الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
يُفْصَل بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ أَوْ نَحْوِهَا كَقُعُودٍ لَطِيفٍ؛ لِضِيقِ وَقْتِهَا (١) .
الْجُلُوسُ قَبْل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي فَوَاتِهَا بِالْجُلُوسِ، فَإِذَا جَلَسَ قَبْل الصَّلاَةِ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ، لِحَدِيثِ سُلَيْكٍ الْغَطَفَانِيِّ وَنَصُّهُ: " عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ فَقَال لَهُ: يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا. ثُمَّ قَال: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا (٣) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَفُوتُ بِهِ فَلاَ
_________
(١) فتح القدير ١ / ٢١٥ ط دار إحياء التراث العربي، وابن عابدين ١ / ٢٦١، والاختيار ١ / ٤٢، ٤٤ ط دار المعرفة، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٤ ط دار الفكر، وأسنى المطالب ١ / ١٠٣ ط المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع ١ / ٢٤٣.
(٢) حديث أبي قتادة: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٢٧ ط السلفية)، مسلم (١ / ٤٩٥ ط عيسى الحلبي) .
(٣) حديث: " جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ. . . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٥٩٧ - ط الحلبي) .
يَفْعَلُهَا بَعْدَهُ (١) . وَتَمَامُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) .
الْجُلُوسُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ:
٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجُلُوسَ بَدَلٌ عَنِ الْقِيَامِ فِي صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ، فَمَنْ لاَ يُطِيقُ الْقِيَامَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٣) .
وَفِي بَيَانِ الْعَجْزِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةُ الْمَرِيضِ) .
١٠ - وَأَمَّا أَدَاءُ صَلاَةِ النَّفْل جَالِسًا فَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، وَلَكِنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (٤) . وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ صَلاَةُ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٤٥٦، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٣، وروضة الطالبين ١ / ٣٣٢، ٣٣٣، والمغني ٢ / ١٣٥.
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٩٩، ٤٦٨، ٤٧٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٣٥، ٢٣٦، وجواهر الإكليل ١ / ٥٥، ٥٧، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٦٥، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦، ١ / ٢٣٢، والمغني ٢ / ١٤٣، ١٤٤.
(٣) حديث عمران بن الحصين: " صل قائما ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٨٧ - ط السلفية) .
(٤) حديث: " من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٨٦ - ط السلفية) من حديث عمران بن حصين.
الرَّجُل قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاَةِ (١) .
وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ طُول الْقِيَامِ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتُرِكَ أَكْثَرُهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ، كَمَا سَامَحَ فِي فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ (٢) .
وَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ مَكْرُوهٌ (٣) .
الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:
١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ رُكْنٌ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا (٤) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِفَرْضِيَّتِهِ.
وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَرُوِيَ وُجُوبُهُ. يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ:
_________
(١) حديث: " صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة " أخرجه مسلم (١ / ٥٠٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٦٨، وجواهر الإكليل ١ / ٥٠، ٥٧، وروضة الطالبين ١ / ٢٣٢، والمغني ٢ / ١٤٢.
(٣) ابن عابدين ١ / ٤٧٥، وجواهر الإكليل ١ / ٥٥، ٥٧.
(٤) حديث: " كان النبي ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا ". أخرجه مسلم (١ / ٣٥٧ - ٣٥٨ - ط الحلبي) .
وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلأَْدِلَّةِ، وَعَلَيْهِ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَصِفَةُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ الاِفْتِرَاشُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّوَرُّكُ كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ عِنْدَ الْجَمِيعِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ تَمَامِ صِفَةِ الْجُلُوسِ (١) .
وَفِي التَّعْدِيل فِي الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ فِي الذِّكْرِ الْمَسْنُونِ فِيهَا وَقَدْرِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَعْدِيلٌ) (وَدُعَاءٌ) .
جِلْسَةُ الاِسْتِرَاحَةِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ لاَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الاِسْتِرَاحَةِ، وَيُكْرَهُ فِعْلُهَا تَنْزِيهًا لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْرٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ، قَال التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَل
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣١٢، ٣٢١، ٣٤٠، والقوانين الفقهية / ٦٩، وجواهر الإكليل ١ / ٤٩، ٥٣ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٩، وروضة الطالبين ٢ / ٣١٨، ونهاية المحتاج ١ / ٥١٧، والمنثور في القواعد للزركشي ٢ / ١٠، ١١، والإنصاف ٢ / ٧٠، ٧١، والمغني ١ / ٥٢٣.
عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ، وَقَال أَبُو الزِّنَادِ: تِلْكَ السُّنَّةُ (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْخَلاَّل أَنَّهُ يُسَنُّ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جِلْسَةٌ لِلاِسْتِرَاحَةِ فِي كُل رَكْعَةٍ تَقُومُ عَنْهَا، لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْل أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى (٢) .
وَصِفَةُ الْجُلُوسِ هُنَا كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَدْرًا وَهَيْئَةً، وَيُكْرَهُ تَطْوِيلُهُ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْل الرَّافِعِيِّ: " أَنَّهَا خَفِيفَةٌ " وَقَوْل النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ " أَنَّهَا خَفِيفَةٌ جِدًّا ".
ثُمَّ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ: بِأَنَّهَا لِلْفَصْل بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَجْهًا أَنَّهَا: مِنَ الثَّانِيَةِ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَبْدَاهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَهُوَ: أَنَّهَا مِنَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى (٣) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٤٠، والقوانين الفقهية / ٦٨، ونهاية المحتاج ١ / ٥١٨، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة / ٣٥، والمنثور في القواعد ٢ / ١٠، ١١، والأذكار / ٥٦ ط دار الكتاب العربي، والمغني ١ / ٥٣٠، والإنصاف ٢ / ٧١، ٧٢، ٧٣.
(٢) حديث مالك بن الحويرث: " أن النبي ﷺ كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى "، أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٦٣ - ط السلفية) .
(٣) نهاية المحتاج ١ / ٥١٨، والأذكار / ٥٦، والمنثور في القواعد للزركشي ٢ / ١٠، ١١، والمغني ١ / ٥٢٩، ٥٣٠، والإنصاف ٢ / ٧١ وما بعدها
وَمِنْ خَصَائِصِ جِلْسَةِ الاِسْتِرَاحَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا - أَنَّهَا لاَ يَدْعُو فِيهَا بِشَيْءٍ (١) .
الْجُلُوسُ فِي التَّشَهُّدِ:
١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل سُنَّةٌ، لأَِنَّهُ يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ فَأَشْبَهَ السُّنَنَ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَجِبَ بِتَرْكِهِ سَاهِيًا سُجُودُ السَّهْوِ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ (٢) .
وَأَمَّا فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ فَرْضٌ، وَقَدْرُهُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ إِلَى " عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، أَوْ قَضَيْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ (٣) عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْقَعْدَةِ (٤) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدَيْنِ سُنَّةٌ،
_________
(١) المنثور في القواعد للزركشي ٢ / ١٠، ١١.
(٢) ابن عابدين ١ / ٣٠١، والاختيار ١ / ٥٣، ٥٤، والقوانين الفقهية / ٦٩، وجواهر الإكليل ١ / ٤٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٩، ونهاية المحتاج ١ / ٥٢٠، ٥٢١، والمغني ١ / ٥٣٢، ٥٣٣، ٥٣٩.
(٣) حديث ابن مسعود في وصف التشهد: " فإذا فعلت ذلك أو. . . ". أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١ / ١٦٢ - ط المصطفائي - باكستان) وأصله في أبي داود (١ / ٥٩٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(٤) الاختيار لتعليل المختار ١ / ٥٤، وابن عابدين ١ / ٣٠١.
قَال ابْنُ جُزَيٍّ: وَفِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجُلُوسَ الأَْخِيرَ وَاجِبٌ، وَالأَْصَحُّ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُ مِقْدَارُ السَّلاَمِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْقَعْدَةِ الأَْخِيرَةِ رُكْنٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ﵃، وَالْحَسَنُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ (٢) .
وَأَمَّا هَيْئَةُ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ فَالاِفْتِرَاشُ لِلرَّجُل، وَالتَّوَرُّكُ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْقَعْدَةِ الأُْولَى أَمِ الأَْخِيرَةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هَيْئَةُ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ التَّوَرُّكُ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ لِلْقُعُودِ هَيْئَةٌ لِلإِْجْزَاءِ، فَكَيْفَمَا قَعَدَ فِي جَلَسَاتِهِ أَجْزَأَهُ، لَكِنَّ السُّنَّةَ فِي جُلُوسِ آخِرِ الصَّلاَةِ التَّوَرُّكُ وَفِي أَثْنَائِهَا الاِفْتِرَاشُ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل هِيَ الاِفْتِرَاشُ، وَفِي الثَّانِي التَّوَرُّكُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي أَنْ تَجْلِسَ مُتَرَبِّعَةً، لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ أَنْ تَسْدُل رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلَهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا، وَالْمَنْصُوصُ
_________
(١) القوانين الفقهية لابن جزي / ٦٩، وجواهر الإكليل ١ / ٤٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٩.
(٢) نهاية المحتاج ١ / ٥٢٠، ٥٢١، والمغني ١ / ٥٣٢، ٥٣٣، ٥٣٩، والإنصاف ٢ / ١١٣.
عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ السَّدْل أَفْضَل، لأَِنَّهُ غَالِبُ فِعْل عَائِشَةَ ﵂، وَلأَِنَّهُ أَشْبَهَ بِجِلْسَةِ الرَّجُل (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ يُسَنُّ التَّوَرُّكُ فِي كُل تَشَهُّدٍ يُسَلَّمُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَانِيًا، كَتَشَهُّدِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ، لأَِنَّهُ تَشَهُّدٌ يُسَنُّ تَطْوِيلُهُ فَسُنَّ فِيهِ التَّوَرُّكُ كَالثَّانِي.
وَلاَ يَتَوَرَّكُ الرَّجُل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ فِي التَّشَهُّدِ الأَْخِيرِ مِنْ صَلاَةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ. وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُول: فِي كُل رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى (٢)، وَلأَِنَّ التَّشَهُّدَ الثَّانِيَ إِنَّمَا تَوَرَّكَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ إِلاَّ تَشَهُّدٌ وَاحِدٌ لاَ اشْتِبَاهَ فِيهِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْفَرْقِ (٣) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٢١، ٣٤١، والقوانين الفقهية / ٦٩، وجواهر الإكليل ١ / ٥١، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٩، ونهاية المحتاج ١ / ٥٢٠، ٥٢١، وروضة الطالبين ١ / ٢٦١، والمغني ١ / ٥٣٢، ٥٣٩، وكشاف القناع ١ / ٣٦٣، ٣٦٤، والإنصاف ٢ / ٧٥، ٨٩، ١١٣ وما بعدها.
(٢) حديث: " في كل ركعتين: التحية، وكان يفرش رجله اليسرى. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٥٨ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٣) نهاية المحتاج ١ / ٥٢٠ وما بعدها، وروضة الطالبين ١ / ٢٦١، والمغني ١ / ٥٤٠.
الْجُلُوسُ بَيْنَ كُل تَرْوِيحَتَيْنِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ:
١٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ كُل تَرْوِيحَتَيْنِ بَيْنَ الْجُلُوسِ ذَاكِرًا أَوْ سَاكِتًا، وَبَيْنَ صَلاَتِهِ نَافِلَةً مُنْفَرِدًا، وَهَذَا الْجُلُوسُ سُنَّةٌ كَمَا يُفِيدُهُ كَلاَمُ الْكَنْزِ، وَمُسْتَحَبٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيُّ (١) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَرِيحَ بَعْدَ كُل أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ بِجَلْسَةٍ يَسِيرَةٍ، قَال الْحَنَابِلَةُ: وَهُوَ فِعْل السَّلَفِ، وَلاَ بَأْسَ بِتَرْكِهِ، وَلاَ يَدْعُو الإِْمَامُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .
الْجُلُوسُ قَبْل الْخُطْبَتَيْنِ وَبَعْدَ الصُّعُودِ إِلَى الْمِنْبَرِ:
١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْخَطِيبَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فِي الْجُمُعَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجْلِسُ؛ لأَِنَّ الْجُلُوسَ لاِنْتِظَارِ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الأَْذَانِ فِي الْجُمُعَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْعِيدَيْنِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْجُلُوسِ.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٤٧٤، وفتح القدير ١ / ٤٠٦ ط دار إحياء التراث العربي.
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ١٢٥، والإنصاف ٢ / ١٨١، وشرح منح الجليل ١ / ٢٠٦ ط مكتبة النجاح، وأسهل المدارك ١ / ٣٠١، وكفاية الطالب ٢ / ٣٢١.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ لِيَسْتَرِيحَ؛ وَلأَِنَّهُ أَهْدَى لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْتَتِحَهُ، وَفِيهِ زِيَادَةُ وَقَارٍ (١) .
حُكْمُ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَمِقْدَارُهُ:
١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ خُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَال: رَأَيْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا بِطُمَأْنِينَةٍ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْخُطْبَةِ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا (٢) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٥٦، ومواهب الجليل ٢ / ١٧٢، وروضة الطالبين ٢ / ٧٣، والإنصاف ٢ / ٤٢٩، ٤٣٠، وكشاف القناع ٢ / ٥٥، والمغني ٢ / ٣٨٦.
(٢) حديث: " كان يخطب يوم الجمعة خطبتين " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٤٠٦ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٥٨٩ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر. وانظر فتح القدير ٢ / ٢٩، ٤٦، ٤٧، وابن عابدين ١ / ٥٤٤، ٥٦١، والاختيار ١ / ٨٢، ٨٣، ٨٧، ومواهب الجليل ٢ / ١٦٥، ١٧١، ١٧٢، وشرح الزرقاني ٢ / ٦٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٣١٢، ٣١٨، وروضة الطالبين ٢ / ٢٧، ٣١، ٧٣، والإنصاف ٢ / ٣٩٧.