الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

رَجَّحَهُ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ قُدَامَةَ - إِلَى أَنَّ شَعْرَ الْحَيَوَانِ (الطَّاهِرِ حَال حَيَاتِهِ) لاَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لأَِنَّ الْمَعْهُودَ فِيهِ قَبْل الْمَوْتِ الطَّهَارَةُ فَكَذَا بَعْدَهُ؛ وَلأَِنَّ الْمَوْتَ لاَ يُحِلُّهُ إِذْ لَيْسَ فِيهِ حَيَاةٌ فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ لاَ حَيَاةَ فِيهِ أَنَّهُ لاَ يَحُسُّ وَلاَ يَتَأَلَّمُ، وَلاَ يَحُسُّ الْحَيَوَانُ فِي حَيَاتِهِ وَلاَ يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِ الشَّعْرِ أَوْ قَصِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي الشَّعْرِ حَيَاةٌ لَتَأَلَّمَ الْحَيَوَانُ بِقَصِّهِ أَوْ قَطْعِهِ كَمَا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الصَّحِيحِ - إِلَى أَنَّ شَعْرَ مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الطَّاهِرِ حَال حَيَاتِهِ غَيْرَ الآْدَمِيِّ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمِ الْمَيْتَةُ﴾ (١) وَهُوَ عَامٌّ لِلشَّعْرِ وَغَيْرِهِ.

وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّعْرَ لاَ يَطْهُرُ بِدِبَاغِ الْجِلْدِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّعْرُ (٢) .

وَفِي الْمَوْضُوعِ عِنْدَهُمُ اخْتِلاَفٌ فِي الأَْقْوَال وَخِلاَفٌ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (شَعْرٌ) .

ثَامِنًا - أَكْل الْجِلْدِ:

١٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمَأْكُول

_________

(١) سورة المائدة / ٣.

(٢) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٣٧، والخرشي ١ / ٩٠، والمجموع ١ / ٢٢٠ - ٢٣١ - ٢٣٤ - ٢٣٦ - ٢٣٨، والمغني ١ / ٧٩ - ٨٠.

الْمُذَكَّى، يُؤْكَل جِلْدُهُ قَبْل الدَّبْغِ مَا لَمْ يَغْلُظْ وَيَخْشُنْ وَيَصِرْ جِنْسًا آخَرَ غَيْرَ اللَّحْمِ؛ لأَِنَّ الذَّكَاةَ تُحِل لَحْمَهُ وَجِلْدَهُ وَسَائِرَ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنْهُ.

أَمَّا الْحَيَوَانُ الْمَأْكُول الَّذِي مَاتَ أَوْ ذُكِّيَ ذَكَاةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ، فَإِنَّ جِلْدَهُ قَبْل دَبْغِهِ لاَ يُؤْكَل، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمِ الْمَيْتَةُ﴾ (١) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ الْمَيْتَةِ لَحْمُهَا (٢) وَالْجِلْدُ جُزْءٌ مِنَ الْمَيْتَةِ فَحَرُمَ أَكْلُهُ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا.

هَذَا عَنِ الْحُكْمِ قَبْل الدِّبَاغِ، أَمَّا بَعْدَهُ: فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ الْمُفْتَى بِهِ إِلَى تَحْرِيمِ أَكْل جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ لِلآْيَةِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقَيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ أَمْ غَيْرَ مَأْكُولٍ (٣) .

تَاسِعًا - لُبْسُ الْجِلْدِ وَاسْتِعْمَالُهُ:

١٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ لُبْسِ جِلْدِ الْحَيَوَانِ تَبَعًا لِلْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ

_________

(١) سورة البقرة / ١٧٣.

(٢) حديث: " إنما حرم رسول الله ﷺ من الميتة لحمها " أخرجه الدارقطني (١ / ٤٧ - ٤٨ ط شركة الطباعة الفنية) من حديث ابن عباس وضعفه. والبيهقي (١ / ٢٣ ط دار المعرفة) وأصل الحديث في الصحيحين.

(٣) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٣٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٠، والمجموع ١ / ٢٢٩ - ٢٣٠، والشرقاوي ٢ / ٥٨، وحاشية الجمل ٥ / ٣٠٧، والمغني ١ / ٧٠.

ف ١٠) إِلاَّ أَنَّ مَنْ قَال بِنَجَاسَةِ شَيْءٍ مِنْهُ فَصَّل فِي حُكْمِ اللُّبْسِ وَالاِسْتِعْمَال.

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَال جِلْدِ الْمَيْتَةِ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ قَبْل الدَّبْغِ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنِ الأَْصْحَابِ، أَمَّا لُبْسُهُ فَلاَ يَجُوزُ.

وَأَمَّا بَعْدَ الدِّبَاغِ: فَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِيهِ: قَال الْحَنَفِيَّةُ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ - عَدَا الْخِنْزِيرَ - يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَيَجُوزُ لُبْسُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ بَعْدَ دَبْغِهِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂ (١) .

وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا فَتَحُوا فَارِسَ انْتَفَعُوا بِسُرُوجِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ، وَذَبَائِحِهِمْ مَيْتَةً، وَلأَِنَّهُ انْتِفَاعٌ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ الاِصْطِيَادَ بِالْكَلْبِ.

وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَاءِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلاَ الصَّلاَةُ فِيهِ وَلاَ عَلَيْهِ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُبْسِ وَاسْتِعْمَال جُلُودِ الثَّعَالِبِ وَالسِّبَاعِ:

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لُبْسُ جُلُودِ السِّبَاعِ أَوِ

_________

(١) حديث: " حديث ميمونة " سبق تخريجه ف / ١٠.

الرُّكُوبُ عَلَيْهَا، أَوِ الاِنْتِفَاعُ بِهَا لِحَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَامِرِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ (١) .

وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁ أَنَّهُ قَال لِمُعَاوِيَةَ ﵁: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَل تَعْلَمُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَال: نَعَمْ (٢) .

وَكَذَلِكَ حُكْمُ جُلُودِ الثَّعَالِبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فِيهَا عَلَى الأَْصَحِّ لِعَدَمِ طَهَارَةِ الشَّعْرِ الَّذِي عَلَى تِلْكَ الْجُلُودِ بِالدِّبَاغِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ تُبْنَيَانِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى حِلِّهَا، فَإِنْ قِيل بِتَحْرِيمِهَا فَحُكْمُ جُلُودِهَا حُكْمُ جُلُودِ بَقِيَّةِ السِّبَاعِ، وَكَذَلِكَ السَّنَانِيرُ الْبَرِّيَّةُ، فَأَمَّا الأَْهْلِيَّةُ فَمُحَرَّمَةٌ، وَهَل تَطْهُرُ جُلُودُهَا بِالدِّبَاغِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَال:

_________

(١) حديث: " نهى عن جلود السباع " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٧٤ - ٣٧٥ ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي (٧ / ١٧٦ ط دار البشائر الإسلامية) والترمذي (٤ / ٢٤١ ط مصطفى الحلبي) وصححه. من حديث أبي المليح، والحاكم (١ / ١٤٤ ط دار الكتاب العربي) ووافقه الذهبي.

(٢) أثر " أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله نهى عن لبس جلود السباع. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٧٢ - ٣٧٣ ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي ٧ / ١٧٦ - ١٧٧ ط دار البشائر الإسلامية) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وسنده جيد ويشهد له حديث أبي المليح الذي سبق تخريجه.

لاَ بَأْسَ بِالْفَرْوِ مِنَ السِّبَاعِ كُلِّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَةِ وَالْمُذَكَّاةِ، وَقَال: ذَكَاتُهَا دِبَاغُهَا، وَفِيهَا: وَلاَ بَأْسَ بِجُلُودِ النُّمُورِ وَالسِّبَاعِ كُلِّهَا إِذَا دُبِغَتْ أَنْ يُجْعَل مِنْهَا مُصَلًّى.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إِذَا ذُكِّيَتْ، وَكُل مَا ذُكِّيَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ (١) .

عَاشِرًا - نَزْعُ الْمَلاَبِسِ الْجِلْدِيَّةِ لِلشَّهِيدِ:

١٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنِ الشَّهِيدِ عِنْدَ دَفْنِهِ الْجِلْدُ، وَالسِّلاَحُ وَالْفَرْوُ، وَالْحَشْوُ، وَالْخُفُّ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَالْقَلَنْسُوَةُ، وَكُل مَا لاَ يُعْتَادُ لُبْسُهُ غَالِبًا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ بِدِمَائِهِمْ (٢) .

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٢٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٣، وكفاية الطالب الرباني ١ / ٤٤٢، وشرح الزرقاني ١ / ٢٣، والخرشي ١ / ٩٠، والمجموع ١ / ٢٢٨ - ٢٣٩ - ٢٤٠، والمغني ١ / ٦٨ - ٦٩.

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٤٩٧ - ٤٩٨ ط عزت عبيد الدعاس) وابن ماجه (١ / ٤٨٥ ط عيسى الحلبي) وأحمد (١ / ٢٤٧ ط المكتب الإسلامي) والبيهقي (٤ / ١٤ ط دار المعرفة) من حديث ابن عباس قال المنذري: " في إسناده علي بن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة. وعطاء بن السائب، وفيه مقال " (مختصر سنن أبي داود ٤ / ٢٩٤ ط دار المعرفة) .

وَذَلِكَ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهِيدٌ) .

حَادِيَ عَشَرَ: بَيْعُ جِلْدِ الأُْضْحِيَّةِ:

١٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ جِلْدِ الأُْضْحِيَّةِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِهَا أَوْ أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ: وَلاَ تَبِيعُوا لُحُومَ الْهَدْيِ وَالأَْضَاحِيِّ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ بَيْعِ جِلْدِ الأُْضْحِيَّةِ (٢)، عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (أُضْحِيَّةٌ) .

ثَانِيَ عَشَرَ: السَّلَمُ فِي الْجِلْدِ:

١٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ السَّلَمَ فِي الْجِلْدِ جَائِزٌ؛ لأَِنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ مَعْلُومٌ (أَيْ مُنْضَبِطٌ) فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ.

_________

(١) حديث: " ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي فكلوا وتصدقوا. . . " أخرجه أحمد (٤ / ١٥ ط المكتب الإسلامي) من حديث جابر عن قتادة بن النعمان. وله شاهد عند مسلم (٣ / ١٥٦٢ ط عيسى الحلبي) وغيره من حديث جابر وأبي سعيد الخدري.

(٢) المبسوط ١٢ / ١٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٠١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٢٣، وحاشية الجمل ٥ / ٢٦٠، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٧٥.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي جُلُودِ الإِْبِل وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ؛ لأَِنَّ الْجُلُودَ لاَ تُوزَنُ عَادَةً وَلَكِنَّهَا تُبَاعُ عَدَدًا، وَهِيَ عَدَدِيَّةٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِيهَا الصَّغِيرُ وَفِيهَا الْكَبِيرُ فَلاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ. وَالسَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ عِنْدَنَا لاَ يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ فِي أَبْعَاضِ الْحَيَوَانِ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الأَْكَارِعِ وَالرُّءُوسِ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الأُْدُمِ وَالْوَرَقِ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ مِنَ الأُْدُمِ ضَرْبًا مَعْلُومَ الطُّول وَالْعَرْضِ وَالْجَوْدَةِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ كَالثِّيَابِ، وَكَذَلِكَ الأُْدُمُ إِذَا كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ بِذِكْرِ الْوَزْنِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ لاَ تُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْجِلْدِ لاِخْتِلاَفِ أَجْزَائِهِ فِي الرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، نَعَمْ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي قِطَعٍ مِنْهُ مَدْبُوغَةٍ وَزْنًا (١) .

ثَالِثَ عَشَرَ: الإِْجَارَةُ عَلَى سَلْخِ حَيَوَانٍ بِجِلْدِهِ:

١٨ - لاَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ سَلاَّخٍ لِسَلْخِ حَيَوَانٍ بِجِلْدِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ تَفْسُدُ بِجَهَالَةِ الْمُسَمَّى كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَهُنَا تَفْسُدُ الإِْجَارَةُ بِالْغَرَرِ لأَِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيَتَقَطَّعُ الْجِلْدُ حَال سَلْخِهِ أَمْ يَنْفَصِل سَلِيمًا، وَهَل يَكُونُ ثَخِينًا أَمْ رَقِيقًا؛ وَلأَِنَّهُ

_________

(١) المبسوط للسرخسي ١٢ / ١٣١، وجواهر الإكليل ٢ / ٧٣، حاشية الجمل ٣ / ٢٤٢، المغني ٤ / ٣١٠.

لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الإِْجَارَةِ، فَإِنْ سَلَخَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ (١) .

رَابِعَ عَشَرَ: ضَمَانُ الْجِلْدِ:

١٩ - لِلْفُقَهَاءِ فِي ضَمَانِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْل دَبْغِهِ وَبَعْدَ دَبْغِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَمَانِ جِلْدِ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَحْرُمُ الاِنْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْل الدِّبَاغِ وَالْحُرْمَةُ لاَ تَسْتَلْزِمُ زَوَال الْمِلْكِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ جَزَّ صُوفَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَلَوْ وَجَدَهُ صَاحِبُ الشَّاةِ فِي يَدِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، وَلَوْ دَبَغَ جِلْدَهَا كَانَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا زَادَ فِي الدِّبَاغِ (٢) .

وَقَالُوا: لَوْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ فَلِصَاحِبِ الْجِلْدِ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيَرُدَّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ، وَإِنِ اسْتَهْلَكَ الْغَاصِبُ الْجِلْدَ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَضْمَنُهُ مَدْبُوغًا وَيُعْطِي مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ

_________

(١) الدر المختار ٥ / ٣٠، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٦٦، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٩٤.

(٢) ورد هذا النقل عن أبي يوسف في فتح القدير ٤ / ٤٢٦ وأورده كذلك صاحب الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٦ ومعه نقل آخر مخالف ثم قال: يجوز أن يقاس كل منهما على الآخر فيصير فيهما روايتان.

الْغَاصِبِ لَمْ يَضْمَنْهُ بِإِجْمَاعِهِمْ.

وَلَوْ دَبَغَ الْغَاصِبُ الْجِلْدَ بِمَا لاَ قِيمَةَ لَهُ كَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ بِلاَ شَيْءٍ، وَلَوِ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا، وَقِيل طَاهِرًا غَيْرَ مَدْبُوغٍ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ دُبِغَ أَمْ لَمْ يُدْبَغْ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ الَّذِي نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ - لَوْ أَخَذَ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ طَهُرَ وَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ ثُمَّ أَخَذَهُ الدَّابِغُ فَهُوَ لِلدَّابِغِ، وَإِنْ كَانَ غَصَبَهُ فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ فَرْعُ مِلْكِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَمِنَهُ، وَلَوْ أَعْرَضَ الْمَالِكُ عَنْهُ وَهُوَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِإِعْرَاضِهِ مَلَكَهُ آخِذُهُ، وَإِذَا لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ لَزِمَ الْغَاصِبَ رَدُّهُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (١) لأَِنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَ جِلْدًا لَمْ يُدْبَغْ، فَادَّعَى مَالِكُهُ تَذْكِيَتَهُ وَالْمُتْلِفُ عَدَمَهَا، صُدِّقَ الْمُتْلِفُ بِيَمِينِهِ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ التَّذْكِيَةِ.

_________

(١) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " أخرجه أبو داود (٣ / ٨٢٢ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٥٥٦ ط مصطفى الحلبي)، وابن ماجه (٢ / ٨٠٢ ط عيسى الحلبي) واللفظ له من حديث سمرة بن جندب، وقد رواه عنه الحسن. قال ابن حجر: " والحسن مختلف في سماعه من سمرة " تلخيص الحبير ٣ / ٥٣ ط شركة الطباعة الفنية. ومثله قال العجلوني في كشف الخفاء (٢ / ٩٠ ط مؤسسة الرسالة) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَلْزَمُ رَدُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ غُصِبَ لأَِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ بِدَبْغٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ أَنَّهُ يَلْزَمُ رَدُّهُ أَيْ جِلْدُ الْمَيْتَةِ الَّذِي دُبِغَ إِنْ كَانَ بَاقِيًا لِمَنْ يَرَى طَهَارَتَهُ (١) .

خَامِسَ عَشَرَ: الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ الْجِلْدِ: ٢٠ - جِلْدُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول الْمُذَكَّى، مَالٌ طَاهِرُ يُقْطَعُ سَارِقُهُ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ مَعَ تَوَفُّرِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ لإِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَبِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ.

أَمَّا جِلْدُ الْمَيْتَةِ قَبْل دَبْغِهِ فَلاَ قَطْعَ فِي سَرِقَتِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ بَعْدَ دَبْغِهِ يُقْطَعُ فِي سَرِقَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِشُرُوطِ الْقَطْعِ، لَكِنَّ عِبَارَةَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْقِيمَةِ الَّتِي يُقْطَعُ فِيهَا: جِلْدُ مَيْتَةِ الْمَأْكُول أَوْ غَيْرِهِ يُقْطَعُ سَارِقُهُ بَعْدَ الدَّبْغِ إِنْ زَادَ دَبْغُهُ عَلَى قِيمَةِ أَصْلِهِ نِصَابًا، بِأَنْ يُقَال مَا قِيمَتُهُ غَيْرَ مَدْبُوغٍ أَنْ لَوْ كَانَ يُبَاعُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ فَإِذَا قِيل: دِرْهَمَانِ فَيُقَال: وَمَا قِيمَتُهُ مَدْبُوغًا فَإِذَا قِيل: خَمْسَةٌ قُطِعَ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ بَعْدَ دَبْغِهِ نِصَابًا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ كَمَا لَوْ سَرَقَهُ غَيْرَ مَدْبُوغٍ.

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤٢٦، ٧ / ٤٠٠ - ٤٠٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٦، والزرقاني ٦ / ١٤٣، والمجموع ١ / ٢٢٥، ونهاية المحتاج ٥ / ١٧٩، وأسنى المطالب ١ / ٥٥٩، ومطالب أولي النهى ٤ / ٦.