الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
هَذَا إِنْ لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ نَحْوِهِ وَإِلاَّ فَالسُّنَّةُ الإِْسْرَارُ (١) .
قَال الْمُحِبُّ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْكَتَّانِيُّ: وَالأَْظْهَرُ أَنَّ النَّهَارَ هُنَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ لاَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَاللَّيْل مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِهَا (٢) .
وَأَمَّا أَحْكَامُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي النَّوَافِل غَيْرِ الْمُطْلَقَةِ، كَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ، وَالْكُسُوفِ، وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَالتَّرَاوِيحِ، وَالْوِتْرِ، فَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا وَفِي أَبْوَابِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٣) .
إِسْرَارُ الْمَرْأَةِ وَجَهْرُهَا فِي الصَّلاَةِ:
١٩ - ذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنْ كَانَتْ خَالِيَةً أَوْ بِحَضْرَةِ نِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ مَحَارِمَ جَهَرَتْ بِالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ صَلَّتْ بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ أَسَرَّتْ (٤) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ كَرَاهَةَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْمَرْأَةِ فِي الصَّلاَةِ (٥) . وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ
_________
(١) روضة الطالبين ١ / ٢٤٨، والمجموع ٣ / ٣٩١، ومغني المحتاج ١ / ١٦٢.
(٢) كشاف القناع ١ / ٣٤٤، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٤١.
(٣) مغني المحتاج ١ / ١٦٢، والمجموع ٣ / ٣٩١، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٤١، والزرقاني ١ / ٢٨١، ومجمع الأنهر ١ / ١٠٠، والفتاوى الهندية ١ / ٧٢.
(٤) المجموع ٣ / ٣٩٠، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٨، والفروع ١ / ٤٢٤، وكشاف القناع ١ / ٣٣٢.
(٥) الدسوقي ١ / ٢٨٢.
بِحَضْرَةِ أَجَانِبَ يَخْشَوْنَ مِنْ عُلُوِّ صَوْتِهَا الْفِتْنَةَ إِسْمَاعُهَا نَفْسَهَا فَقَطْ (١) .
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسِرُّ مُطْلَقًا (٢) .
قَال ابْنُ الْهُمَامِ: لَوْ قِيل إِذَا جَهَرَتْ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ فَسَدَتْ كَانَ مُتَّجَهًا.
وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٣) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: حَيْثُ قُلْنَا: تُسِرُّ فَجَهَرَتْ لاَ تَبْطُل صَلاَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ (٤) .
قَال الْمِرْدَاوِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ هُنَا مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلاَفِ فِي كَوْنِ صَوْتِهَا عَوْرَةً أَمْ لاَ (٥) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: عَوْرَةٌ، قِرَاءَةٌ، صَلاَةٌ) .
ب - الْجَهْرُ خَارِجَ الصَّلاَةِ:
الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ:
٢٠ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَلَمْ
_________
(١) الشرح الصغير ١ / ١٢٦ - ١٢٧ ط المدني، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ١ / ٣١٨ - ٣١٩ نشر دار المعارف.
(٢) عمدة القاري ٧ / ٢٧٩ ط المنيرية، وفتح القدير ١ / ١٨١، وروضة الطالبين ١ / ٢٤٨، والمجموع ٣ / ٣٩٠، والفروع ١ / ٤٢٤.
(٣) فتح القدير ١ / ١٨١، والمجموع ٣ / ٣٩٠.
(٤) روضة الطالبين ١ / ٢٤٨.
(٥) تصحيح الفروع ١ / ٤٢٥.
يَتَكَلَّمْ بِنِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ شَاذٍّ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ نُطْقُ اللِّسَانِ. وَقَال النَّوَوِيُّ: وَهُوَ غَلَطٌ (٢) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ النُّطْقِ بِالنِّيَّةِ وَتَرْكِهِ. فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَوْلَوِيَّةِ النُّطْقِ بِالنِّيَّةِ مَا لَمْ يَجْهَرْ بِهَا، لأَِنَّهُ أَتَى بِالنِّيَّةِ فِي مَحَلِّهَا وَهُوَ الْقَلْبُ وَنَطَقَ بِهَا اللِّسَانُ. وَذَلِكَ زِيَادَةُ كَمَالٍ (٣) .
وَقَال بَعْضُهُمْ إِنَّ النُّطْقَ بِاللِّسَانِ مَكْرُوهٌ وَلَوْ سِرًّا وَيَحْتَمِل ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْل يَرَى أَنَّ النُّطْقَ بِهَا بِدْعَةٌ إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَا يَخْشَى أَنَّهُ إِذَا نَطَقَ بِهَا بِلِسَانِهِ قَدْ يَسْهُو عَنْهَا بِقَلْبِهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَبْطُل صَلاَتُهُ لأَِنَّهُ أَتَى بِالنَّيْهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا (٤) .
قَال ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةُ: كَانَ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَمْ يَقُل شَيْئًا قَبْلَهَا، وَلاَ
_________
(١) مراقي الفلاح ص ١٢٠، وفتح القدير ١ / ١٨٦، وروضة الطالبين ١ / ٢٢٨، والمجموع ٣ / ٢٧٧، ومطالب أولي النهى ١ / ١٠٦.
(٢) روضة الطالبين ١ / ٢٢٨.
(٣) فتح القدير ١ / ١٨٦، ومجمع الأنهر ١ / ٨٣، ومغني المحتاج ١ / ١٥٠، ومطالب أولي النهى ١ / ١٠٦، وكشاف القناع ١ / ٨٧، والمدخل لابن الحاج ٢ / ٢٨١ ط الحلبي.
(٤) المدخل لابن الحاج ٢ / ١٨١، والزرقاني ١ / ١٩٦، وكشاف القناع ١ / ٨٧، ومجمع الأنهر ١ / ٨٣.
تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ أَلْبَتَّةَ وَلاَ قَال: أُصَلِّي لِلَّهِ صَلاَةَ كَذَا مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا وَلاَ قَال: أَدَاءً، وَلاَ قَضَاءً، وَلاَ فَرْضَ الْوَقْتِ (١) .
وَنَقَل الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ اتِّفَاقَ الأَْئِمَّةِ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْجَهْرِ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرِيرِهَا وَقَال: الْجَاهِرُ بِهَا مُسْتَحِقٌّ لِلتَّعْزِيرِ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ لاَ سِيَّمَا إِذَا أَذَى بِهِ أَوْ كَرَّرَهُ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: نِيَّةٌ) .
الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلاَةِ:
٢١ - يُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ لِلْقَارِئِ خَارِجَ الصَّلاَةِ بِالإِْجْمَاعِ (٣) .
أَمَّا حُكْمُ الْجَهْرِ بِالتَّعَوُّذِ أَوِ الإِْسْرَارِ بِهِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِعَاذَةٌ) ف ٨ ج ٤ ص ٧ - ٨ (وَتِلاَوَةٌ) ف ٦ ج ١٣ ص ٢٥٢ - ٢٥٣.
الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:
٢٢ - تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّل كُل سُورَةٍ سِوَى بَرَاءَةٌ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: إِنَّهَا آيَةٌ حَيْثُ
_________
(١) زاد المعاد ١ / ٢٠١ نشر مكتبة المنار.
(٢) كشاف القناع ١ / ٨٧.
(٣) الفتوحات الربانية ٢ / ١٨٩، والتبيان في آداب حملة القرآن ص ٤٤، والنشر في القراءات العشر ١ / ٢٥٧ - ٢٥٨، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠، نشر دار المعرفة، والآداب الشرعية ٢ / ٣٣٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٣١٦، وكشاف القناع ١ / ٤٣٠.
تُكْتَبُ فِي الْمُصْحَفِ وَقَدْ كُتِبَتْ فِي أَوَائِل السُّوَرِ سِوَى بَرَاءَةٌ، فَإِذَا قَرَأَهَا كَانَ مُتَيَقِّنًا قِرَاءَةَ الْخَتْمَةِ أَوِ السُّورَةِ، فَإِذَا أَخَل بِالْبَسْمَلَةِ كَانَ تَارِكًا لِبَعْضِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ (١) .
قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: فَإِنْ قَرَأَهَا فِي غَيْرِ صَلاَةٍ فَإِنْ شَاءَ جَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَمُهَنَّا (٢) .
تَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بَسْمَلَةٌ) .
الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ:
٢٣ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي أَوَّلِهِ (٣) .
وَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ لِيَكُونَ فِيهِ تَنْبِيهٌ لِغَيْرِهِ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَلِيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: أَكْلٌ، وَبَسْمَلَةٌ) .
الْجَهْرُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلاَةِ:
٢٤ - جَاءَتْ آثَارٌ بِفَضِيلَةِ الْجَهْرِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ
_________
(١) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٤٤، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠، والإتقان في علوم القرآن ١ / ٢٩٧ - ٢٩٨.
(٢) الآداب الشرعية ٢ / ٣٣٧.
(٣) الفتوحات الربانية ٥ / ١٩٣، والآداب الشرعية ٣ / ١٨١، والموسوعة الفقهية ٦ / ١١٩ و٨ / ٩٢.
(٤) الفتوحات الربانية ٥ / ١٩٤، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ١٨٢، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٤١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٧.
بِالْقُرْآنِ، وَآثَارٌ بِفَضِيلَةِ الإِْسْرَارِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ.
فَمِنَ الأَْوَّل حَدِيثُ: مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ (١) .
وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ: الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الإِْخْفَاءَ أَفْضَل حَيْثُ خَافَ الرِّيَاءَ أَوْ تَأَذَّى مُصَلُّونَ أَوْ نِيَامٌ بِجَهْرِهِ، وَالْجَهْرُ أَفْضَل فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْعَمَل فِيهِ أَكْبَرُ وَلأَِنَّهُ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ، وَيُجْمِعُ هَمَّهُ إِلَى الْفِكْرِ وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إِلَيْهِ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَيَزِيدُ النَّشَاطَ.
وَيَدُل لِهَذَا الْجَمْعِ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَال: اعْتَكَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَال: أَلاَ إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ، فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ
_________
(١) حديث: " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٦٨ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٤٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٨٣ - ٨٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ١٨٠ - ط الحلبي) من حديث عقبة ابن عامر الجهني. وحسنه الترمذي.
بَعْضًا، وَلاَ يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِكُمْ فِي الْقِرَاءَةِ (١) .
وَقَال بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ وَالإِْسْرَارُ بِبَعْضِهَا، لأَِنَّ الْمُسِرَّ قَدْ يَمَل فَيَأْنَسُ بِالْجَهْرِ، وَالْجَاهِرُ قَدْ يَكِل فَيَسْتَرِيحُ بِالإِْسْرَارِ، إِلاَّ أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِاللَّيْل جَهَرَ بِالأَْكْثَرِ، وَإِنْ قَرَأَ بِالنَّهَارِ أَسَرَّ بِالأَْكْثَرِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِالنَّهَارِ فِي مَوْضِعٍ لاَ لَغْوَ فِيهِ وَلاَ صَخَبَ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَلاَةٍ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ (٢) .
هَذَا وَصَرَّحَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الآْدَابِ أَلاَّ يَجْهَرَ بَيْنَ مُصَلِّينَ أَوْ نِيَامٍ أَوْ تَالِينَ جَهْرًا (٣)، وَبِحَضْرَةِ مَنْ يُطَالِعُ أَوْ يَدْرُسُ أَوْ يُصَنِّفُ (٤) .
وَفِي الْفَتْحِ عَنِ الْخُلاَصَةِ: رَجُلٌ يَكْتُبُ الْفِقْهَ وَبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلاَ يُمْكِنُهُ اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ فَالإِْثْمُ عَلَى الْقَارِئِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ قَرَأَ
_________
(١) حديث أبي سعيد: " ألا إن كلكم مناج لربه. . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٨٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن عبد البر كما في شرح الزرقاني على الموطأ.
(٢) الفتوحات الربانية ٣ / ٢٦٤، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٣، ٤٦٤، نشر دار المعرفة، والإتقان في علوم القرآن ١ / ٣٠٣، ٣٠٤، نشر المكتبة العصرية، وتفسير القرطبي ٣ / ٣٣٢ - ٣٣٣، والمجموع ٣ / ٣٩٢، وشرح الكنز بحاشية أبي السعود ١ / ٢٣٩، والفتاوى الهندية ٥ / ٣١٦ - ٣١٧.
(٣) الآداب الشرعية ٢ / ٣٣٨، وكشاف القناع ١ / ٤٣١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣١٦، وابن عابدين ١ / ٣٦٦، والحطاب ١ / ٥٢٥.
(٤) مغني المحتاج ١ / ١٦٣، نشر دار الفكر.
عَلَى السَّطْحِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ يَأْثَمُ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لإِعْرَاضِهِمْ عَنِ اسْتِمَاعِهِ، أَوْ لأَِنَّهُ يُؤْذِيهِمْ بِإِيقَاظِهِمْ (١) .
الْجَهْرُ بِالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ:
٢٥ - مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَجْهَرَ بِالأَْذَانِ فَيَرْفَعَ بِهِ صَوْتَهُ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الإِْعْلاَمُ يَحْصُل بِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الأَْفْضَل أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ أَسْمَعَ لِلْجِيرَانِ كَالْمِئْذَنَةِ وَنَحْوِهَا، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ. وَكَذَا يَجْهَرُ بِالإِْقَامَةِ لَكِنْ دُونَ الْجَهْرِ بِالأَْذَانِ؛ لأَِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الإِْعْلاَمِ بِهَا دُونَ الْمَقْصُودِ مِنَ الأَْذَانِ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَذَانٌ: وَإِقَامَةٌ) .
الْجَهْرُ بِالْخُطْبَةِ:
٢٦ - يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْخُطْبَةِ زِيَادَةً عَلَى أَصْل الْجَهْرِ الْوَاجِبِ (٣) .
قَال جَابِرٌ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلاَ صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٦٦، والفتاوى الهندية ٥ / ٣١٨.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٥٥، وبدائع الصنائع ١ / ١٤٩، والفتوحات الربانية ٢ / ٩٧، والمجموع ٣ / ١١٠، وما بعدها، والمغني ١ / ٤٢٣، والقوانين الفقهية ص ٥٤.
(٣) المغني ٢ / ٣٠٨، والمجموع ٤ / ٥٢٦، ٥٢٨، والشرح الصغير ١ / ٢١٧ ط المدني، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، والجوهرة النيرة ١ / ١٠٧.
كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُول: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ. . . (١) قَال النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ: يُسْتَدَل بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُفَخِّمَ أَمْرَ الْخُطْبَةِ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ وَيُجْزِل كَلاَمَهُ وَيَكُونَ مُطَابِقًا لِلْفَصْل الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ (٢) .
هَذَا وَيَكُونُ الْجَهْرُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ أَخْفَضَ مِنَ الأُْولَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .
وَلَمْ نَعْثُرْ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى عَلَى تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْخُطْبَةِ الأُْولَى وَالثَّانِيَةِ مِنْ حَيْثُ الْجَهْرُ وَالإِْخْفَاءُ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: خُطْبَةٌ) .
الْجَهْرُ وَالإِْسْرَارُ بِالأَْذْكَارِ:
٢٧ - نَقَل ابْنُ بَطَّالٍ وَآخَرُونَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ (٤) . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٥) .
_________
(١) حديث جابر: " كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٥٩٢ - ط الحلبي) .
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٦ / ١٥٥ - ١٥٦.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، والجوهرة النيرة ١ / ١١٤ مطبعة عارف بتركيا.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ٥ / ٨٤، وكشاف القناع ١ / ٣٦٦، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢٩.
(٥) سورة الأعراف / ٥٥.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا (١) عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٢) .
وَحَمَل الشَّافِعِيُّ الأَْحَادِيثَ الَّتِي تُفِيدُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى يُعَلِّمَهُمْ (الصَّحَابَةَ) صِفَةَ الذِّكْرِ لاَ أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا، وَقَال: فَأَخْتَارُ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَيَجْهَرَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْهُ ثُمَّ يُسِرَّ (٣) .
قَال ابْنُ عَلاَّنَ: يُسَنُّ الإِْسْرَارُ فِي سَائِرِ الأَْذْكَارِ، إِلاَّ فِي الْقُنُوتِ لِلإِْمَامِ، وَالتَّلْبِيَةِ، وَتَكْبِيرِ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الأَْنْعَامِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَبَيْنَ كُل سُورَتَيْنِ مِنَ الضُّحَى إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ السُّوقِ، وَعِنْدَ صُعُودِ الْهَضَبَاتِ، وَالنُّزُول مِنَ الشُّرُفَاتِ (٤) .
_________
(١) اربعوا بفتح الباء أي ارفقوا.
(٢) المجموع ٣ / ٣٨٩. وحديث أبي موسى: " يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٣٥ - السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٧٧ - الحلبي) .
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ٥ / ٨٤، والمجموع ٣ / ٤٨٧.
(٤) الفتوحات الربانية ٣ / ٣١ - ٣٢.