الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

وَقَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ، وَقَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَقَدْ رُوِيَ فِي النَّهْيِ أَحَادِيثُ لاَ تَثْبُتُ، وَلَكِنْ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ ثَابِتٌ، فَلِذَا قَال الْعُلَمَاءُ يُكْرَهُ إِلاَّ لِعُذْرٍ. وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لاَ تَحْرِيمٍ (١) .

وَقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَهْل بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ.

وَرَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَال قَائِمًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ (٢) .

وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءُ الْحَاجَةِ) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٢٩، ٢٣٠، وحاشية الدسوقي ١ / ١٠٤، ١٠٥، وجواهر الإكليل ١ / ١٧، والقوانين الفقهية / ٤١، والقليوبي ١ / ٣٨، وروضة الطالبين ١ / ٦٦، والمغني ١ / ١٦٤.

(٢) حديث حذيفة " أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٢٨ ط السلفية) . ومسلم (١ / ٢٢٩ ط عيسى الحلبي) .

جِمَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْجِمَارُ بِالْكَسْرِ وَالْجَمَرَاتُ جَمْعُ الْجَمْرَةِ، وَمِنْ مَعَانِي الْجَمْرَةِ فِي اللُّغَةِ الْحَصَاةُ، فَالْجِمَارُ الأَْحْجَارُ الصِّغَارُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ الْجِمَارُ عَلَى مَعَانٍ:

أ - جَمَرَاتُ الْمَنَاسِكِ الثَّلاَثُ الأُْولَى وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ.

وَالْجَمَرَاتُ هِيَ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُرْمَى بِالْحَصَيَاتِ، وَهِيَ بِمِنًى، وَالأُْولَى مِنْهَا هِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، وَالْوُسْطَى الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالأَْخِيرَةُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ.

وَهِيَ أَقْرَبُ الثَّلاَثِ إِلَى مَكَّةَ. قَال صَاحِبُ مِرْآةِ الْحَرَمَيْنِ: وَهِيَ - أَيْ فِي زَمَنِهِ حَائِطٌ مِنَ الْحَجَرِ ارْتِفَاعُهُ نَحْوُ ثَلاَثَةِ أَمْتَارٍ فِي عَرْضِ نَحْوِ مِتْرَيْنِ أُقِيمَ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْ صَخْرَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الأَْرْضِ بِنَحْوِ مِتْرٍ وَنِصْفٍ وَمِنْ أَسْفَل هَذَا الْحَائِطِ حَوْضٌ مِنَ الْبِنَاءِ تَسْقُطُ إِلَيْهِ حِجَارَةُ الرَّجْمِ (٢) .

وَوَرَدَ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ نَقْلًا عَنِ الأَْزْرَقِيِّ: وَمِنْ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (جمر) .

(٢) مرآة الحرمين ١ / ٣٢٨.

جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَهِيَ أَوَّل الْجِمَارِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَاثْنَا عَشَرَ أُصْبُعًا، وَمِنَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى إِلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى ثَلاَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَمِنَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى إِلَى أَوْسَطِ بَابِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ أَلْفُ ذِرَاعِ وَثَلاَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَوَاحِدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا (١) .

وَقَال فِي مِرْآةِ الْحَرَمَيْنِ: الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ١١٦. ٧٧ مِتْرًا، وَالَّتِي بَيْنَ الْجَمْرَةِ الأُْولَى وَالْوُسْطَى ١٥٦. ٤٠ مِتْرًا.

قَال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَلَيْسَ لِلْمَرْمَى حَدٌّ مَعْلُومٌ غَيْرَ أَنَّ كُل جَمْرَةٍ عَلَيْهَا عَلَمٌ، وَهُوَ عَمُودٌ مُعَلَّقٌ هُنَاكَ فَيُرْمَى تَحْتَهُ وَحَوْلَهُ وَلاَ يُبْعَدُ عَنْهُ احْتِيَاطًا، وَحَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ إِلاَّ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ وَجْهٌ وَاحِدٌ لأَِنَّهَا تَحْتَ جَبَلٍ.

وَالْمَقْصُودُ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِمَا لاَ حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ (٢) قَال أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ أَسْرَارِ الْحَجِّ مِنَ الإِْحْيَاءِ: وَأَمَّا رَمْيُ الْجِمَارِ فَلْيَقْصِدْ بِهِ الاِنْقِيَادَ لِلأَْمْرِ إِظْهَارًا لِلرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَانْتِهَاضًا لِمُجَرَّدِ الاِمْتِثَال مِنْ غَيْرِ حَظٍّ لِلنَّفْسِ وَالْعَقْل فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ لْيَقْصِدْ بِهِ التَّشَبُّهَ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ حَيْثُ عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ

_________

(١) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ١ / ٢٩٤.

(٢) مرآة الحرمين ١ / ٤٨، ١٣٨.

لِيُدْخِل عَلَى حَجِّهِ شُبْهَةً أَوْ يَفْتِنَهُ بِمَعْصِيَةٍ، أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَرْمِيَهُ بِالْحِجَارَةِ طَرْدًا لَهُ وَقَطْعًا لأَِمَلِهِ (١) .

وَرَدَ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ أَنَّ إِبْلِيسَ عَرَضَ لَهُ هُنَالِكَ أَيْ وَسْوَسَ لَهُ لِيَشْغَلَهُ عَنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ فَكَانَ يَرْمِيهِ كُل مَرَّةٍ فَيَخْنَسَ ثُمَّ يَعُودَ (٢) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَتَى خَلِيل اللَّهِ الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَْرْضِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَْرْضِ ثُمَّ ذَكَرَ الْجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ (٣) .

وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَال لَهُ طُفْ بِهِ سَبْعًا، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا دَخَل مِنًى وَهَبَطَ مِنَ الْعَقَبَةِ تَمَثَّل لَهُ إِبْلِيسُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَال لَهُ جِبْرِيل: كَبِّرْ وَارْمِهِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَاهُ فَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ بَرَزَ

_________

(١) إحياء علوم الدين ١ / ٢٧٧.

(٢) حديث: " إن إبليس عرض له هنالك أي وسوس له. . . ". أخرجه أحمد (١ / ٢٨٣ - ٢٨٤ / ٢٧٩٥ - ط دار المعارف. وصحح إسناده أحمد شاكر) .

(٣) حديث: " لما أتى خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند. . . ". أخرجه البيهقي (٥ / ١٥٣ - ١٥٤ - ط دار المعرفة) والحاكم (١ / ٤٦٦ - ط دار الكتاب العربي) . وقال: حديث صحيح على شرط البخاري. وذهب الذهبي إلى أنه على شرط مسلم.

لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَقَال لَهُ جِبْرِيل: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَرَمَاهُ إِبْرَاهِيمُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ السُّفْلَى، فَقَال لَهُ جِبْرِيل: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَرَمَاهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَغَابَ عَنْهُ إِبْلِيسُ (١) .

ب - الْحَصَيَاتُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فِي مِنًى، وَتُسَمَّى الْحَصَيَاتُ السَّبْعُ جَمْرَةً أَيْضًا، تَسْمِيَةً لِلْكُل بِاسْمِ الْبَعْضِ (٢) .

ج - الأَْحْجَارُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُسْتَنْجَى بِهَا، وَمِنْهُ حَدِيثُ: إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا - الْجِمَارُ بِمَعْنَى الْحَصَيَاتِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا:

٢ - رَمْيُ الْجِمَارِ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَيَجِبُ فِي تَرْكِهِ دَمٌ (٤) .

وَعَدَدُ الْجِمَارِ سَبْعُونَ: سَبْعَةٌ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالْبَاقِي لِثَلاَثَةِ أَيَّامِ مِنًى كُل يَوْمٍ ثَلاَثُ جَمَرَاتٍ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَجَّل،

_________

(١) مرآة الحرمين ١ / ١٣٧.

(٢) الدسوقي ٢ / ٥٠، المقنع ص ١٩٨.

(٣) حديث: " إذا استجمر أحدكم فليوتر. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢١٢ - ط عيسى الحلبي) .

(٤) الاختيار ١ / ١٦٣، والجمل ٢ / ٤٧٥، ٤٧٩، وكشاف القناع ٢ / ٥١٠.

أَمَّا لِلْمُتَعَجِّل فَتِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ) .

صِفَةُ جِمَارِ الرَّمْيِ:

٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْجِمَارِ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَجَرٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ)، فَلاَ يَجُوزُ بِذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ، وَحَدِيدٍ، وَرَصَاصٍ، وَخَشَبٍ، وَطِينٍ، وَبَذْرٍ، وَتُرَابٍ، وَلُؤْلُؤٍ، وَإِثْمِدٍ، وَجِصٍّ عِنْدَهُمْ (٢)، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى بِالْحَصَى وَأَمَرَ بِالرَّمْيِ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَلاَ يَتَنَاوَل غَيْرَهُ (٣) .

وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ تَكُونَ الْجِمَارُ مِنْ كُل أَنْوَاعِ الْحَجَرِ (٤) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجِمَارُ مِنْ كُل مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ، كَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَالطِّينِ، وَكُل مَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ.

وَلاَ يَجُوزُ بِخَشَبٍ وَعَنْبَرٍ وَلُؤْلُؤٍ وَجَوَاهِرَ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ.

_________

(١) الاختيار ١ / ١٥٤، ١٥٥، ابن عابدين ٢ / ١٨١، والدسوقي ٢ / ٥٠، والقليوبي ٢ / ١١٧، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٩، ٥٠٩.

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠، وحاشية الجمل ٢ / ٤٧٣، وكشاف القناع ٢ / ٥٠١، والمغني ٣ / ٤٢٦.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٣١ - ٩٣٢ - ط عيسى الحلبي) .

(٤) حاشية الجمل ٢ / ٤٧٣ وما بعدها، والقليوبي ٢ / ١٤١.

وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْجِمَارِ أَنْ يَكُونَ رَمْيُهَا بِاسْتِهَانَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ لِعَدَمِ حُصُول الاِسْتِهَانَةِ بِهِمَا (١) .

وَيُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ الرَّمْيُ بِالْجِمَارِ الْمُتَنَجِّسَةِ، فَإِنْ غَسَلَهَا زَالَتِ النَّجَاسَةُ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُتَنَجِّسَةً بِيَقِينٍ (٢) .

حَجْمُ الْجِمَارِ:

٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجَمْرَةَ تَكُونُ مِقْدَارَ الْبَاقِلاَّ، أَيْ قَدْرَ الْفُولَةِ، وَقِيل: قَدْرَ الْحِمَّصَةِ، أَوِ النَّوَاةِ، أَوِ الأُْنْمُلَةِ.

وَهَذَا بَيَانُ الْمَنْدُوبِ، وَيَجُوزُ الرَّمْيُ بِالأَْكْبَرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَكُونُ حَصَى الْجِمَارِ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ، كَحَصَى الْخَذْفِ، فَلاَ يُجْزِئُ صَغِيرٌ جِدًّا وَلاَ كَبِيرٌ. وَالأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٨٠

(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٨١، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٩، والمغني ٣ / ٤٢٦.

(٣) ابن عابدين ٢ / ١٧٩، والدسوقي ٢ / ٥٠، وحاشية الجمل ٢ / ٤٧٤، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٩. وحديث: " عليكم بحصى الخذف " سبق تخريجه ف / ٣.

مَكَانُ الْتِقَاطِ الْجِمَارِ:

٥ - يُسْتَحَبُّ الْتِقَاطُ الْجِمَارِ السَّبْعَةِ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، أَوْ مِنَ الطَّرِيقِ، وَمَا عَدَا السَّبْعَةَ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ مَخْصُوصٌ. وَقِيل: يُؤْخَذُ سَبْعُونَ حَصَاةً مِنْ مُزْدَلِفَةَ.

وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ أَخْذِهَا مِنْ حَيْثُ كَانَ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُهَا مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أَخَذَهُ مِنَ الْمَرْمَى لَمْ يَجْزِهِ.

وَيُكْرَهُ كَذَلِكَ الْتِقَاطُهَا مِنْ مَكَانٍ نَجِسٍ، أَوْ أَنْ تَكُونَ مُتَنَجِّسَةً. وَيُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ يَلْتَقِطَ حَجَرًا فَيَكْسِرَهُ سَبْعِينَ حَجَرًا صَغِيرًا (١) .

كَيْفِيَّةُ رَمْيِ الْجِمَارِ:

٦ - يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي سَبْعًا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَلَوْ رَمَاهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً كَانَتْ عَنْ وَاحِدَةٍ. وَيُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ. فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلاَثَ بَعْدَ الزَّوَال يَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُْولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ إِنْ أَقَامَ. وَإِنْ نَفَرَ إِلَى مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ سَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ:

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١٨١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠، وحاشية القليوبي ٢ / ١١٧، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٨، والمغني ٣ / ٣٢٦.

(٢) الاختيار ٢ / ١٥٢ - ١٥٥، والدسوقي ٢ / ٥٠، والجمل ٢ / ٤٧٢، ٤٧٤، وكشاف القناع ٢ / ٥٠٠، والمغني ٣ / ٤٢٦، ٤٥٠.

حَجٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ)

وَيُشْتَرَطُ حُصُول الْجِمَارِ فِي الْمَرْمَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ أَوْ جَمَلٍ إِنْ وَقَعَتْ بِنَفْسِهَا بِقُرْبِ الْجَمْرَةِ أَجْزَأَ، وَإِلاَّ لَمْ يُجْزِئْ (١) .

وَقْتُ رَمْيِ الْجِمَارِ:

٧ - الْوَقْتُ الْمَسْمُوحُ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى زَوَالِهَا.

أَمَّا الْجِمَارُ فِي الأَْيَّامِ الثَّلاَثِ الأُْخْرَى فَوَقْتُهَا بَعْدَ الزَّوَال (٢) .

وَفِي شُرُوطِ رَمْيِ الْجِمَارِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِهَا أَوْ تَرْكِهَا، بَعْضِهَا أَوْ كُلِّهَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ) .

ثَانِيًا - الْجِمَارُ الَّتِي يُسْتَنْجَى بِهَا:

٨ - وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ (٣)

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١٧٩، الدسوقي ٢ / ٥٠، والجمل ٢ / ٤٧٣، كشاف القناع ٢ / ٥٠٠.

(٢) ابن عابدين ٢ / ١٨١، والاختيار ٢ / ١٥٥، والدسوقي ٢ / ٥٢، والجمل ٢ / ٤٦٨، ٤٧٤، وكشاف القناع ٢ / ٥٠٨.

(٣) حديث: " من استجمر فليوتر " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٦٢ - ط السلفية) . ومسلم (١ / ٢١٢ - ط عيسى الحلبي) .

وَمَعْنَى الاِسْتِجْمَارِ اسْتِعْمَال الْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي إِزَالَةِ مَا عَلَى السَّبِيلَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ.

وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِجْمَارَ كَمَا يَكُونُ بِالْحِجَارَةِ يَكُونُ بِكُل جَامِدٍ يَحْصُل بِهِ الإِْنْقَاءُ وَالتَّنْظِيفُ، كَمَدَرٍ وَخِرْقَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الاِسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أَفْضَل (١) .

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (٢) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِجْمَارٌ) .

جِمَاعٌ

انْظُرْ: وَطْءٌ.

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٣٠، والدسوقي ١ / ١١٠.

(٢) ابن عابدين ١ / ٢٢٤ - ٢٢٦، والبحر الرائق ١ / ٢٥٤، والدسوقي ١ / ١١١، والخرشي ١ / ١٤٨، ونهاية المحتاج ١ / ١٢٩، والمجموع ٢ / ١٠٠، وكشاف القناع ١ / ٥٥، المغني ١ / ١٥٩.