الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ صِفَةَ هَذِهِ الْجِلْسَةِ أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةً، وَأَمَّا مِقْدَارُهَا فَقَدْ قِيل: مِقْدَارُ قِرَاءَةِ ثَلاَثِ آيَاتٍ، وَقَال جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: بِقَدْرِ سُورَةِ الإِْخْلاَصِ، وَقِيل: مِقْدَارُ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لأَِنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ مُشْتَبِهَتَيْنِ (١) .
الْخُطْبَةُ جَالِسًا:
١٧ - مَنْ خَطَبَ جَالِسًا: فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ تَصِحُّ مِنَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ عَنِ الْقِيَامِ فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فِي خُطْبَتَيِ الْعِيدِ دُونَ الْجُمُعَةِ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فَأَشْبَهَتْ صَلاَةَ النَّافِلَةِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَمَّا أَسَنَّ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَيُفْصَل بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ (٢) .
الْجُلُوسُ عَلَى الْحَرِيرِ:
١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ:
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٢٩، والاختيار ١ / ٨٢، ٨٣، وابن عابدين ١ / ٥٤٤، ومواهب الجليل ٢ / ١٧٢، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٦.
(٢) فتح القدير ٢ / ٢٩، والاختيار ١ / ٨٢، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، ٧٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٠٦، والإنصاف ٢ / ٣٩٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٦، والمغني ٢ / ٣٠٣، ٣٨٧.
فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَقِيل: أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا مَعَ مُحَمَّدٍ - أَنَّهُ حَرَامٌ (١)، لِمَا رَوَاهُ حُذَيْفَةُ قَال: نَهَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ (٢) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى جَوَازِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ (٣)، وَكَانَ عَلَى بِسَاطِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِرْفَقَةُ حَرِيرٍ. وَأَيْضًا رُوِيَ أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَضَرَ وَلِيمَةً فَجَلَسَ عَلَى وِسَادَةِ حَرِيرٍ؛ وَلأَِنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الْحَرِيرِ اسْتِخْفَافٌ وَلَيْسَ بِتَعْظِيمٍ، فَجَرَى مَجْرَى الْجُلُوسِ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ (٤) .
وَهَذَا فِي الْخَالِصِ مِنْهُ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَرِيرٌ) .
الْجُلُوسُ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ:
١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُنْدَبُ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٢٦، والقوانين الفقهية / ٤٤٢، وأسنى المطالب ١ / ٢٧٥، وكشاف القناع ٥ / ١٧١.
(٢) حديث: " نهانا رسول الله ﷺ عن لبس الحرير. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٩١ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ جلس على مرفقة حرير " قال العيني: " هذا لم يثبت عن النبي ﷺ أصلا، ولا ذكره أحد من أرباب النقل لا بسند صحيح ولا بسند ضعيف " البناية في شرح الهداية (٩ / ٢١٨ - ط دار الفكر) .
(٤) ابن عابدين ٥ / ٢٢٦.
الْجُلُوسُ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ وَأَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا بِلاَ عُذْرٍ خِلاَفُ الأَْوْلَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) .
وَأَمَّا هَيْئَةُ الْجُلُوسِ لِلأَْكْل فَقَدْ صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ أَحْسَنَ الْجَلَسَاتِ لِلأَْكْل الإِْقْعَاءُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الرُّكْبَتَيْنِ، ثُمَّ الْجِثِيُّ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ، ثُمَّ نَصْبُ الرِّجْل الْيُمْنَى، وَالْجُلُوسُ عَلَى الْيُسْرَى (٢) .
وَالْمَنْدُوبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى أَوْ مَعَ الْيُسْرَى، أَوْ أَنْ يَجْلِسَ كَالصَّلاَةِ، وَجَثَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مَرَّةً عَلَى رُكْبَتِهِ (٣) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَاسْتَحْسَنُوا أَثْنَاءَ الأَْكْل الْجُلُوسَ عَلَى الرِّجْل الْيُسْرَى، وَنَصْبَ الْيُمْنَى أَوِ التَّرَبُّعَ. وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّيْفِ أَنْ لاَ يُطِيل الْجُلُوسَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الأَْكْل، بَل يَسْتَأْذِنُ رَبَّ الْمَنْزِل وَيَنْصَرِفَ (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٥) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَكْلٌ) .
جُلُوسُ مَنْ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ قَبْل وَضْعِهَا:
٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُتَّبِعِ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢١٦، والقوانين الفقهية / ٤٤٢، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥٠ ط مصطفى البابي الحلبي سنة ١٩٨٥، وروضة الطالبين ٧ / ٣٤٠، وكشاف القناع ٥ / ١٧٧.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨٢ و٥ / ٢١٦، ودليل الفالحين ٣ / ٢٣٣.
(٣) الشرح الصغير ٤ / ٧٥٦.
(٤) كشاف القناع ٥ / ١٧٤، ١٧٧.
(٥) سورة الأحزاب / ٥٣.
الْجِنَازَةِ الْجُلُوسُ قَبْل وَضْعِهَا، وَلاَ بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بَعْدَ الْوَضْعِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لاَ يَجْلِسُ حَتَّى يُوضَعَ الْمَيِّتُ فِي اللَّحْدِ، فَكَانَ قَائِمًا مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِ قَبْرٍ، فَقَال يَهُودِيٌّ: هَكَذَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا، فَجَلَسَ ﷺ وَقَال لأَِصْحَابِهِ: خَالِفُوهُمْ (١) . أَيْ فِي الْقِيَامِ.
ثُمَّ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا تَحْرِيمِيَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ (٢)، فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: إِذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلاَ تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تُوضَعَ بِالأَْرْضِ (٣) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عِنْدَ الْقَبْرِ قَبْل أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ عَنِ الأَْعْنَاقِ (٤) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَامَ مُنْتَظِرًا، وَإِنْ شَاءَ جَلَسَ (٥) .
الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ:
٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ
_________
(١) حديث: " عن عبادة بن الصامت أنه ﷺ كان لا يجلس. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٣١ - ط الحلبي) وقال: " هذا حديث غريب، وبشر بن رافع ليس بالقوي في الحديث ".
(٢) ابن عابدين ١ / ٥٩٨، وكشاف القناع ٢ / ١٢٩.
(٣) حديث: " إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٧٨ ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٦٠ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد.
(٤) جواهر الإكليل ١ / ١١٢، ومواهب الجليل ٢ / ٢٢٧.
(٥) روضة الطالبين ٢ / ١١٥.
يُرَخَّصُ الْجُلُوسُ فِي الْمُصِيبَةِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لِلرِّجَال فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، أَمَّا فِيهِ فَيُكْرَهُ، وَلاَ تَجْلِسُ النِّسَاءُ قَطْعًا.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: لاَ بَأْسَ بِهِ لأَِهْل الْمَيِّتِ فِي الْبَيْتِ أَوِ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُمْ وَيُعَزُّونَهُمْ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُل لِلتَّعْزِيَةِ (١) . لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قُتِل زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ (٢) .
وَقَال مُتَأَخِّرُو فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: يُكْرَهُ لَهُ الْجُلُوسُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَيْهِ مَنْ يُعَزِّي، بَل إِذَا فَرَغَ، وَرَجَعَ النَّاسُ مِنَ الدَّفْنِ فَلْيَتَفَرَّقُوا، وَيَشْتَغِل النَّاسُ بِأُمُورِهِمْ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ بِأَمْرِهِ (٣) .
وَإِلَى الْكَرَاهَةِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَنْزِيهِيَّةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُحْدَثٌ آخَرُ.
وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ: الرُّخْصَةُ لأَِهْل الْمَيِّتِ (٤) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٦٠٤، ومواهب الجليل ٢ / ٢٣٠.
(٢) حديث عائشة: " لما قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب. . . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٦٦ - ط السلفية) .
(٣) ابن عابدين ١ / ٦٠٤.
(٤) روضة الطالبين ٢ / ١٤٤، والأذكار / ١٣٦، والإنصاف ٢ / ٥٦٥.
أَمَّا الْجُلُوسُ عَلَى بَابِ دَارِ الْمَيِّتِ: فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لأَِنَّهُ عَمَل أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ (١) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِجَوَازِهِ حَيْثُ قَالُوا: لاَ بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ لِيَتَّبِعَ الْجِنَازَةَ، أَوْ يَخْرُجُ وَلِيُّهُ فَيُعَزِّيهُ، لأَِنَّهُ فَعَلَهُ السَّلَفُ (٢) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَعْزِيَةٌ) .
الْجُلُوسُ عَلَى الْقُبُورِ:
٢٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الْقُبُورِ إِذَا كَانَ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فَلاَ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقُبُورِ، لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا (٣) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ (٤) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٦٠٤
(٢) الإنصاف ٢ / ٥٦٥
(٣) حديث: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٨ - ط الحلبي) .
(٤) ابن عابدين ١ / ٦٠٤، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٩، وكشاف القناع ٢ / ١٤٠، والمغني ٢ / ٥٦٥ وحديث: " لأن يجلس أحدكم على جمرة. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٧ - ط الحلبي) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: وَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ أَثْنَاءَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ يَجْلِسُ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ فِي حَال حَيَاتِهِ (١) . وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيَّةِ: يَنْبَغِي لِلزَّائِرِ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْقَبْرِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ لَوْ زَارَهُ.
وَيَرَى الطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَسَبَ الْقَوْل إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ جَوَازَ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقَبْرَ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ (٢) .
قَال الطَّحَاوِيُّ: وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا إِذَا كَانَ الْجُلُوسُ لِلْقِرَاءَةِ (٣) .
الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ:
٢٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ جُلُوسِ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ لِلْحُكْمِ، وَالْجَامِعُ أَوْلَى؛ لأَِنَّهُ أَشْهَرُ، وَيَخْتَارُ مَسْجِدًا فِي وَسَطِ الْبَلَدِ؛ لِئَلاَّ يَبْعُدَ عَلَى قَاصِدِيهِ.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٦٠٥.
(٢) مواهب الجليل ٢ / ٢٥٢، وجواهر الإكليل ١ / ١٧١ ط دار المعرفة، وابن عابدين ١ / ٦٠٦.
(٣) ابن عابدين ١ / ٦٠٦، ٦٠٧.
يَفْصِل بَيْنَ الْخُصُومِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَال: إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَلِلْحُكْمِ (١) وَلِئَلاَّ يَشْتَبِهَ عَلَى الْغُرَبَاءِ مَكَانُهُ. وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَهُ دَكَّةٌ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ بِغَيْرِ يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، وَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ يَوْمَ عِيدٍ؛ لأَِنَّهُ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ، وَمُصَافَاةٍ لاَ يَوْمُ مُخَاصَمَةٍ. وَبِغَيْرِ يَوْمِ قُدُومِ الْحَاجِّ وَخُرُوجِهِ؛ لاِشْتِغَال النَّاسِ فِيهِ بِتَهْنِئَةِ الْقَادِمِينَ، أَوْ وَدَاعِ الْخَارِجِينَ، وَبِغَيْرِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَجْلِسُ بِرِحَابِ الْمَسْجِدِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ وَاسْتَحْسَنَ صَاحِبُ جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل هَذَا، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﷺ: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ (٢) .
_________
(١) حديث: " إنما بنيت المساجد لذكر الله وللحكم " قال الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٧٠ - ط دائرة المعارف العثمانية): " غريب بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم، ليس فيه الحكم " انتهى. وبدون هذه الزيادة هو في صحيح مسلم (١ / ٢٣٧ - ط الحلبي) من حديث أنس.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣١٠، والاختيار ٢ / ٨٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٣، ٢٢٤، والمغني ٩ / ٤٤، ٤٥، ٤٦ وحديث: " جنبوا مساجدكم. . . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٤٧ - ط الحلبي) من حديث واثلة بن الأسقع مطولا، وقال البوصيري: " إسناده ضعيف ".
وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَجْلِسَ الْقَاضِي فِي دَارٍ لاَ فِي مَسْجِدٍ، فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمُ اتِّخَاذُهُ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ فِي الأَْصَحِّ، صَوْنًا لَهُ عَنِ ارْتِفَاعِ الأَْصْوَاتِ، وَاللَّغَطِ الْوَاقِعَيْنِ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَادَةً؛ وَلأَِنَّ الْقَضَاءَ قَدْ يَحْضُرُهُ مُشْرِكٌ وَهُوَ نَجِسٌ بِالنَّصِّ (١) .
وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِجُلُوسِ الْقَاضِي آدَابًا كَثِيرَةً مِنْهَا:
- أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُهُ فَسِيحًا، وَاسِعًا لِئَلاَّ يَتَأَذَّى بِضِيقِهِ الْحَاضِرُونَ.
- وَأَنْ يَكُونَ بَارِزًا، ظَاهِرًا، لِيَعْرِفَ الْقَاضِي مَنْ يَرَاهُ.
- وَأَنْ يَكُونَ مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ وَرِيحٍ وَغُبَارٍ وَدُخَانٍ، لاَئِقًا بِالْوَقْتِ مِنْ صَيْفٍ وَشِتَاءٍ.
- وَأَنْ يُبْسَطَ لَهُ شَيْءٌ، وَلاَ يَجْلِسَ عَلَى التُّرَابِ وَلاَ عَلَى الْحَصِيرِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ بِهَيْبَتِهِ مِنْ أَعْيَنِ الْخُصُومِ (٢) .
وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي، وَالْعَدْل بَيْنَ الْخَصْمِ فِي مَجْلِسِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (قَضَاءٌ) .
حَدُّ الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ:
٢٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَالْمَالِكِيَّةُ
_________
(١) القليوبي ٤ / ٣٠٢، وابن عابدين ٤ / ٣١٠.
(٢) المراجع السابقة، والمغني ٩ / ٨٠، ٨١، ٨٢.
وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُضْرَبُ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ الَّتِي فِيهَا الضَّرْبُ جَالِسَةً، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُل قَائِمًا؛ وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، وَجُلُوسُهَا أَسْتَرُ لَهَا.
وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهَا تُحَدُّ قَائِمَةً، كَمَا تُلاَعِنُ.
وَأَمَّا الرَّجُل فَلَمْ يَقُل بِضَرْبِهِ جَالِسًا فِي الْحُدُودِ إِلاَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِيَامِ، وَلأَِنَّهُ مَجْلُودٌ فِي حَدٍّ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ (١) .
الْجُلُوسُ لِلتَّبَوُّل:
٢٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجُلُوسُ أَثْنَاءَ التَّبَوُّل لِئَلاَّ يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ، قَال ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ تَبُول وَأَنْتَ قَائِمٌ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبُول قَائِمًا فَلاَ تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُول إِلاَّ قَاعِدًا (٢) .
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٤، والقليوبي ٤ / ٢٠٤، والمغني ٨ / ٣١٣ - ٣١٥، ٣١٦.
(٢) حديث: " من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه. . . . " أخرجه النسائي (١ / ٢٦ ط دار البشائر الإسلامية) والترمذي (١ / ١٧ ط مصطفى الحلبي)، وابن ماجه (١ / ١١٢ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة، وقال الترمذي (حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح) . أخرجه الحاكم (١ / ١٨١ ط دار الكتاب العربي) بنحوه منها وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي.