الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ اتِّفَاقًا فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. أَمَّا الْمَأْمُومُ فَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجْهَرُ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (آمِينَ) .
الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيعِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ جَهْرُ الإِْمَامِ بِالتَّسْمِيعِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) لِيَسْمَعَ الْمَأْمُومُونَ وَيَعْلَمُوا انْتِقَالَهُ كَمَا يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ.
أَمَّا الْمُؤْتَمُّ وَالْمُنْفَرِدُ فَيُسْمِعُ نَفْسَهُ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .
الْجَهْرُ بِالتَّشَهُّدِ:
١٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الإِْسْرَارِ بِالتَّشَهُّدِ وَكَرَاهَةِ الْجَهْرِ بِهِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: مِنْ سُنَّةِ الصَّلاَةِ أَنْ يُخْفِيَ التَّشَهُّدَ (٣) .
قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا قَال الصَّحَابِيُّ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا كَانَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ
_________
(١) روضة الطالبين ١ / ٢٤٧، ومغني المحتاج ١ / ١٦١.
(٢) شرح الكنز بحاشية أبي السعود ١ / ١٧٥، والزرقاني ١ / ٢٠٧، وحاشية الجمل ١ / ٣٦٧، والمجموع ٣ / ٤١٨، ومنتهى الإرادات ١ / ٧٦.
(٣) حديث عبد الله بن مسعود قال: " من سنة الصلاة أن يخفي التشهد ". أخرجه الحاكم (١ / ٢٣٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ الأُْصُول الْمُتَكَلِّمِينَ (١) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَشَهُّدٌ ف ٧ ج ١٢ ص ٣٨) .
الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ:
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ دُعَاءِ الْقُنُوتِ مِنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - إِلَى اسْتِحْبَابِ الإِْخْفَاءِ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ جَمِيعًا، لأَِنَّهُ دُعَاءٌ، وَالْمَسْنُونُ فِي الدُّعَاءِ الإِْخْفَاءُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ (٣) .
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ غَيْرَهُ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَإِنْ
_________
(١) المجموع ٣ / ٤٦٣، والفتوحات الربانية ٢ / ٣٣٩، والمغني ١ / ٥٤٥، والمبسوط للسرخسي ١ / ٣٢.
(٢) سورة الأعراف / ٥٥.
(٣) الفواكه الدواني ١ / ٢١٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٨، والبناية ١ / ٥٢٣ - ٥٢٤، والفتاوى الهندية ١ / ١١١، وبدائع الصنائع ١ / ٢٧٤. وحديث: " خير الذكر الخفي ". أخرجه أحمد (١ / ١٧٢ - ط الميمنية من حديث سعد بن أبي وقاص، وفي إسناده انقطاع، كما في تحقيق أحمد شاكر للمسند (٣ / ٤٤ - ط دار المعارف) .
شَاءَ أَسَرَّ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ كَانَ إِمَامًا يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ لَكِنْ دُونَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ وَالْقَوْمُ يُتَابِعُونَهُ هَكَذَا إِلَى قَوْلِهِ (إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) وَإِذَا دَعَا الإِْمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ قَال أَبُو يُوسُفَ: يُتَابِعُونَهُ وَيَقْرَءُونَ. وَفِي قَوْل مُحَمَّدٍ لاَ يَقْرَءُونَ وَلَكِنْ يُؤَمِّنُونَ. وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنْ شَاءَ الْقَوْمُ سَكَتُوا (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الإِْمَامَ يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ. وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَلْيَكُنْ جَهْرُهُ بِهِ دُونَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ، فَإِنْ أَسَرَّ الإِْمَامُ بِالدُّعَاءِ حَصَّل سُنَّةَ الْقُنُوتِ وَفَاتَهُ سُنَّةُ الْجَهْرِ.
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ بِهِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُؤَمِّنُ خَلْفَ الإِْمَامِ جَهْرًا لِلدُّعَاءِ، وَيَقُول الثَّنَاءَ سِرًّا أَوْ يَسْتَمِعُ لإِمَامِهِ (٢) .
وَيُوَافِقُ الْحَنَابِلَةُ الشَّافِعِيَّةَ فِي اسْتِحْبَابِ جَهْرِ الإِْمَامِ بِالْقُنُوتِ، وَتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ لِلدُّعَاءِ (٣) .
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ كَالإِْمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) .
قَال ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةُ، وَالإِْنْصَافُ الَّذِي يَرْتَضِيهِ الْعَالِمُ الْمُنْصِفُ أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ وَأَسَرَّ وَقَنَتَ وَتَرَكَ، وَكَانَ إِسْرَارُهُ أَكْثَرَ مِنْ جَهْرِهِ، وَتَرْكُهُ
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٢٧٤.
(٢) حاشية الجمل ١ / ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٣) كشاف القناع ١ / ٤١٨، ومنتهى الإرادات ١ / ٩٨، نشر مكتبة دار العروبة.
(٤) الإنصاف ٢ / ١٧٢.
الْقُنُوتَ أَكْثَر مِنْ فِعْلِهِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل فِي صِفَةِ الْقُنُوتِ وَمَحَل أَدَائِهِ وَمِقْدَارِهِ وَدُعَائِهِ (ر: قُنُوتٌ، وِتْرٌ) .
الْجَهْرُ بِالتَّسْلِيمِ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُنِّيَّةِ الْجَهْرِ بِالتَّسْلِيمَةِ الأُْولَى فِي حَقِّ الإِْمَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ (٢) .
فَيَرَى الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - أَنَّهُ يُسَنُّ جَهْرُ الإِْمَامِ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ. فَقَدْ عَدَّ أَبُو السُّعُودِ جَهْرَ الإِْمَامِ بِالسَّلاَمِ مُطْلَقًا مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ.
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ أَنْ لاَ يُسَلِّمَ إِلاَّ بَعْدَ فَرَاغِ الإِْمَامِ مِنْ تَسْلِيمَتَيْهِ. وَصَرَّحَ الْنَجِيرِمِيُّ بِكَرَاهَةِ مُقَارَنَةِ الْمَأْمُومِ مَعَ الإِْمَامِ فِي السَّلاَمِ. فَيُسَنُّ جَهْرُ الإِْمَامِ بِالسَّلاَمِ لِيُسْمِعَ الْمَأْمُومِينَ فَيَعْلَمُوا فَرَاغَهُ مِنْ تَسْلِيمَتَيْهِ وَيُتَابِعُوهُ (٣) .
وَالسُّنَّةُ فِي السَّلاَمِ أَنْ يَكُونَ جَهْرُ الإِْمَامِ
_________
(١) زاد المعاد ١ / ٢٧٢.
(٢) المغني ١ / ٥٥٦، والشرح الصغير ١ / ١٢٨ ط المدني، والدسوقي ١ / ٢٤٤، وشرح الكنز بحاشية أبي السعود ١ / ١٧٥، والبجيرمي على الخطيب ٢ / ٦٨، نشر دار المعرفة.
(٣) حاشية أبي السعود على شرح الكنز ١ / ١٧٥، والفتاوى الهندية ١ / ٧٧، والبجيرمي على الخطيب ٢ / ٦٨، والمجموع ٣ / ٢٩٥، والمغني ١ / ٥٥٦ - ٥٥٧.
بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ أَخْفَضَ مِنَ الأُْولَى وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالتَّسْلِيمَةِ الأُْولَى وَتَكُونُ الثَّانِيَةُ أَخْفَى مِنَ الأُْولَى. لأَِنَّ الْجَهْرَ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ إِنَّمَا شُرِعَ لِلإِْعْلاَمِ بِالاِنْتِقَال مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ وَقَدْ حَصَل الْعِلْمُ بِالْجَهْرِ بِالتَّسْلِيمَةِ الأُْولَى فَلاَ يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِغَيْرِهَا. وَكَانَ ابْنُ حَامِدٍ يُخْفِي الأُْولَى وَيَجْهَرُ بِالثَّانِيَةِ لِئَلاَّ يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُونَ بِالسَّلاَمِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: تَسْلِيمٌ وَصَلاَةٌ، وَأَبْوَابُ صِفَةِ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ) .
الْجَهْرُ بِالتَّبْلِيغِ:
١٥ - يُسَنُّ لِلإِْمَامِ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَاتِ الصَّلاَةِ كُلِّهَا وَبِقَوْلِهِ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " حَتَّى بِزَوَائِدِ الْعِيدَيْنِ لِيَعْلَمَ الْمَأْمُومُونَ انْتِقَالاَتِهِ مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ وَيُتَابِعُوهُ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الإِْمَامُ ضَعِيفَ الصَّوْتِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَصِل جَهْرُهُ إِلَى جَمِيعِ الْمُقْتَدِينَ فَيَجْهَرُ الْمُؤَذِّنُ أَوْ غَيْرُهُ.
مِنَ الْمَأْمُومِينَ جَهْرًا يُسْمِعُ النَّاسَ (٢)، فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال:
_________
(١) المغني لابن قدامة ١ / ٥٥٦ ط الرياض، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٥٩٦ - ٥٩٧، والفتاوى الهندية ١ / ٧٦.
(٢) تنبيه ذوي الأفهام على أحكام التبليغ خلف الإمام (مجموعة رسائل ابن عابدين) ١ / ١٤٢، نشر المكتبة الهاشمية، والمجموع ٣ / ٣٩٨، والمغني ١ / ٤٩٦، والدسوقي ١ / ٣٣٧.
اشْتَكَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ خَلْفَهُ فَإِذَا كَبَّرَ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ لِيُسْمِعَنَا (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: تَبْلِيغٌ) .
الْجَهْرُ فِي الصَّلاَةِ الْمَقْضِيَّةِ:
١٦ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِيقَاعَ الْمَقْضِيَّةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتِ الصَّلاَةُ وَقْتَ أَدَائِهَا مِنْ جَهْرٍ وَإِسْرَارٍ، فَالاِعْتِبَارُ عِنْدَهُمْ بِوَقْتِ الْفَائِتَةِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فَصَلاَّهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ (٣) كَمَا فَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ قَضَى الْفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِجَمَاعَةٍ (٤) . وَإِنْ أَمَّ لَيْلًا فِي صَلاَةِ النَّهَارِ يُخَافِتْ وَلاَ يَجْهَرْ فَإِنْ جَهَرَ سَاهِيًا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ (٥) .
_________
(١) حديث جابر: " اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه " أخرجه مسلم (١ / ٣٠٩ - ط الحلبي) .
(٢) القوانين الفقهية ص ٧٢، نشر دار الكتاب العربي، وروضة الطالبين ١ / ٢٦٩.
(٣) الجوهرة النيرة ١ / ٦٨، والبناية ٢ / ٢٦٨، ٢٦٩، وفتح القدير ١ / ٢٣٠، ٢٣١.
(٤) حديث: " قضى رسول الله ﷺ غداة ليلة التعريس بجماعة " أخرجه مسلم (١ / ٤٧٢ - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة.
(٥) الفتاوى الهندية ١ / ٧٢.
وَالْمُنْفَرِدُ إِذَا قَضَى الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْهَرُ بِهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ، وَيَرَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْجَهْرَ أَفْضَل مِنَ الإِْسْرَارِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الاِعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْقَضَاءِ (٢) .
فَالْمَقْضِيَّةُ يَجْهَرُ فِيهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِهَا، وَيُسِرُّ مِنْ طُلُوعِهَا إِلَى غُرُوبِهَا (٣) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُسِرُّ فِي قَضَاءِ صَلاَةٍ جَهْرِيَّةٍ إِذَا قَضَاهَا فِي نَهَارٍ - وَلَوْ جَمَاعَةً - اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ، كَصَلاَةِ سِرٍّ قَضَاهَا وَلَوْ لَيْلًا اعْتِبَارًا بِالْمَقْضِيَّةِ (٤) .
وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلاَةٍ جَهْرِيَّةٍ قَضَاهَا لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ وَشَبَّهَهَا بِالأَْدَاءِ لِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنْ قَضَاهَا مُنْفَرِدًا أَسَرَّهَا لِفَوَاتِ شِبْهِهَا بِالأَْدَاءِ (٥) .
الْجَهْرُ فِي مَوْضِعِ الإِْسْرَارِ وَالْعَكْسُ:
١٧ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ وَالإِْخْفَاتَ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ (٦) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٧٢، والزيلعي ١ / ١٢٧، والبناية ٢ / ٢٦٩، ٢٧٠، وفتح القدير ١ / ٢٣٠، ٢٣١.
(٢) روضة الطالبين ١ / ٣٦٩.
(٣) مغني المحتاج ١ / ١٦٢، نشر دار الفكر.
(٤) كشاف القناع ١ / ٣٤٣.
(٥) مطالب أولي النهى ١ / ٤٤١، وكشاف القناع ١ / ٣٤٣، ٣٤٤
(٦) الإفصاح ١ / ٩٣، والشرح الصغير ١ / ١٢٦ ط المدني، والدسوقي ١ / ٢٤٣، والفروع ١ / ٤٦٧، وكشاف القناع ١ / ٣٣٢، والمغني ١ / ٥٦٩، والبجيرمي على الخطيب ٢ / ٥٥ - ٥٦.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْجَهْرُ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ وَالْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ (١) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُوجِبُهُ الْجَهْرُ فِي مَوْضِعِ الإِْسْرَارِ أَوِ الْعَكْسُ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ مَنْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الإِْسْرَارِ أَوْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَلاَ سُجُودَ سَهْوٍ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا (٢) .
وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ إِنْ تَرَكَ الْجَهْرَ وَالإِْخْفَاتَ فِي مَوْضِعِهِمَا عَمْدًا.
وَإِنْ تَرَكَ سَهْوًا فَفِي مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ مِنْ أَجْلِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ يُشْرَعُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: يُشْرَعُ (٣) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ جَهَرَ الإِْمَامُ فِيمَا يُخَافَتُ فِيهِ أَوْ خَافَتَ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ تَلْزَمُهُ سَجْدَةُ السَّهْوِ؛ لأَِنَّ الْجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ، لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمَا، فَبِتَرْكِهِمَا يَلْزَمُ سُجُودُ السَّهْوِ (٤) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٧٢.
(٢) المجموع ٣ / ٣٩٠ - ٣٩١.
(٣) المغني ٢ / ٣١ - ٣٢.
(٤) البناية ١ / ٦٦٠، وفتح القدير ١ / ٣٦٠.
هَذَا فِي حَقِّ الإِْمَامِ، أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَلاَ سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ (١) .
وَعَدَّ الْمَالِكِيَّةُ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَالسِّرَّ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ الَّتِي تَنْجَبِرُ بِالسُّجُودِ (٢) .
وَقَالُوا: لاَ سُجُودَ فِي يَسِيرِ جَهْرٍ فِي سِرِّيَّةٍ بِأَنْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ فَقَطْ، أَوْ يَسِيرِ سِرٍّ فِي جَهْرِيَّةٍ، وَلاَ فِي إِعْلاَنٍ أَوْ إِسْرَارٍ فِي مِثْل آيَةٍ فِي مَحَل سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ (٣) .
وَعَبَّرَ الدَّرْدِيرُ عَنْ حَاصِل الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ:
إِنَّ مَنْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ وَأَتَى بَدَلَهُ بِالسِّرِّ فَقَدْ حَصَل مِنْهُ نَقْصٌ، لَكِنْ لاَ سُجُودَ عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى حَرَكَةِ اللِّسَانِ.
وَإِنَّ مَنْ تَرَكَ السِّرَّ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ وَأَتَى بَدَلَهُ بِالْجَهْرِ فَقَدْ حَصَل مِنْهُ زِيَادَةٌ، لَكِنْ لاَ سُجُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلاَمِ، إِلاَّ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ سَمَاعِ نَفْسِهِ وَمَنْ يُلاَصِقُهُ، بِأَنْ كَانَ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ بِنَحْوِ صَفٍّ فَأَكْثَر (٤) .
_________
(١) البناية ١ / ٦٦١، وفتح القدير ١ / ٣٦١.
(٢) أسهل المدارك ١ / ٢١٧، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٢٨، وانظر الحطاب والمواق ٢ / ١٨ - ١٩.
(٣) الدسوقي ١ / ٢٧٩.
(٤) الشرح الصغير ١ / ١٥٥ - ١٥٦ ط المدني، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ١ / ٣٨٢، نشر دار المعارف.
الْجَهْرُ فِي النَّوَافِل:
١٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُنِّيَّةِ الإِْسْرَارِ فِي نَوَافِل النَّهَارِ الْمُطْلَقَةِ (١) .
أَمَّا نَوَافِل اللَّيْل فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ سُنِّيَّةَ الْجَهْرِ فِيهَا (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْخْفَاءِ؛ لأَِنَّ النَّوَافِل تَبَعٌ لِلْفَرَائِضِ لِكَوْنِهَا مُكَمِّلاَتٍ لَهَا فَيُخَيَّرُ فِيهَا الْمُنْفَرِدُ كَمَا يُخَيَّرُ فِي الْفَرَائِضِ.
وَإِنْ كَانَ إِمَامًا جَهَرَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا اتِّبَاعُ الْفَرَائِضِ، وَلِهَذَا يُخْفِي فِي نَوَافِل النَّهَارِ وَلَوْ كَانَ إِمَامًا (٣) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمُتَنَفِّل لَيْلًا يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَأَذَّى بِجَهْرِهِ أَسَرَّ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِجَهْرِهِ جَهَرَ (٤) .
وَقَال صَاحِبُ التَّهْذِيبِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يُتَوَسَّطُ (الْمُتَنَفِّل لَيْلًا) بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ.
_________
(١) مجمع الأنهر ١ / ١٠٠، ومغني المحتاج ١ / ١٦٢، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٨، والمجموع ٣ / ٣٩١، والمواق بهامش الحطاب ٢ / ٦٨، والزرقاني ١ / ٢٨١.
(٢) المواق ٢ / ٦٨، والزرقاني ١ / ٢٨١، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٨، والمجموع ٣ / ٣٩١.
(٣) مجمع الأنهر ١ / ١٠٠.
(٤) كشاف القناع ١ / ٣٤٤، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٤١.