الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَل فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا (١) الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَانَ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَل (٣) .
ب - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَال: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا (٤) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِلْجَمْعِ فِي السَّفَرِ عِنْدَهُمْ طُول مَسَافَةِ السَّفَرِ أَوْ قِصَرُهَا، فَإِذَا نَوَى
_________
(١) حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨٢ - ٥٨٣ - ط السلفية) . ومسلم (١ / ٤٨٩ - ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك.
(٢) حديث: " فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨٢ - ط السلفية) . ومسلم (١ / ٤٨٩ - ط عيسى الحلبي) . من حديث أنس كذلك.
(٣) حديث: " كان ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل ". أخرجه البيهقي (٣ / ١٦٢ - ط دار المعرفة) من حديث أنس. وعزاه ابن حجر إلى الإسماعيلي، والأربعين للحاكم وصحح الحديث (فتح الباري ٢ / ٥٨٣ - ط السلفية) .
(٤) حديث: " خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك فكان. . . " أخرجه مسلم (١ / ٤٩٠ - ط عيسى الحلبي) .
الإِْقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إِحْدَى الصَّلاَتَيْنِ عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطَل الْجَمْعُ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ إِقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِبُطْلاَنِ الْجَمْعِ.
وَأَحْوَال جَوَازِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ أَوْ عَدَمِهِ كَالآْتِي: -
١ - يُرَخَّصُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَزُول عَلَيْهِ الشَّمْسُ بِالْمَكَانِ الَّذِي نَزَل فِيهِ لِلرَّاحَةِ
ثَانِيهِمَا: أَنْ يَنْوِيَ الاِرْتِحَال قَبْل دُخُول وَقْتِ الْعَصْرِ وَالنُّزُول فِي مَكَانٍ آخَرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
٢ - وَإِنْ نَوَى النُّزُول قَبْل اصْفِرَارِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ أَوَّل وَقْتِهَا، وَأَخَّرَ الْعَصْرَ وُجُوبًا حَتَّى يَنْزِل لِيُوقِعَهَا فِي وَقْتِهَا الاِخْتِيَارِيِّ، فَإِنْ قَدَّمَهَا مَعَ الظُّهْرِ أَجْزَأَتْ، وَنُدِبَ إِعَادَتُهَا فِي وَقْتِهَا عِنْدَ نُزُولِهِ.
٣ - وَإِنْ نَوَى النُّزُول بَعْدَ الاِصْفِرَارِ وَقَبْل الْغُرُوبِ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْعَصْرِ إِنْ شَاءَ قَدَّمَهَا مَعَ الظُّهْرِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا حَتَّى يَنْزِل هَذَا إِذَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَثْنَاءَ نُزُولِهِ.
فَإِنْ زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَثْنَاءَ سَيْرِهِ فَأَحْوَالُهُ هِيَ:
١ - إِنْ نَوَى النُّزُول وَقْتَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ قَبْلَهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، لِيَجْمَعَهَا مَعَ الْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ
وَقْتَ نُزُولِهِ وُجُوبًا عَلَى مَا قَال الدُّسُوقِيُّ وَجَوَازًا عَلَى مَا قَال اللَّخْمِيُّ.
٢ - وَإِنْ نَوَى النُّزُول بَعْدَ الْغُرُوبِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا جَمْعًا صُورِيًّا، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ آخِرَ وَقْتِهِ الاِخْتِيَارِيِّ، وَالْعَصْرَ أَوَّل وَقْتِهِ الاِخْتِيَارِيِّ.
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَمِثْلُهُمَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا يَدْخُل بِهِ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَهُوَ الشَّفَقُ وَمَا يَخْرُجُ بِهِ وَهُوَ الْفَجْرُ (١) .
٤ - وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ إِلَى جَوَازِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ فَقَطْ لِلْمُسَافِرِ (٢) عَمَلًا بِرِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ لاَ تَقْدِيمًا وَلاَ تَأْخِيرًا، وَتَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنْ جَمْعِهِ ﷺ بِأَنَّهُ جَمْعٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَقَدَّمَ الْعَصْرَ فِي أَوَّل وَقْتِهَا وَفَعَل مِثْل ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (٤) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:
أ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال. مَا رَأَيْتُ
_________
(١) الدسوقي ١ / ٣٦٨ - ٣٦٩، والحطاب ٢ / ١٥٦.
(٢) المجموع للإمام النووي ٤ / ٣٧١، سبل السلام ٢ / ٤١.
(٣) حديث: " فإن زاغت الشمس قبل. . . . " سبق تخريجه ف / ٣.
(٤) بداية المجتهد ١ / ١٧٤.
رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلاَةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلاَّ صَلاَتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (١) .
ب - قَوْلُهُ ﷺ: لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الأُْخْرَى، فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا (٢) .
ج - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلاَةِ ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ وَأَحَادِيثُ الْجَمْعِ آحَادٌ فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (٣) .
٥ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بِسَبَبِ السَّفَرِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ - الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ - فِي وَقْتِ الأُْولَى مِنْهُمَا وَفِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ.
غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ نَازِلًا فِي وَقْتِ الأُْولَى فَالأَْفْضَل أَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِ الأُْولَى، وَإِنْ كَانَ سَائِرًا فِيهَا فَالأَْفْضَل أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
_________
(١) حديث: " ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٣٠ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٧٢ - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي قتادة.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٦، والمجموع ٤ / ٣٧٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٧١.
أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَلاَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي الْمَنْزِل أَيْ مَكَانَ النُّزُول فِي السَّفَرِ قَدَّمَ الْعَصْرَ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الزَّوَال، وَإِذَا سَافَرَ قَبْل الزَّوَال أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ (١) وَلأَِنَّ هَذَا أَرْفَقُ بِالْمُسَافِرِ فَكَانَ أَفْضَل (٢) .
أَمَّا إِنْ كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتَيْهِمَا أَوْ نَازِلًا فِيهِ وَأَرَادَ جَمْعَهُمَا، فَالأَْفْضَل تَأْخِيرُ الأُْولَى مِنْهُمَا إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لأَِنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلأُْولَى حَقِيقَةً بِخِلاَفِ الْعَكْسِ.
وَيَرَى الأَْوْزَاعِيُّ عَدَمَ جَوَازِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ.
شُرُوطُ صِحَّةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَمْعِ التَّقْدِيمِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:
أَوَّلُهَا: الْبُدَاءَةُ بِالأُْولَى مِنَ الصَّلاَتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ لأَِنَّ الْوَقْتَ لَهَا وَالثَّانِيَةَ تَبَعٌ لَهَا وَالتَّابِعُ لاَ يَتَقَدَّمُ عَلَى مَتْبُوعِهِ، فَلَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْل الظُّهْرِ أَوِ الْعِشَاءَ قَبْل الْمَغْرِبِ لَمْ يَصِحَّ الظُّهْرُ فِي
_________
(١) حديث: " ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ، إذا زالت. . . ". سبق تخريجه ف ٣ وأخرجه البيهقي (٣ / ١٦٣ ط دار المعرفة) من حديث ابن عباس وهو بما تقدم من شواهده يقوى. وقال النووي: (حديث ابن عباس رواه البيهقي بإسناد جيد وله شواهد) .
(٢) المجموع للإمام النووي ٤ / ٣٧٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٧٣.
الصُّورَةِ الأُْولَى، وَلاَ الْعِشَاءُ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا بَعْدَ الأُْولَى إِذَا أَرَادَ الْجَمْعَ.
ثَانِيهَا: نِيَّةُ الْجَمْعِ وَمَحَلُّهَا الْفَاضِل أَوَّل الصَّلاَةِ الأُْولَى وَيَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا إِلَى سَلاَمِهَا.
ثَالِثُهَا: الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ وَهِيَ أَنْ لاَ يَفْصِل بَيْنَهُمَا زَمَنٌ طَوِيلٌ، أَمَّا الْفَصْل الْيَسِيرُ فَلاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّ مِنَ الْعَسِيرِ التَّحَرُّزَ مِنْهُ.
فَإِنْ أَطَال الْفَصْل بَيْنَهُمَا بَطَل الْجَمْعُ سَوَاءٌ أَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِنَوْمٍ، أَمْ سَهْوٍ، أَمْ شُغْلٍ، أَمْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمَرْجِعُ فِي الْفَصْل الْيَسِيرِ وَالطَّوِيل الْعُرْفُ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الأُْمُورِ الَّتِي لاَ ضَابِطَ لَهَا فِي الشَّرْعِ أَوْ فِي اللُّغَةِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَدَّرَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الْفَصْل الْيَسِيرَ بِقَدْرِ الإِْقَامَةِ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ وَقَدْرِ الْوُضُوءِ.
رَابِعُهَا: دَوَامُ سَفَرِهِ حَال افْتِتَاحِ الأُْولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا نَوَى الإِْقَامَةَ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ الأُْولَى، أَوْ وَصَل إِلَى بَلَدِهِ وَهُوَ فِي الأُْولَى، أَوْ صَارَ مُقِيمًا بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ لِزَوَال سَبَبِهِ، وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا (١) .
شُرُوطُ صِحَّةِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ:
٧ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ نِيَّةُ الْجَمْعِ قَبْل
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٧١، والمجموع للإمام النووي ٤ / ٣٧٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٧١، وجواهر الإكليل ١ / ٩١، وبداية المجتهد ١ / ١٧٤، وسبل السلام ٢ / ٤١.
خُرُوجِ وَقْتِ الأُْولَى بِزَمَنٍ لَوِ ابْتُدِئَتْ فِيهِ كَانَتْ أَدَاءً، فَإِنْ أَخَّرَهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ أَثِمَ وَتَكُونُ قَضَاءً لِخُلُوِّ وَقْتِهَا عَنِ الْفِعْل أَوِ الْعَزْمِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ شَرْطًا آخَرَ لِجَمْعِ التَّأْخِيرِ وَهُوَ دَوَامُ سَفَرِهِ إِلَى تَمَامِ الصَّلاَتَيْنِ، فَإِنْ أَقَامَ قَبْل فَرَاغِهِ مِنْهُمَا أَصْبَحَتِ الأُْولَى قَضَاءً.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَشْتَرِطُونَ اسْتِمْرَارَ السَّفَرِ إِلَى حِينِ دُخُول وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَيْهِ فَلاَ يَضُرُّ زَوَال السَّفَرِ قَبْل فِعْل الصَّلاَتَيْنِ وَبَعْدَ دُخُول وَقْتِ الثَّانِيَةِ (١) .
٨ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، لأَِنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ فَاخْتَصَّتْ بِالطَّوِيل كَالْقَصْرِ وَلأَِنَّهُ إِخْرَاجُ عِبَادَةٍ عَنْ وَقْتِهَا فَلَمْ يَجُزْ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَالْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ، وَلأَِنَّ دَلِيل الْجَمْعِ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَالْفِعْل لاَ صِيغَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، فَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُهَا إِلاَّ فِي مِثْلِهَا، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ ﷺ جَمَعَ إِلاَّ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ عِنْدَهُمْ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ لأَِنَّ
_________
(١) المراجع السابقة.
أَهْل مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهُوَ سَفَرٌ قَصِيرٌ (١) .
وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالسَّفَرِ قِصَرًا وَطُولًا يُنْظَرُ فِي: (صَلاَةُ الْمُسَافِرِ) .
هَذَا وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْجَمْعَ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ إِذَا كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتِ الأُْولَى فَيُؤَخِّرُ إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ جَوَازُ تَقْدِيمِهِ الصَّلاَةَ الثَّانِيَةَ لِيُصَلِّيَهَا مَعَ الأُْولَى عَلَى مَا سَبَقَ (٢) .
الْجَمْعُ لِلْمَرَضِ:
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمَرِيضِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: جَمَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ سَفَرٍ (٣) .
_________
(١) القوانين الفقهية ص ٨٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٧٣، والمجموع للإمام النووي ٤ / ٣٧٠.
(٢) المجموع للإمام النووي ٤ / ٣٧٠، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٣) حديث: " جمع رسول الله ﷺ بين الظهر. . . " أخرجه مسلم (١ / ٤٩١ - ط عيسى الحلبي) . من حديث ابن عباس.
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ لِعُذْرٍ فَيَجْمَعُ لِلْمَرَضِ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵄ لَمَّا كَانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَتَعْجِيل الْعَصْرِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغُسْلٍ وَاحِدٍ (١) .
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءَ قَاسُوا الْمَرَضَ عَلَى السَّفَرِ بِجَامِعِ الْمَشَقَّةِ فَقَالُوا: إِنَّ الْمَشَقَّةَ عَلَى الْمَرِيضِ بِجَامِعٍ فِي إِفْرَادِ الصَّلَوَاتِ أَشَدُّ مِنْهَا عَلَى الْمُسَافِرِ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الْجَمْعَ الْجَائِزَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ هُوَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ فَقَطْ لِمَنْ خَافَ الإِْغْمَاءَ أَوِ الْحُمَّى أَوْ غَيْرَهُمَا. وَإِنْ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الأَْمْرَاضِ وَلَمْ تُصِبْهُ أَعَادَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِهَا.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْمَرِيضَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَالْمُسَافِرِ، فَإِنِ اسْتَوَى عِنْدَهُ الأَْمْرَانِ فَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى؛ لأَِنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلأُْولَى حَقِيقَةً بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ هُوَ مَا يَلْحَقُهُ بِهِ بِتَأْدِيَةِ كُل صَلاَةٍ فِي وَقْتِهَا مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ.
_________
(١) حديث سهلة أخرجه أبو داود (١ / ٢٠٧ - ط عزت عبيد الدعاس)، وأحمد (٦ / ١٣٩ - ط المكتب الإسلامي) من حديث عائشة. قال المنذري في إسناده محمد بن يسار. وقد اختلف في الاحتجاج به. وحديث حمنة أخرجه كذلك أبو داود (١ / ١٩٩ - ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (١ / ٢٢١ - ط مصطفى الحلبي) . وقال: حديث حسن صحيح.
وَأَلْحَقُوا الْمُسْتَحَاضَةَ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا كَالْمُرْضِعِ بِالْمَرِيضِ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ.
وَإِلَى رَأْيِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ لِلْمَرِيضِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَابْنُ الْمُقْرِي، وَالْمُتَوَلِّي، وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ.
وَقَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْوَجْهُ قَوِيٌّ جِدًّا.
قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَجُوزُ الْجَمْعُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَالأَْوْلَى أَنْ يَفْعَل أَرْفَقَهُمَا بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلأَِنَّ أَخْبَارَ الْمَوَاقِيتِ ثَابِتَةٌ فَلاَ تُتْرَكُ أَوْ تُخَالَفُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ وَغَيْرِ صَرِيحٍ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّ الرَّسُول ﷺ مَرِضَ أَمْرَاضًا كَثِيرَةً وَلَمْ يُنْقَل جَمْعُهُ بِالْمَرَضِ صَرِيحًا (١) .
الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ، وَالثَّلْجِ، وَالْبَرْدِ، وَنَحْوِهَا:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِسَبَبِ الْمَطَرِ الْمُبَلِّل لِلثِّيَابِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرْدِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٩٢، والقوانين الفقهية ص ٨٧، والمجموع للإمام النووي ٤ / ٣٨٣، ومغني المحتاج ١ / ٢٧٥، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٧٦.