الآْخَرِ قَطْعًا بِلِينِهِ، فَهُوَ أَزْيَدُ أَجْزَاءً مِنَ الآْخَرِ زِيَادَةً لاَ يُمْكِنُ فَصْلُهَا وَتَمْيِيزُهَا، وَلاَ يُمْكِنُ جَعْل الرُّطَبِ مُسَاوِيًا لِلتَّمْرِ عِنْدَ كَمَال نُضْجِهِ، فَالْمُسَاوَاةُ مَظْنُونَةٌ وَلَيْسَتْ مُتَيَقَّنَةً، فَلاَ يَجُوزُ قِيَاسًا بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالآْخَرِ، لَكِنْ جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُبِيحَةً لَهُ لِلْحَاجَةِ، (١) رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا (٢) .

هَذِهِ بَعْضُ أَمْثِلَةٍ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ.

١٨ - ب - وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ مَا يَأْتِي:

ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ تَطْبِيقَاتِ قَاعِدَةِ (الْحَاجَةُ الْخَاصَّةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ): الأَْكْل مِنْ طَعَامِ الْكُفَّارِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِلْغَانِمِينَ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ طَعَامٌ آخَرُ، بَل يَأْخُذُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِحَاجَةِ الْجَرَبِ وَالْحِكَّةِ، وَسَكَتَ الْفُقَهَاءُ عَنِ اشْتِرَاطِ وُجُودِ مَا يُغْنِي عَنْهُ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ لُبْسٍ كَمَا فِي التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ.

_________

(١) أعلام الموقعين ٢ / ١٥٩.

(٢) حديث: " رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٠ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٦٩ - ط الحلبي) من حديث زيد بن ثابت.

وَذَكَرَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكِلاَبِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ كَحِفْظِ الزَّرْعِ وَالْمَوَاشِي وَاكْتِسَابِ الصَّيُودِ. (١) وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِل الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ.

أَسْبَابُ الْحَاجَةِ:

١٩ - الإِْنْسَانُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يُحَقِّقُ مَصَالِحَهُ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ دُونَ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ، وَكُل مَا يَلْحَقُ الإِْنْسَانَ مِنْ مَشَقَّةٍ وَحَرَجٍ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَصْلَحَةِ يُعْتَبَرُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ. وَلِذَلِكَ يَقُول الشَّاطِبِيُّ: الْحَاجِيَّاتُ مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةُ وَرَفْعُ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ. (٢)

وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ أَوْ حَالاَتِ الْحَاجَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

الأَْوَّل: أَسْبَابٌ مَصْلَحِيَّةٌ فِي الأَْصْل تَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلنَّاسِ فِي حَيَاتِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ هِيَ مَا شُرِعَ لَهَا مَا يُنَاسِبُهَا وَيُحَقِّقُهَا كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ وَغَيْرِهَا. (٣)

وَالإِْنْسَانُ مُكَلَّفٌ بِعِبَادَةِ اللَّهِ ﷾

_________

(١) المنثور في القواعد ٢ / ٢٥ - ٢٦، وقواعد الأحكام ٢ / ١٣٩.

(٢) الموافقات ٢ / ١٠، وجمع الجوامع ٢ / ٢٨١.

(٣) الموافقات ١ / ٣٠٠، وهامش الفروق ٢ / ١٤١.

مَا دَامَتْ حَيَاتُهُ، وَلاَ تَتِمُّ حَيَاتُهُ إِلاَّ بِدَفْعِ ضَرُورَاتِهِ وَحَاجَاتِهِ مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَنَاكِحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ إِلاَّ بِإِبَاحَةِ التَّصَرُّفَاتِ الدَّافِعَةِ لِلضَّرُورَاتِ وَالْحَاجَاتِ.

وَفِي قَوَاعِدِ الأَْحْكَامِ امْتَنَّ اللَّهُ ﷾ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا أَبَاحَهُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَبِمَا جَوَّزَهُ مِنَ الإِْجَارَاتِ وَالْجَعَالاَتِ وَالْوَكَالاَتِ تَحْصِيلًا لِلْمَنَافِعِ الَّتِي لاَ تُحْصَى كَثْرَةً. (١)

الثَّانِي: أَسْبَابٌ هِيَ أَعْذَارٌ طَارِئَةٌ. قَال السُّيُوطِيُّ وَابْنُ نُجَيْمٍ: أَسْبَابُ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا سَبْعَةٌ، وَهِيَ: السَّفَرُ، وَالْمَرَضُ، وَالإِْكْرَاهُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالْجَهْل، وَالْعُسْرُ، وَعُمُومُ الْبَلْوَى، وَالنَّقْصُ. وَفِي تَفْصِيل هَذِهِ الأَْسْبَابِ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَيْسِيرٌ: ج ١٤ ص ٢١١ مِنَ الْمَوْسُوعَةِ) .

الْحَاجَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا:

٢٠ - مَا شُرِعَ مِنَ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ تَيْسِيرًا وَتَسْهِيلًا لِمَصَالِحِ النَّاسِ لَهُ صِفَةُ الدَّوَامِ وَالاِسْتِمْرَارِ، يَسْتَفِيدُ مِنْهُ الْمُحْتَاجُ وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ كَالْقَرْضِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلاَ يَدْخُل تَحْتَ قَاعِدَةِ (الْحَاجَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا) .

أَمَّا مَا شُرِعَ مِنَ الأَْحْكَامِ تَخْفِيفًا وَتَرْخِيصًا

_________

(١) قواعد الأحكام ١ / ٢٠٠ - ٢٠١ و٢ / ٦٩، والتبصر لابن فرحون بهامش فتح العلي ١ / ١٣٣.

بِسَبَبِ الأَْعْذَارِ الطَّارِئَةِ فَهُوَ الَّذِي يُبَاحُ بِالْقَدْرِ الَّذِي تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ، وَتَزُول الإِْبَاحَةُ بِزَوَال الْحَاجَةِ. (١)

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

أ - إِذَا عَمَّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لاَ يُوجَدُ فِيهِ حَلاَلٌ إِلاَّ نَادِرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَسْتَعْمِل مِنْ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلاَ يَقِفُ تَحْلِيل ذَلِكَ عَلَى الضَّرُورَاتِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا لأَدَّى إِلَى ضَعْفِ الْعِبَادِ، وَاسْتِيلاَءِ أَهْل الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ عَلَى بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ نَقْطَعُ النَّاسَ عَنِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَالأَْسْبَابِ الَّتِي تَقُومُ بِمَصَالِحِ الأَْنَامِ. قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: وَلاَ يُتَبَسَّطُ فِي هَذِهِ الأَْمْوَال كَمَا يُتَبَسَّطُ فِي الْمَال الْحَلاَل، بَل يُقْتَصَرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ أَكْل الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ كَالتَّتِمَّاتِ. (٢)

ب - نَظَرُ الشُّهُودِ لِلْمَرْأَةِ لِتَحَمُّل الشَّهَادَاتِ وَنَظَرُ الأَْطِبَّاءِ لِحَاجَةِ الْمُدَاوَاةِ وَالنَّظَرُ إِلَى الْمَرْغُوبِ فِي نِكَاحِهَا قَبْل الْعَقْدِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُرْجَى إِجَابَتُهَا، وَالنَّظَرُ لإِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ كَالْخِتَانِ وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الزُّنَاةِ. كُل ذَلِكَ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ. (٣)

_________

(١) الموافقات ١ / ٣٠٠ - ٣٠٣، وهامش الفروق ٢ / ١٣٩، وقواعد الأحكام ٢ / ٤، ١٤١.

(٢) المنثور ٢ / ٣١٧، وقواعد الأحكام ٢ / ١٥٩ - ١٦٠.

(٣) قواعد الأحكام ٤ / ١٤٠ - ١٤١، وقليوبي ٣ / ٢١٢، والفواكه الدواني ٢ / ٤١٠، وأشباه ابن نجيم / ٨٦.

الْحَاجَاتُ غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ لاَ تَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ:

٢١ - الْحُقُوقُ مِنَ الْحَاجَاتِ غَيْرِ الْمَحْدُودَةِ لاَزِمَةٌ لِلإِْنْسَانِ وَمُطَالَبٌ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لاَ تَتَرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي:

أَنَّهَا لَوْ تَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ لَكَانَتْ مَحْدُودَةً مَعْلُومَةً؛ إِذِ الْمَجْهُول لاَ يَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ وَلاَ يُعْقَل نِسْبَتُهُ إِلَيْهَا، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَتَرَتَّبَ دَيْنًا.

وَمِثَالُهُ الصَّدَقَاتُ الْمُطْلَقَةُ، وَسَدُّ الْخَلاَّتِ، وَدَفْعُ حَاجَاتِ الْمُحْتَاجِينَ، وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِينَ، وَإِنْقَاذُ الْغَرْقَى. . . فَإِذَا قَال الشَّارِعُ: أَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، أَوْ قَال: اكْسُوا الْعَارِيَ، أَوْ: أَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَمَعْنَى ذَلِكَ طَلَبُ رَفْعِ الْحَاجَةِ فِي كُل وَاقِعَةٍ بِحَسَبِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مِقْدَارٍ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ حَاجَةٌ تَبَيَّنَ مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهَا بِالنَّظَرِ لاَ بِالنَّصِّ، فَإِذَا تَعَيَّنَ جَائِعٌ فَالْمُخَاطَبُ مَأْمُورٌ بِإِطْعَامِهِ وَسَدِّ خَلَّتِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الإِْطْلاَقِ، فَإِنْ أَطْعَمَهُ مَا لاَ يَرْفَعُ عَنْهُ الْجُوعَ فَالطَّلَبُ بَاقٍ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَل مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ كَافٍ وَرَافِعٌ لِلْحَاجَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أُمِرَ ابْتِدَاءً، وَالَّذِي هُوَ كَافٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ السَّاعَاتِ وَالْحَالاَتِ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ. (١)

تَقْدِيمُ الْحَوَائِجِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِهِ:

٢٢ - إِذَا اجْتَمَعَتِ الْحَوَائِجُ وَأَمْكَنَ تَحْصِيلُهَا حُصِّلَتْ، وَذَلِكَ مِثْل الْمُسْتَحِقِّينَ مِنَ الزَّكَاةِ إِذَا

_________

(١) الموافقات ١ / ١٥٧.

أَمْكَنَ إِيفَاءُ حَاجَةِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إِيفَاءُ حَاجَةِ الْجَمِيعِ قُدِّمَ الأَْشَدُّ حَاجَةً عَلَى غَيْرِهِ. وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ الإِْنْسَانُ بِصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ. (١) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: عِنْدِي دِينَارٌ، قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ، قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ قَال: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ، قَال: عِنْدِي آخَرُ، قَال: أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ (٢) .

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَشَدُّ حَاجَةً فَيُقَدِّمُهُ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ الْقَرَابَةِ أَحْوَجَ أَعْطَاهُ، فَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ فِي الْجِوَارِ وَأَكْثَرَ دِينًا. (٣)

وَيَقُول الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي قَوَاعِدِهِ: النَّفَقَاتُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمُفْتَقِرَاتِ إِلَى النِّيَّاتِ فَيُقَدِّمُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ عَلَى نَفَقَةِ آبَائِهِ وَأَوْلاَدِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَيُقَدِّمُ نَفَقَةَ زَوْجَاتِهِ عَلَى نَفَقَةِ آبَائِهِ وَأَوْلاَدِهِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ حَاجَاتِهِ.

_________

(١) المهذب ١ / ١٨٢.

(٢) حديث أبي هريرة: " أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: عندي. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٢٥١ - ط الحلبي) . والحاكم (١ / ٤١٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٣) المغني ٢ / ٦٨٩، وقواعد الأحكام / ٥٨.