الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
جَمَاعَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَمَاعَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْجَمْعِ: وَالْجَمْعُ تَأْلِيفُ الْمُتَفَرِّقِ وَضَمُّ الشَّيْءِ بِتَقْرِيبِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ، يُقَال: جَمَعْتُهُ فَاجْتَمَعَ (١) . وَالْجَمَاعَةُ عَدَدٌ مِنَ النَّاسِ يَجْمَعُهُمْ غَرَضٌ وَاحِدٌ. وَقَدِ اسْتَعْمَلُوهَا فِي غَيْرِ النَّاسِ حَتَّى قَالُوا: جَمَاعَةُ الشَّجَرِ وَجَمَاعَةُ النَّبَاتِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى تُطْلَقُ عَلَى عَدَدِ كُل شَيْءٍ وَكَثْرَتِهِ. وَالْجَمَاعَةُ، وَالْجَمِيعُ، وَالْمَجْمَعَةُ، وَالْمَجْمَعُ كَالْجَمْعِ (٢) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ تُطْلَقُ الْجَمَاعَةُ عَلَى عَدَدٍ مِنَ النَّاسِ. يَقُول الْكَاسَانِيُّ: " الْجَمَاعَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَى الاِجْتِمَاعِ، وَأَقَل مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِجْتِمَاعُ اثْنَانِ " وَيَقُول: " أَقَل الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ (٣) ".
وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى فِعْل الصَّلاَةِ مُجْتَمِعِينَ كَمَا
_________
(١) تاج العروس مادة: (جمع) .
(٢) المعجم الوسيط ومتن اللغة مادة: (جمع) .
(٣) البدائع ١ / ١٥٦.
يَقُولُونَ: " الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، أَيْ فِعْل الصَّلاَةِ جَمْعًا بِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ (١) ".
قَدْ يُرَادُ مِنَ الْجَمَاعَةِ الاِتِّحَادُ وَعَدَمُ الْفُرْقَةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهَا كَمَا يَلِي:
صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ:
٢ - صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ اتِّفَاقًا لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُل صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (٣) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي
_________
(١) الاختيار ١ / ٥٧، والشرح الكبير للدردير ١ / ٣١٩، وجواهر الإكليل ١ / ٧٦، والقليوبي ١ / ٢٢٠.
(٢) حديث: " الجماعة رحمة والفرقة عذاب " أخرجه أحمد في المسند وابنه في " زوائده " (٤ / ٢٧٨، ٣٧٥ ط المكتب الإسلامي، وابن أبي عاصم في السنة (١ / ٩٣ ط المكتب الإسلامي) من حديث النعمان بن بشير. قال المنذري: إسناده لا بأس به. الترغيب والترهيب ٢ / ١١ ط عيسى الحلبي) .
(٣) حديث: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٣١ ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٥٠ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر ولفظه للبخاري.
صِحَّةِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الرِّجَال الْقَادِرِينَ عَلَيْهَا بِشُرُوطٍ تُفَصَّل فِي مَوْضِعِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي شَرْطِيَّتِهَا لِصِحَّةِ صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ. أَمَّا فِي سَائِرِ الْفُرُوضِ، فَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِأَفْضَلِيَّةِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ عَنْ صَلاَةِ الْفَذِّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى اللَّذَيْنِ قَالاَ: صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لأَنْكَرَ عَلَيْهِمَا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ، فَيَأْثَمُ تَارِكُهَا بِلاَ عُذْرٍ وَيُعَزَّرُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ. وَقِيل: إِنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْبَلَدِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ فَيُقَاتَل أَهْلُهَا إِذَا تَرَكُوهَا (١) .
وَيَسْتَدِلُّونَ لِلْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٢) فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَال الْخَوْفِ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، وَبِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٧١، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٨٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٩، ٣٩٦، وحاشية القليوبي ١ / ٣٢١، ومغني المحتاج ١ / ٣١٠، وكشاف القناع ١ / ٤٥٤، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٧٦، والإنصاف ٢ / ٤٢٢.
(٢) سورة النساء / ١٠٢.
فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ (١) أَمَّا النِّسَاءُ فَفِي أَدَائِهِنَّ لِلصَّلاَةِ جَمَاعَةً تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .
وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ (٢) .
أَقَل الْجَمَاعَةِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْنِ: إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ. وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ. لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ (٣) .
وَيَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لاِنْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ فِي الْفُرُوضِ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ وَالْمَأْمُومُ كِلاَهُمَا بَالِغَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ امْرَأَةً، فَلاَ تَنْعَقِدُ بِصَبِيٍّ فِي فَرْضٍ لأَِنَّ صَلاَتَهُمَا فَرْضٌ، وَصَلاَةُ الصَّبِيِّ نَفْلٌ. أَمَّا فِي النَّوَافِل فَتَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِصَبِيَّيْنِ، أَوْ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ اتِّفَاقًا.
_________
(١) حديث: " لقد هممت بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٢٥ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٥١ - ٤٥٢ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
(٢) القليوبي ١ / ٢٢١، ومغني المحتاج ١ / ٣١٠.
(٣) حديث: " اثنان فما فوقهما جماعة ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٣١٢ ط عيسى الحلبي) والبيهقي (٣ / ٦٩ ط دار المعرفة) من حديث أبي موسى الأشعري. ضعفه البوصيري في الزوائد (١ / ١١٩ ط دار العربية) وابن حجر في التلخيص الحبير (٣ / ٨١ ط شركة الطباعة الفنية) .
وَظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِصَغِيرٍ فِي الْفَرْضِ أَيْضًا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ بَالِغًا (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) .
وَهُنَاكَ شُرُوطٌ لاِنْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَيْهِمَا.
قَتْل الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا قَتَلُوا وَاحِدًا اقْتُصَّ مِنْهُمْ جَمِيعًا. قَالُوا: لأَِنَّ زُهُوقَ الرُّوحِ لاَ يَتَجَزَّأُ، وَاشْتِرَاكَ الْجَمَاعَةِ فِيمَا لاَ يَتَجَزَّأُ يُوجِبُ التَّكَامُل فِي حَقِّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيُضَافُ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ. قَالُوا: وَلإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً بِمَدِينَةِ صَنْعَاءَ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَتَرَكَ عِنْدَهَا ابْنًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا، فَاتَّخَذَتْ لِنَفْسِهَا خَلِيلًا، فَاجْتَمَعَ عَلَى قَتْل الْغُلاَمِ خَلِيل الْمَرْأَةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، وَالْمَرْأَةُ وَخَادِمُهَا، فَقَطَعُوهُ أَعْضَاءً، وَأَلْقَوْا بِهِ فِي بِئْرٍ ثُمَّ ظَهَرَ الْحَادِثُ وَفَشَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَخَذَ أَمِيرُ الْيَمَنِ خَلِيل الْمَرْأَةِ فَاعْتَرَفَ، ثُمَّ اعْتَرَفَ الْبَاقُونَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ اقْتُلْهُمْ وَقَال: (وَاللَّهِ لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْل صَنْعَاءَ
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ١٥٦، والدسوقي ١ / ٣٢١، ومغني المحتاج ١ / ٢٣٠، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٩٦، وحاشية القليوبي، وكشاف القناع ١ / ٤٥٣، ٤٥٤.
لَقَتَلْتهمْ جَمِيعًا) (١) .
وَكَذَلِكَ قَتَل عَلِيٌّ ثَلاَثَةً بِوَاحِدٍ، وَقَتَل الْمُغِيرَةُ سَبْعَةً بِوَاحِدٍ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ.
قَالُوا: وَلأَِنَّ الْقَتْل بِطَرِيقِ التَّغَالُبِ غَالِبٌ، وَالْقِصَاصُ شُرِعَ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، فَيُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْمُنْفَرِدِ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الإِْحْيَاءِ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَلَزِمَ سَدُّ بَابِ الْقِصَاصِ وَفَتْحُ بَابِ التَّفَانِي، إِذْ لاَ يُوجَدُ الْقَتْل مِنْ وَاحِدٍ غَالِبًا.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ) (وَتَوَاطُؤٌ) .
الْقِصَاصُ مِنَ الْوَاحِدِ بِقَتْل الْجَمَاعَةِ:
٥ - إِذَا قَتَل وَاحِدٌ جَمَاعَةً، قُتِل قِصَاصًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٣) . وَفِي وُجُوبِ شَيْءٍ مِنَ الْمَال مَعَ ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (قِصَاصٌ) .
_________
(١) الأثر: " والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٢٧ ط السلفية) ومالك في الموطأ (٢ / ٨٧١ ط عيسى الحلبي) واللفظ له.
(٢) الزيلعي ٦ / ١١٤، ١١٥، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ٦ / ٢٤١، ٢٤٢، وأسنى المطالب ٤ / ١٧، والمغني لابن قدامة ٧ / ٦٧١، ٦٧٢.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٣٥٨، ومواهب الجليل ٦ / ٢٤١، ٢٤٢، وأسنى المطالب ٤ / ٣٦، والمغني ٧ / ٦٧٢.
لُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ:
٦ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ (١) .
قَال فِي الْفَتْحِ: اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الأَْمْرِ، فَقَال قَوْمٌ: هُوَ لِلْوُجُوبِ، وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الأَْعْظَمُ، وَقَال قَوْمٌ: الْجَمَاعَةُ الصَّحَابَةُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: الْجَمَاعَةُ أَهْل الْعِلْمِ، قَال الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْيِيدِهِ، فَمَنْ نَكَثَ عَنْ بَيْعَتِهِ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ (٢) .
٧ - وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ: " نَتْبَعُ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ "، وَالسُّنَّةُ طَرِيقَةُ الرَّسُول ﷺ وَالْجَمَاعَةُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ: هُمُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣) . . . قَال ﵊: إِنَّ هَذِهِ الأُْمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ (٤)، وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُول
_________
(١) حديث: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٣٥ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٤٧٦ ط عيسى الحلبي) من حديث حذيفة بن اليمان.
(٢) فتح الباري ١٣ / ٣٧.
(٣) العقيدة الطحاوية وشرحها ص ٢٣٨.
(٤) حديث: " إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٤ ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ٢٥ ط مصطفى الحلبي) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح ومن حديث معاوية أخرجه أبو داود (٥ / ٥ ط عزت عبيد الدعاس) والحاكم (١ / ١٢٨ ط دار الكتاب العربي) وقال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح الحديث، ووافقه الذهبي.
اللَّهِ؟ قَال: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي (١) .
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحَاتِ: (إِمَامَةٌ كُبْرَى، بَغْيٌ، بَيْعَةٌ) .
جَمْعٌ
انْظُرْ: مُزْدَلِفَةُ.
_________
(١) حديث: وفي رواية قال " ما أنا عليه وأصحأبي " أخرجه العقيلي في كتاب الضعفاء (٢ / ٢٦٢ ط دار الكتب العلمية) والطبراني في الصغير (١ / ٢٥٦ ط المدني) وفي إسناده عبد الله بن سفيان الخزاعي، وقال العقيلي: " لا يتابع على حديثه " وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٨٩ ط دار الكتاب العربي) وأورده مقالة العقيلي ثم قال: " وذكره ابن حبان في الثقات ".
جَمْعُ الصَّلَوَاتِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَمْعُ ضِدُّ التَّفْرِيقِ، وَجَمَعَ الشَّيْءَ إِذَا جَاءَ بِهِ مِنْ هُنَا وَهُنَا وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ (١) . وَالْمُرَادُ بِجَمْعِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ أَدَاءُ الظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي عَرَفَاتٍ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي مُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِلْحَاجِّ (٢)، لأَِنَّ الرَّسُول فَعَل هَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال فِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَل بَيْنَهُمَا شَيْئًا (٣) .
_________
(١) لسان العرب مادة: (جمع) .
(٢) سبل السلام ٢ / ٢٠٠.
(٣) حديث: " فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن ثم أقام " أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٠ - ط عيسى الحلبي) . من حديث جابر بن عبد الله.
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ عِلَّةِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ هَل هِيَ السَّفَرُ أَوْ هِيَ النُّسُكُ؟ فَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٌ، وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ مِنْ أَجْل النُّسُكِ، وَلِهَذَا فَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْحَاضِرِ، وَلاَ بَيْنَ الْعَرَفِيِّ وَالْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِمْ بِعَرَفَةَ، وَلاَ بَيْنَ الْمُزْدَلِفِيِّ وَغَيْرِهِ بِمُزْدَلِفَةَ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ رُخْصَةٌ مِنْ أَجْل السَّفَرِ (١)، وَاحْتَجُّوا بِالأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْجَمْعِ فِي أَسْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ الأُْخْرَى كَمَا يَأْتِي.
الْجَمْعُ لِلسَّفَرِ:
٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، أَوْ جَمْعَ تَأْخِيرٍ بِسَبَبِ السَّفَرِ الطَّوِيل الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الرُّبَاعِيَّةُ مَا لَمْ يَكُنْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ لِلأَْدِلَّةِ الآْتِيَةِ:
أ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَل قَبْل أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٦، والمجموع للإمام النووي ٤ / ٣١٧ وانظر شرح المحلي على المنهاج بحاشية القليوبي ٢ / ١١٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٧١.