الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦

الاِجْتِهَادُ إِذَا فَقَدَ ثِقَةً يُخْبِرُهُ؛ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ الْمُعَايَنَةَ مِنَ الْمَشَقَّةِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ ج ٤ ص ٦٤، ٦٥) .

د - مَسُّ الْمُصْحَفِ:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِلاَ حَائِلٍ. قَال تَعَالَى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) . وَفِي كِتَابِهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لاَ يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (٣) .

وَاخْتَلَفُوا فِي مَسِّهِ بِحَائِلٍ، كَغِلاَفٍ أَوْ كُمٍّ أَوْ نَحْوِهِمَا.

فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ بِالتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ بِحَائِلٍ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ الْحَائِل ثَخِينًا، حَيْثُ يُعَدُّ مَاسًّا عُرْفًا. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَإِنْ مَسَّهُ بِقَضِيبٍ وَنَحْوِهِ وَكَذَلِكَ مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَإِنْ بِعَلاَّقَةٍ أَوْ وِسَادَةٍ إِلاَّ بِأَمْتِعَةٍ قَصَدَ حَمْلَهَا (٤) .

وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ مَسِّ الْمُصْحَفِ

_________

(١) نهاية المحتاج ١ / ٤١٨.

(٢) سورة الواقعة / ٧٩.

(٣) ابن عابدين ١ / ١١٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢١، والحطاب ١ / ٣٠٣، والقليوبي ١ / ٣٥، والمغني ١ / ١٤٧.

(٤) جواهر الإكليل ١ / ٢١، والحطاب ١ / ٣٠٣، وحاشية القليوبي ١ / ٣٥.

لِلْمُحْدِثِ بِحَائِلٍ مِمَّا لاَ يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ كَكِيسٍ وَكُمٍّ (١) . لأَِنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ، وَمَعَ الْحَائِل إِنَّمَا يَكُونُ الْمَسُّ لِلْحَائِل دُونَ الْمُصْحَفِ (٢) . وَمِثْلُهُ مَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ الْحَائِل الْمُنْفَصِل وَالْمُتَّصِل فَقَالُوا: يَحْرُمُ مَسُّ الْمُصْحَفِ لِلْمُحْدِثِ إِلاَّ بِغِلاَفٍ مُتَجَافٍ - أَيْ غَيْرِ مَخِيطٍ - أَوْ بِصُرَّةٍ. وَالْمُرَادُ بِالْغِلاَفِ مَا كَانَ مُنْفَصِلًا كَالْخَرِيطَةِ وَنَحْوِهَا؛ لأَِنَّ الْمُتَّصِل بِالْمُصْحَفِ مِنْهُ، وَعَلَى ذَلِكَ الْفَتْوَى (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ: (مُصْحَفٌ) .

هـ - الاِقْتِدَاءُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ:

٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ إِذَا حَال بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُقْتَدِي جِدَارٌ كَبِيرٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ يَمْنَعُ الْمُقْتَدِيَ مِنَ الْوُصُول إِلَى إِمَامِهِ لَوْ قَصَدَ الْوُصُول إِلَيْهِ. وَيَصِحُّ إِذَا كَانَ الْحَائِل صَغِيرًا لاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْجِدَارُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا فَقَالُوا بِجَوَازِ الاِقْتِدَاءِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ١٣٤، ١٣٥.

(٢) نفس المرجع.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١١٧.

سَمَاعِ الإِْمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ رُؤْيَةِ فِعْل أَحَدِهِمَا (١) .

وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الاِقْتِدَاءِ إِذَا حَال بَيْنَ الإِْمَامِ وَالْمُقْتَدِي نَهْرٌ كَبِيرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، وَمِثْلُهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ عَجَلَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (اقْتِدَاءٌ ج ٦ ص ٢٣، ٢٤) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٨٧، ومراقي الفلاح ص ١٦٠، والدسوقي ١ / ٣٣٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٥٠، والإنصاف ٢ / ٢٩٥ - ٢٩٧.

(٢) ابن عابدين ١ / ٣٩٣، والدسوقي ١ / ٣٣٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٩، وكشاف القناع ١ / ٢٩٢.

حَاجِبٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَاجِبُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْحَجْبِ أَيِ: الْمَنْعِ، يُقَال: حَجَبَهُ أَيْ: مَنَعَهُ عَنِ الدُّخُول أَوِ الْوُصُول، وَكُل شَيْءٍ مَنَعَ شَيْئًا فَقَدْ حَجَبَهُ، وَمِنْهُ حَجْبُ الإِْخْوَةِ الأُْمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَحَجْبُ الاِبْنِ الأَْخَ.

وَقِيل لِلْبَوَّابِ: حَاجِبٌ؛ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الدُّخُول، وَمِنْهُ حَاجِبُ الأَْمِيرِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا. وَالْحَاجِبَانِ: الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فَوْقَ الْعَيْنَيْنِ بِلَحْمِهِمَا وَشَعْرِهِمَا، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمَا كَالْحَاجِبَيْنِ لِلْعَيْنِ فِي الذَّبِّ عَنْهُمَا.

وَقِيل: الْحَاجِبُ: الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يَحْجُبُ عَنِ الْعَيْنِ شُعَاعَ الشَّمْسِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

_________

(١) المصباح المنير، والقاموس المحيط، لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن مادة: (حجب) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْبَوَّابُ وَالنَّقِيبُ:

٢ - عَقَدَ الشَّيْخُ أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ صِلَةً وَمُقَارَنَةً بَيْنَ الْحَاجِبِ وَبَيْنَ كُلٍّ مِنَ الْبَوَّابِ وَالنَّقِيبِ فَقَال:

الْحَاجِبُ: مَنْ يَدْخُل عَلَى الْقَاضِي لِلاِسْتِئْذَانِ. وَالْبَوَّابُ: مَنْ يَقْعُدُ بِالْبَابِ لِلإِْحْرَازِ.

وَالنَّقِيبُ: مَنْ وَظِيفَتُهُ تَرْتِيبُ الْخُصُومِ وَالإِْعْلاَمُ بِمَنَازِل النَّاسِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

بَحَثَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ الْحَاجِبِ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: أَوَّلًا: غَسْل الْحَاجِبِ فِي الْوُضُوءِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل الْحَاجِبِ الْخَفِيفِ. . شَعْرًا وَمَنْبَتًا بِإِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ إِنْ كَانَتْ تَظْهَرُ تَحْتَ الشَّعْرِ عِنْدَ الْمُوَاجَهَةِ؛ لأَِنَّ الَّذِي لاَ يَسْتُرُهُ شَعْرٌ يُشْبِهُ مَا لاَ شَعْرَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ غَسْل الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْمَحَل، وَلأَِنَّهُ لاَ حَرَجَ فِي غَسْل مَنْبَتِ شَعْرِ الْحَاجِبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ.

٤ - وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ مِنَ الْحَاجِبِ الْكَثِيفِ:

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ)

_________

(١) لسان العرب، وأسنى المطالب ٤ / ٢٩٧ - ٢٩٨.

إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل أُصُول شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ إِذَا كَانَا كَثِيفَيْنِ وَيُكْتَفَى بِغَسْل ظَاهِرِ الشَّعْرِ؛ لأَِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا دَاخِلَيْنِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ إِلاَّ أَنَّ فِي إِيجَابِ غَسْل أُصُول شَعْرِهِمَا حَرَجًا، وَلأَِنَّ مَحَل الْفَرْضِ اسْتَتَرَ بِحَائِلٍ وَصَارَ بِحَالٍ لاَ يُوَاجِهُ النَّاظِرَ إِلَيْهِ فَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ وَتَحَوَّل إِلَى الْحَائِل.

لَكِنْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ تَخْلِيل شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ أَوْ غَسْل بَاطِنِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُسَنُّ تَخْلِيل الشَّعْرِ الْكَثِيفِ بِالْحَاجِبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا الْمُحْرِمُ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَسْقُطَ الشَّعْرُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ: يُكْرَهُ التَّخْلِيل.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ غَسْل بَاطِنِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ إِذَا كَانَ كَثِيفًا فِي الْوُضُوءِ. خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل الْحَاجِبَيْنِ شَعْرًا وَبَشَرًا، أَيْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا لِنُدْرَةِ كَثَافَتِهِ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ (١) .

ثَانِيًا - صَلاَةُ الْعَاجِزِ إِيمَاءً بِالْحَاجِبِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ

_________

(١) رد المحتار ١ / ٦١، وشرح الزرقاني ١ / ٥٦، ونهاية المحتاج ١ / ١٥٤، وكشاف القناع ١ / ٩٦ - ٩٧.

الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ الْمَفْرُوضَةُ إِلاَّ بِهَذِهِ الأَْرْكَانِ - وَغَيْرِهَا - لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنِ الْقِيَامِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالإِْيمَاءِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ يَسْتَلْقِي وَيُومِئُ إِيمَاءً؛ لأَِنَّ سُقُوطَ أَيٍّ مِنَ الأَْرْكَانِ لِمَكَانِ الْعُذْرِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْعُذْرِ، وَالإِْيمَاءُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ هُوَ تَحْرِيكُ الرَّأْسِ.

٦ - وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِتَحْرِيكِ رَأْسِهِ، وَاخْتِلاَفُهُمْ هُنَا يَحْسُنُ مَعَهُ إِيرَادُ كُل مَذْهَبٍ عَلَى حِدَةٍ.

الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ وَهُوَ تَحْرِيكُ الرَّأْسِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ صَلَّى جَالِسًا، فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ صَلَّى نَائِمًا يُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ نَالَتْهُ مَشَقَّةٌ سَبَّحَ (١) .

أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ الإِْيمَاءُ بِغَيْرِ تَحْرِيكِ الرَّأْسِ كَالْحَاجِبِ لَمَا كَانَ مَعْذُورًا، وَلأَِنَّ الإِْيمَاءَ

_________

(١) حديث: " ابن عباس عن النبي ﷺ قال: يصلي المريض قائما، فإن نالته مشقة صلى جالسا، فإن نالته مشقة صلى نائما يومئ برأسه، فإن نالته مشقة سبح " ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ١٤٩ - ط القدسي) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه

لَيْسَ بِصَلاَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ التَّنَفُّل بِهِ فِي حَالَةِ الاِخْتِيَارِ، وَلَوْ كَانَ صَلاَةً لَجَازَ كَمَا لَوْ تَنَفَّل قَاعِدًا إِلاَّ أَنَّهُ أُقِيمَ مُقَامَ الصَّلاَةِ بِالشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِالإِْيمَاءِ بِالرَّأْسِ فَلاَ يُقَامُ غَيْرُهُ مُقَامَهُ.

وَقَال زُفَرُ: لَوْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِتَحْرِيكِ الرَّأْسِ يُومِئُ بِالْحَاجِبَيْنِ أَوَّلًا، فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْعَيْنَيْنِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ فَرْضٌ دَائِمٌ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالْعَجْزِ، فَمَا عَجَزَ عَنْهُ يَسْقُطُ وَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ بِقَدْرِهِ، فَإِذَا قَدَرَ بِالْحَاجِبَيْنِ كَانَ الإِْيمَاءُ بِهِمَا أَوْلَى لأَِنَّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الرَّأْسِ، فَإِنْ عَجَزَ يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ لأَِنَّهُمَا مِنَ الأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ، وَجَمِيعُ الْبَدَنِ ذُو حَظٍّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَكَذَا الْعَيْنَانِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْقَلْبِ؛ لأَِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ ذُو حَظٍّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ النِّيَّةُ، أَلاَ تَرَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطُ صِحَّتِهَا، فَعِنْدَ الْعَجْزِ تَنْتَقِل إِلَيْهِ.

وَقَال الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَحَاجِبَيْهِ وَلاَ يُومِئُ بِقَلْبِهِ؛ لأَِنَّ أَرْكَانَ الصَّلاَةِ تُؤَدَّى بِالأَْعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ، أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَلاَ حَظَّ لَهَا مِنْ أَرْكَانِهَا بَل لَهَا حَظٌّ مِنَ الشَّرْطِ وَهُوَ النِّيَّةُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الإِْيمَاءِ فَلاَ يُؤَدَّى بِهِ الأَْرْكَانُ وَالشَّرْطُ جَمِيعًا (١) .

وَقَال الْمَازِرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى النِّيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ١٠٥ - ١٠٧

الإِْيمَاءِ بِطَرْفِهِ أَوْ حَاجِبِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَل مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وُجُوبًا وَيَكُونُ مُصَلِّيًا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى النِّيَّةِ وَجَبَتْ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَجَزَ الْمُكَلَّفُ عَنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ بِهَيْئَتِهَا الأَْصْلِيَّةِ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِرَأْسِهِ فَبِطَرْفِهِ، وَمِنْ لاَزِمِهِ الإِْيمَاءُ بِجَفْنِهِ وَحَاجِبِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ هُنَا إِيمَاءٌ لِلسُّجُودِ أَخْفَضُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِهِمَا بِرَأْسِهِ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ وَنَوَى بِقَلْبِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ جَمَاعَةٍ لاَ يَلْزَمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْفُرُوعِ (١) . وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لَهُمْ فِي الإِْيمَاءِ بِالْحَاجِبِ.

ثَالِثًا: الأَْخْذُ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الأَْخْذِ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَيُنْظَرُ الْخِلاَفُ فِي ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَنَمُّصٌ) .

رَابِعًا: الْجِنَايَةُ عَلَى الْحَاجِبِ:

٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى شَعْرِ الْحَاجِبِ إِذَا لَمْ يَنْبُتْ الدِّيَةَ، وَفِي أَحَدِ

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٥٧، ونهاية المحتاج ١ / ٤٥٠، وكشاف القناع ١ / ٤٩٩، والمغني ٢ / ١٤٨ - ١٤٩.

الْحَاجِبَيْنِ نِصْفَ الدِّيَةِ، قَالُوا: لأَِنَّ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ إِتْلاَفًا لِلْجَمَال عَلَى الْكَمَال وَإِتْلاَفًا لِلْمَنْفَعَةِ أَيْضًا؛ لأَِنَّ الْحَاجِبَ يَرُدُّ الْعَرَقَ عَنِ الْعَيْنِ وَيُفَرِّقُهُ.

وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ كَوْنِ الْحَاجِبِ كَثِيفًا أَوْ خَفِيفًا، جَمِيلًا أَوْ قَبِيحًا، أَوْ كَوْنِهِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ؛ لأَِنَّ سَائِرَ مَا فِيهِ الدِّيَةُ مِنَ الأَْعْضَاءِ لاَ يَفْتَرِقُ فِيهِ الْحَال بِذَلِكَ. وَقَالُوا: إِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْحَاجِبَيْنِ بِذَهَابِهِمَا عَلَى وَجْهٍ لاَ يُرْجَى عَوْدُهُمَا بِإِتْلاَفِ مَنْبَتِ الشَّعْرِ، فَإِنْ رُجِيَ عَوْدُهُمَا فِي مُدَّةٍ انْتَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِنْ عَادَ الشَّعْرُ قَبْل أَخْذِ الدِّيَةِ لَمْ تَجِبْ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ أَخْذِهَا رُدَّتْ.

وَلاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ فِي شَعْرِ الْحَاجِبِ؛ لأَِنَّ إِتْلاَفَهُ يَكُونُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَحَلِّهِ - مَنْبَتِهِ - وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فَلاَ تُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ، فَلاَ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى شَعْرِ الْحَاجِبِ إِنْ لَمْ يَنْبُتْ حُكُومَةً، وَأَنَّ الشُّعُورَ لاَ قَوَدَ فِيهَا قَطْعًا، وَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيمَا شَأْنُهُ الزِّينَةُ مِنْهَا، فَإِنْ نَبَتَ الشَّعْرُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ إِلاَّ الأَْدَبُ فِي الْعَمْدِ. (١)

خَامِسًا: اتِّخَاذُ الْقَاضِي أَوْ الأَْمِيرِ حَاجِبًا:

٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأَْمِيرِ

_________

(١) فتح القدير ٨ / ٣٠٩، والمغني ٨ / ١٠ - ١١، والمدونة ٦ / ٣١٦، والزرقاني ٨ / ٤١، وقليوبي ٤ / ١٤٤.