الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
حَدُّ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ:
٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِ الْحَدِّ الأَْعْلَى وَالأَْدْنَى لِكُلٍّ مِنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ.
فَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ مَثَلًا، وَأَعْلاَهَا مُجَرَّدُ تَصْحِيحِ الْحُرُوفِ.
وَأَدْنَى الْجَهْرِ إِسْمَاعُ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِقُرْبِهِ كَأَهْل الصَّفِّ الأَْوَّل، وَأَعْلاَهُ لاَ حَدَّ لَهُ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَعْلَى السِّرِّ حَرَكَةُ اللِّسَانِ فَقَطْ، وَأَدْنَاهُ سَمَاعُ نَفْسِهِ.
وَأَمَّا الْجَهْرُ فَأَقَلُّهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ، وَأَعْلاَهُ لاَ حَدَّ لَهُ (٢) . وَبِهَذَا قَال الْكَرْخِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) . وَجَهْرُ الْمَرْأَةِ إِسْمَاعُهَا نَفْسَهَا فَقَطْ (٤) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: السِّرُّ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ حَيْثُ لاَ مَانِعَ، وَالْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيَهُ (٥) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ،
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٥٩.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٥٥ نشر دار المعرفة، ومواهب الجليل ١ / ٥٢٥.
(٣) البناية ٢ / ٢٧٥.
(٤) جواهر الإكليل ١ / ٤٩.
(٥) أسنى المطالب ١ / ١٥٦.
وَأَدْنَى الْجَهْرِ لِلإِْمَامِ سَمَاعُ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدًا مِمَّنْ وَرَاءَهُ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجَهْرِ:
أ - الْجَهْرُ بِأَقْوَال الصَّلاَةِ:
٤ - الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى اسْتِحْبَابِ الإِْسْرَارِ بِالتَّكْبِيرَاتِ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَمَحَل الإِْسْرَارِ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَلِّغًا وَإِلاَّ جَهَرَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لِكُل مُصَلٍّ (٣) . أَمَّا غَيْرُهَا مِنَ التَّكْبِيرِ فَالأَْفْضَل فِيهِ الإِْسْرَارُ فِي حَقِّ غَيْرِ الإِْمَامِ (٤) .
أَمَّا الإِْمَامُ فَيُسَنُّ جَهْرُهُ بِالتَّكْبِيرِ اتِّفَاقًا لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ فِيهِ (٥) لِقَوْلِهِ ﷺ فَإِذَا كَبَّرَ
_________
(١) كشاف القناع ١ / ٣٣٢، والمبدع ١ / ٤٢٩.
(٢) مراقي الفلاح ص ١١٩، وابن عابدين ١ / ٣١٩، والمجموع ٣ / ٢٩٥، وأسنى المطالب ١ / ١٤٤، والفتوحات الربانية ٢ / ١٦٣، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٢٣.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ٤٩.
(٤) الشرح الصغير ١ / ٣٢٢ نشر دار المعارف.
(٥) شرح الكنز بحاشية أبي السعود ١ / ١٧٥، ومراقي الفلاح للطحطاوي ١٤٣، وجواهر الإكليل ١ / ٤٩، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٣٢٢، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٢٠، والمجموع ٣ / ٢٩٤.
فَكَبِّرُوا (١) .
الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ إِلَى سُنِّيَّةِ الإِْسْرَارِ بِالتَّعَوُّذِ فِي الصَّلاَةِ وَلَوْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً (٢) . لأَِنَّ الْجَهْرَ بِهِ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالاَ: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الإِْمَامُ وَذَكَرَ مِنْهَا التَّعَوُّذَ، وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْذْكَارِ هُوَ الإِْخْفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (٣) فَلاَ يُتْرَكُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (٤) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْقَوْل الثَّانِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ - اسْتِحْبَابَ الْجَهْرِ بِالتَّعَوُّذِ فِي الصَّلاَةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهِ (٥) .
وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ الْقَوْل الثَّالِثُ
_________
(١) حديث: " فإذا كبر فكبروا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢١٦ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣١٠ - ط الحلبي من حديث أبي هريرة.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٧٣، والزيلعي ١ / ١١١، وأسنى المطالب ١ / ١٤٩، وروضة الطالبين ١ / ٢٤١، والمغني ١ / ٤٧٦.
(٣) سورة الأعراف / ٢٠٥.
(٤) بدائع الصنائع ١ / ٢٠٣ ط الجمالية.
(٥) روضة الطالبين ١ / ٢٤١، والمجموع ٣ / ٣٢٦.
لِلشَّافِعِيَّةِ - الْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ سَوَاءٌ وَلاَ تَرْجِيحَ وَهُمَا حَسَنَانِ (١) .
وَيُكْرَهُ التَّعَوُّذُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَبْل الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ بِفَرْضٍ أَصْلِيٍّ أَسَرَّ بِهِ أَوْ جَهَرَ، وَجَازَ بِنَفْلٍ (٢) .
وَاخْتَارَ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ الْجَهْرَ بِالتَّعَوُّذِ فِي الْجِنَازَةِ.
قَال فِي الْفُرُوعِ: إِنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي صِفَةِ التَّعَوُّذِ وَمَحَلِّهِ وَسَائِرِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ (ر: اسْتِعَاذَةٌ) .
الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تُسَنُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ سِرًّا فِي الصَّلاَةِ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ (٤) .
قَال التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَل عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ.
_________
(١) روضة الطالبين ١ / ٢٤١، والمجموع ٣ / ٣٢٦.
(٢) الشرح الصغير وحاشية الصاوي ١ / ٣٣٧، نشر دار المعارف، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٩، نشر دار المعرفة.
(٣) الفروع ١ / ٤١٣.
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٧٤، والزيلعي ١ / ١١٢، والمغني ١ / ٤٧٨، وكشاف القناع ١ / ٣٣٥، والمجموع ٣ / ٣٤٢.
وَهَذَا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ (١) .
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) .
وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَجْهَرُ بِهَا (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ فِي الْفَاتِحَةِ وَفِي السُّورَةِ بَعْدَهَا (٤) . فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٥)، وَلأَِنَّهَا تُقْرَأُ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ بِدَلِيل أَنَّهَا تُقْرَأُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ فَكَانَ سُنَّتُهَا
_________
(١) المجموع ٣ / ٣٤٢، والمغني ١ / ٤٧٨.
(٢) الزيلعي ١ / ١١٢. وحديث أنس: " صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر. . . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٢٩ ط الحلبي) .
(٣) حديث أبي هريرة: " كان النبي ﷺ لا يجهر بها " ذكره ابن عبد البر معلقا في الإنصاف (من مجموعة الرسائل المنيرية ٢ / ١٧٩ - ط المنيرية) .
(٤) المجموع ٣ / ٣٤١، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٢.
(٥) حديث ابن عباس: " أن النبي ﷺ جهر ببسم. . . " أخرجه الدارقطني (١ / ٣٠٣ - ط دار المحاسن)، وأعل ابن حجر أحد رواة إسناده في اللسان (٥ / ٤٢٣ - ط دار المعارف العثمانية) .
الْجَهْرَ كَسَائِرِ الْفَاتِحَةِ (١) .
قَال النَّوَوِيُّ: الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ قَوْل أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ قَالُوا بِهِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ (٢) .
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَكَمِ أَنَّ الْجَهْرَ وَالإِْسْرَارَ سَوَاءٌ (٣) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَرَاهَةَ اسْتِفْتَاحِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُطْلَقًا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ وَفِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا سِرًّا وَجَهْرًا (٤) .
قَال الْقَرَافِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْوَرَعُ الْبَسْمَلَةُ أَوَّل الْفَاتِحَةِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ إِلاَّ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا سِرًّا وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهَا (٥) .
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (ر: بَسْمَلَةٌ) .
_________
(١) المهذب ١ / ٧٩.
(٢) المجموع ٣ / ٣٤١. اللجنة ترى أن ما روي عن الخلفاء الأربعة وعمار من أنهم جهروا وأسروا بالتسمية يحمل على أنهم فعلوا ذلك لإعلام العامة أن كلا الأمرين جائز، وأن في الأمر سعة.
(٣) المجموع ٣ / ٣٤٢.
(٤) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٨، والدسوقي ١ / ٢٥١.
(٥) الدسوقي ١ / ٢٥١.
الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ:
أ - جَهْرُ الإِْمَامِ:
٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ كَالصُّبْحِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالأُْولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ مُرَاعَاةُ الْجَهْرِ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ - وَهُوَ الْفَجْرُ، وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فِي الأُْولَيَيْنِ، وَكَذَا كُل صَلاَةٍ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، كَالْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالتَّرْوِيحَاتِ (٢) - وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ؛ (٣) لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَى الْجَهْرِ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ وَالْمُخَافَتَةِ فِيمَا يُخَافَتُ بِهِ. وَذَلِكَ دَلِيل الْوُجُوبِ، وَعَلَى هَذَا عَمَل الأُْمَّةِ.
ب - جَهْرُ الْمَأْمُومِ:
٨ - ذَهَبَ الْقَائِلُونَ بِقِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ وَرَاءَ الإِْمَامِ إِلَى سُنِّيَّةِ الإِْسْرَارِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْجَهْرُ سَوَاءٌ أَسَمِعَ قِرَاءَةَ
_________
(١) المجموع ٣ / ٣٨٩، وكشاف القناع ١ / ٣٣٢، والشرح الصغير ١ / ١٢٦ ط المدني والدسوقي ١ / ٢٤٢، ٢٤٣.
(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٦٠، والزيلعي ١ / ١٢٦ - ١٢٧.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ واظب على الجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت به " أخرجه أبو داود في مراسيله عن الزهري بلفظ: " سن رسول الله ﷺ أن يجهر بالقراءة في الفجر في الركعتين، والأوليين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذل وحسنه أشرف على التهاوني. (إعلاء السنن ٤ / ٣، ٥ نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية - كراتشي باكستان) .
الإِْمَامِ أَمْ لاَ (١) . وَدَلِيل كَرَاهَةِ الْجَهْرِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَل رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَْعْلَى﴾ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: أَيُّكُمْ قَرَأَ أَوْ أَيُّكُمُ الْقَارِئُ؟ فَقَال رَجُلٌ: أَنَا، فَقَال: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا وَمَعْنَى خَالَجَنِيهَا جَادَلَنِيهَا وَنَازَعَنِيهَا (٢) .
ج - جَهْرُ الْمُنْفَرِدِ:
٩ - يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ الْجَهْرُ فِي الصُّبْحِ، وَالأُْولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٣) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يُخَيَّرُ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ (٤) .
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ شَاءَ جَهَرَ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ أُذُنَيْهِ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
_________
(١) المغني لابن قدامة ١ / ٥٦٩، والشرح الصغير ١ / ٣١٨ ط دار المعارف، والمجموع ٣ / ٣٩٠.
(٢) حديث عمران بن حصين " أن رسول الله ﷺ صلى الظهر. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٩٩ - ط الحلبي) .
(٣) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٨، والشرح الصغير ١ / ١٢٦ ط المدني والدسوقي ١ / ٢٤٢ - ٢٤٣، ومغني المحتاج ١ / ١٦٢، نشر دار الفكر، والفروع ١ / ٤٢٤.
(٤) بدائع الصنائع ١ / ١٦١، والزيلعي ١ / ١٢٧، والمغني ١ / ٥٦٩، وكشاف القناع ١ / ٣٤٣، والفروع ١ / ٤٢٤.
وَذُكِرَ فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ مُفَسَّرًا أَنَّهُ بَيْنَ خِيَارَاتٍ ثَلاَثَةٍ: إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ غَيْرَهُ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ الْقِرَاءَةَ.
قَال الزَّيْلَعِيُّ: وَلَكِنْ لاَ يُبَالِغُ فِي الْجَهْرِ مِثْل الإِْمَامِ لأَِنَّهُ لاَ يُسْمِعُ غَيْرَهُ (١) . وَنَقَل الأَْثْرَمُ وَغَيْرُهُ أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ لِلْمُنْفَرِدِ أَفْضَل (٢) .
الْجَهْرُ بِالتَّأْمِينِ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً فَالإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ (٣) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ بِالتَّأْمِينِ حَسَبَ الاِتِّجَاهَاتِ التَّالِيَةِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَمِيعًا (٤) .
فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّهُ ﵊ قَال:
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ١٦١، والزيلعي ١ / ١٢٧.
(٢) الفروع ١ / ٤٢٤.
(٣) الموسوعة الفقهية ١ / ١١٢، والفتاوى الهندية ١ / ٧٤، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٦، ومغني المحتاج ١ / ١٦١، والمغني ١ / ٤٩٠.
(٤) البناية ٢ / ١٧١، والفتاوى الهندية ١ / ٧٤، والزيلعي ١ / ١١٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٧ ط عيسى الحلبي، والمغني ١ / ٤٩٠.
آمِينَ وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ (١) . وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: يُخْفِي الإِْمَامُ أَرْبَعًا: التَّعَوُّذَ، وَالْبَسْمَلَةَ، وَآمِينَ، وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
وَيُرْوَى مِثْل قَوْلِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْضُهُمْ يَقُول: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الإِْمَامُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول خَمْسَةٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول ثَلاَثَةٌ، وَكُلُّهُمْ يَعُدُّ التَّأْمِينَ مِنْهَا. وَلأَِنَّهُ دُعَاءٌ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى الإِْخْفَاءِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ جَهَرَ بِهَا عَقِيبَ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ لأَوْهَمَ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ دَفْعًا لِلإِْيهَامِ (٢) .
وَبِمِثْل مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الْفَرِيقُ يَقُول الْمَالِكِيَّةُ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ. أَمَّا الإِْمَامُ فَلاَ يُؤَمِّنُ أَصْلًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ (٣) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ سُنِّيَّةَ الْجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ جَمِيعًا فِيمَا يُجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ (٤) .
_________
(١) حديث وائل أنه ﵊ قال: آمين وخفض بها صوته. نوه به الترمذي في جامعه (٢ / ٢٨ - ط الحلبي) ولم يسنده، وأعل هذه الرواية الدارقطني وابن حجر كما في التلخيص (١ / ٢٣٧ - ط شركة الطباعة الفنية) وصوبا الرواية التي فيها أنه " مد بها صوته " وهي عند الترمذي (٢ / ٢٧)، وقد حسنها الترمذي.
(٢) الزيلعي ١ / ١١٤.
(٣) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٩، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٧.
(٤) المغني ١ / ٤٩٠، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٣١، ٤٣٢.