الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
وَالْبَشَرَةُ ظَاهِرُهَا، أَوِ الأَْدَمَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّعْرُ وَالْبَشَرَةُ بَاطِنُهَا، وَمَا ظَهَرَ مِنْ جِلْدَةِ الرَّأْسِ (١) .
وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ الأَْدِيمِ عَلَى الْجِلْدِ، وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُهُ عَلَى الْمَدْبُوغِ مِنَ الْجِلْدِ (٢)، وَبِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل يَكُونُ الأَْدِيمُ مُرَادِفًا لِلْجِلْدِ. وَبِالإِْطْلاَقِ الثَّانِي يَكُونُ غَيْرَ مُرَادِفٍ.
ب - الإِْهَابُ:
٣ - الإِْهَابُ: الْجِلْدُ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْوَحْشِ، أَوْ هُوَ مَا لَمْ يُدْبَغْ وَفِي الْحَدِيثِ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٣) وَالْجَمْعُ فِي الْقَلِيل آهِبَةٌ وَفِي الْكَثِيرِ أُهُبٌ، وَرُبَّمَا اسْتُعِيرَ لِجِلْدِ الإِْنْسَانِ، قَال أَبُو مَنْصُورٍ الأَْزْهَرِيُّ: جَعَلَتِ الْعَرَبُ جِلْدَ الإِْنْسَانِ إِهَابًا، وَأَنْشَدَ قَوْل عَنْتَرَةَ:
فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأَْصَمِّ إِهَابَهُ
.
وَعَنْ عَائِشَةَ فِي وَصْفِ أَبِيهَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
_________
(١) تاج العروس، والمصباح المنير مادة: (أدم) .
(٢) نهاية المحتاج (حاشية الشبراملسي) ١ / ٢٣٢، وفتح القدير ١ / ٦٤.
(٣) حديث: " أيما إهاب دبغ فقد طهر ". أخرجه أحمد (٣ / ٢٧٤ / ١٨٩٥ ط دار المعارف) وصححه أحمد شاكر. وأخرجه الترمذي (٤ / ٢٢١ ط مصطفى الحلبي) وقال: حسن صحيح، وهو من حديث ابن عباس.
: حَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا، أَيْ أَبْقَى دِمَاءَ النَّاسِ فِي أَجْسَادِهَا (١) .
وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الإِْهَابِ عَلَى الْجِلْدِ قَبْل دِبَاغِهِ، فَإِذَا دُبِغَ لَمْ يُسَمَّ إِهَابًا (٢) .
ج - فَرْوَةٌ:
٤ - الْفَرْوَةُ: الْجِلْدُ الَّذِي عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ صُوفٌ، وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الشَّعْرِ.
وَجَمْعُ الْفَرْوَةِ: فِرَاءٌ.
وَالْجِلْدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَبَرٌ أَوْ صُوفٌ لَمْ يُسَمَّ فَرْوَةً بَل يُسَمَّى جِلْدًا (٣) .
وَالْفَرْوَةُ أَخَصُّ مِنَ الْجِلْدِ.
د - الْمَسْكُ:
٥ - الْمَسْكُ الْجِلْدُ، وَخَصَّ بِهِ بَعْضُهُمْ جِلْدَ السَّخْلَةِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: مَا كَانَ عَلَى فِرَاشِي إِلاَّ مَسْكُ كَبْشٍ أَيْ جِلْدُهُ، وَالْمَسْكَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الْجِلْدِ (٤) .
فَالْمَسْكُ إِنْ خُصَّ بِهِ جِلْدُ السَّخْلَةِ أَخَصُّ مِنَ الْجِلْدِ، وَإِلاَّ فَهُوَ مُرَادِفٌ لَهُ.
_________
(١) تاج العروس والمصباح المنير مادة: (أهب) والمجموع للنووي ١ / ٢٢٠.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٣٥، وبدائع الصنائع ١ / ٨٥، والمجموع ١ / ٢١٩.
(٣) القاموس المحيط، ولسان العرب مادة: (فرو) والكليات ٣ / ٣٥٩.
(٤) القاموس ولسان العرب مادة: (مسك) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
تَخْتَلِفُ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجِلْدِ بِاخْتِلاَفِ الْمَوَاطِنِ:
أَوَّلًا: مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ:
٦ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَرَ، أَوْ أَصْغَرَ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَمِنْهُ جِلْدُهُ الْمُتَّصِل بِهِ لأَِنَّهُ يَشْمَلُهُ اسْمُ الْمُصْحَفِ وَيَدْخُل فِي بَيْعِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَرَ مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ وَمَوْضِعِ الْبَيَاضِ مِنْهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الْقِيَاسِ، وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْقَوْل فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْخِلاَفِ فِيهِ فِي مُصْطَلَحِ: (مُصْحَفٌ) .
ثَانِيًا: تَعَلُّقُ الْجِلْدِ الْمَنْزُوعِ بِمَحَل الطَّهَارَةِ:
٧ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ: إِنْ كُشِطَ جِلْدٌ وَتَقَلَّعَ مِنَ الذِّرَاعِ، وَتَعَلَّقَ بِهِ أَوْ بِالْمِرْفَقِ وَتَدَلَّى مِنْ أَحَدِهِمَا، وَجَبَ غَسْل ظَاهِرِ هَذَا الْجِلْدِ وَبَاطِنِهِ، وَغَسْل مَا ظَهَرَ بَعْدَ الْكَشْطِ، وَالتَّقَلُّعِ مِنَ الذِّرَاعِ عِنْدَ الْوُضُوءِ لأَِنَّهُ مِنْ مَحَل الْفَرْضِ، وَإِنْ كُشِطَ الْجِلْدُ مِنَ الذِّرَاعِ وَبَلَغَ تَقَلُّعُهُ إِلَى الْعَضُدِ، ثُمَّ تَدَلَّى مِنْهُ فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لأَِنَّهُ صَارَ فِي غَيْرِ مَحَل الْفَرْضِ، وَهُوَ الْعَضُدُ، وَإِنْ تَقَلَّعَ مِنَ الْعَضُدِ
وَتَدَلَّى مِنْهُ فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لأَِنَّهُ تَدَلَّى مِنْ غَيْرِ مَحَل الْفَرْضِ، وَإِنْ تَقَلَّعَ مِنَ الْعَضُدِ وَبَلَغَ التَّقَلُّعُ إِلَى الذِّرَاعِ، ثُمَّ تَدَلَّى مِنْهُ لَزِمَهُ غَسْلُهُ لأَِنَّهُ صَارَ مِنَ الذِّرَاعِ، وَإِنْ تَقَلَّعَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْتَحَمَ بِالآْخَرِ لَزِمَهُ غَسْل مَا حَاذَى مِنْهُ مَحَل الْفَرْضِ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ الَّذِي عَلَى الذِّرَاعِ إِلَى الْعَضُدِ، فَإِنْ كَانَ مُتَجَافِيًا عَنْ ذِرَاعِهِ لَزِمَ غَسْل مَا تَحْتِهِ مِنْ مَحَل الْفَرْضِ فِي الْوُضُوءِ (١) .
ثَالِثًا - طَهَارَةُ الْجِلْدِ بِالذَّكَاةِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُؤْكَل لَحْمُهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ مَأْكُولٍ، فَجَازَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ بَعْدَ الذَّكَاةِ كَاللَّحْمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَثَرِ الذَّكَاةِ فِي تَطْهِيرِ جِلْدِ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَجُمْلَةُ الشُّرَّاحِ مِنْهُمْ، إِلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ لاَ تَعْمَل الذَّكَاةُ فِيهِ، وَلاَ تُؤَثِّرُ فِي طَهَارَةِ جِلْدِهِ، بَل يَكُونُ نَجِسًا بِهَذِهِ الذَّكَاةِ كَمَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، لأَِنَّ هَذِهِ الذَّكَاةَ لاَ تُطَهِّرُ اللَّحْمَ وَلاَ تُبِيحُ أَكْلَهُ، كَذَبْحِ الْمَجُوسِ، وَكُل ذَبْحٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَلاَ يَطْهُرُ بِهَا الْجِلْدُ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ
_________
(١) الدر المختار ١ / ٦٩ - ٧٠ وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١ / ٣، والخرشي ١ / ١٢٣، والمجموع ١ / ٣٨٩، ومطالب أولي النهى ١ / ١١٦.
الأَْصْلِيَّ بِالذَّبْحِ أَكْل اللَّحْمِ، فَإِذَا لَمْ يُبِحْهُ هَذَا الذَّبْحُ فَلأَنْ لاَ يُبِيحَ طَهَارَةَ الْجِلْدِ أَوْلَى.
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بَيْنَ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ كَالْخِنْزِيرِ، وَالْمُخْتَلَفِ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ كَالْحِمَارِ، وَالْمَكْرُوهِ أَكْلُهُ كَالسَّبُعِ، قَالُوا: إِنَّ الْمُخْتَلَفَ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ لَكِنْ لاَ يُؤْكَل، وَأَمَّا مَكْرُوهُ الأَْكْل فَإِنْ ذُكِّيَ لأَِكْل لَحْمِهِ طَهُرَ جِلْدُهُ تَبَعًا لَهُ، وَإِنْ ذُكِّيَ لأَِخْذِ الْجِلْدِ فَقَطْ طَهُرَ وَلَمْ يُؤْكَل اللَّحْمُ لأَِنَّهُ مَيْتَةٌ لِعَدَمِ نِيَّةِ ذَكَاتِهِ بِنَاءً عَلَى تَبَعُّضِ النِّيَّةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَعَلَى عَدَمِ تَبَعُّضِهَا يُؤْكَل.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ - عِنْدَهُمْ - بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلاَّ الْخِنْزِيرَ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: دِبَاغُ الأَْدِيمِ ذَكَاتُهُ (١) . أَلْحَقَ الذَّكَاةَ بِالدِّبَاغِ، ثُمَّ الْجِلْدُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَذَا بِالذَّكَاةِ لأَِنَّ الذَّكَاةَ تُشَارِكُ الدِّبَاغَ فِي إِزَالَةِ الدِّمَاءِ السَّائِلَةِ وَالرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ فَتُشَارِكُهُ فِي إِفَادَةِ الطَّهَارَةِ (٢) .
_________
(١) حديث: " دباغ الأديم ذكاته " أخرجه أحمد (٣ / ٤٧٦ ط المكتب الإسلامي) واللفظ له. وأخرجه أبو داود (٤ / ٣٦٨ ط عزت عبيد الدعاس) والحاكم (٤ / ١٤١ ط دار الكتاب العربي) وقال حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي وهو من حديث سلمة بن المحبق.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٣٧، وبدائع الصنائع ١ / ٨٦، وفتح القدير ٨ / ٤٢١، وشرح الزرقاني ١ / ٢٣، والمجموع ١ / ٢٤٥، ٢٤٦، والمغني ١ / ٧١، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٩.
رَابِعًا - ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل لأَِخْذِ جِلْدِهِ:
٩ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ لأَِخْذِ جِلْدِهِ، قَال النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْحِمَارُ الزَّمِنُ وَالْبَغْل الْمُكَسَّرُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِجِلْدِهِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا عَنْهُ جَوَازُهُ وَالثَّانِيَةُ تُحَرِّمُهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول لأَِجْل جِلْدِهِ، قَال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلَوْ كَانَ فِي النَّزْعِ (١) .
خَامِسًا - تَطْهِيرُ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ:
١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ - بِصِفَةٍ عَامَّةٍ - يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَال: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا (٢) .
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) حديث: " هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به "، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: " إنما حرم أكلها " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦٥٨ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٧٦ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس.
وَقَالُوا: إِنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ طَرَأَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَجَازَ أَنْ يُطَهَّرَ كَجِلْدِ الْمُذَكَّاةِ إِذَا تَنَجَّسَ؛ لأَِنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الرُّطُوبَاتِ وَالدِّمَاءِ السَّائِلَةِ، وَأَنَّهَا تَزُول بِالدِّبَاغِ فَتَطْهُرُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ إِذَا غُسِل، وَلأَِنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ عَلَى الْجِلْدِ، وَيُصْلِحُهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْجِلْدِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ. ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: كُل إِهَابٍ دُبِغَ وَهُوَ يَحْتَمِل الدِّبَاغَةَ طَهُرَ، وَمَا لاَ يَحْتَمِلُهَا لاَ يَطْهُرُ، إِلاَّ أَنَّ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ لاَ يَطْهُرُ؛ لأَِنَّ الْخِنْزِيرَ نَجِسُ الْعَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّ ذَاتَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ نَجِسَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا فَلَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِذَا لَمْ يَقْبَل التَّطْهِيرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِلاَّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ " مُنْيَةِ الْمُصَلِّي ".
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: كُل الْجُلُودِ النَّجِسَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ إِلاَّ الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلِّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلاَ يَطْهُرُ جِلْدُهُمَا بِالدِّبَاغِ، لأَِنَّ الدِّبَاغَ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ الْحَيَاةُ لاَ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ، وَلاَ يَزِيدُ الدِّبَاغُ عَلَى الْحَيَاةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الدِّبَاغُ تَطْهِيرٌ لِلْجُلُودِ، وَلاَ يُحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى تَطْهِيرٍ بِالْمَاءِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ - لاَ يَطْهُرُ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ حَتَّى يُغْسَل بِالْمَاءِ؛ لأَِنَّ مَا يُدْبَغُ بِهِ تَنَجَّسَ بِمُلاَقَاةِ الْجِلْدِ، فَإِذَا زَالَتْ نَجَاسَةُ الْجِلْدِ
بَقِيَتْ نَجَاسَةُ مَا يُدْفَعُ بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُغْسَل حَتَّى يَطْهُرَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ وَلَوْ دُبِغَ، وَلاَ يُفِيدُ دَبْغُهُ طَهَارَتَهُ، وَلَكِنْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ.
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَال الْحَيَاةِ.
وَفِي بَقِيَّةِ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ تَفْصِيلٌ أَوْرَدَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ (١) .
وَفِي الدِّبَاغِ، وَمَا يُدْبَغُ بِهِ، وَالْحَاجَةِ إِلَى فِعْلٍ لِلدَّبْغِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. . تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (دِبَاغَةٌ) .
سَادِسًا - الاِسْتِنْجَاءُ بِالْجِلْدِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِيَابِسٍ (جَامِدٍ) طَاهِرٍ مُنَقٍّ (قَالِعٍ لِلنَّجَاسَةِ) غَيْرِ مُؤْذٍ وَلاَ مُحَرَّمٍ، فَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِمُبْتَلٍّ، أَوْ نَجِسٍ، أَوْ أَمْلَسَ، أَوْ مُحَدَّدٍ، أَوْ مُحَرَّمٍ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا أَوْ حَقًّا لِلْغَيْرِ أَوْ لِشَرَفِهِ.
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٣٦، وبدائع الصنائع ١ / ٨٥، والخرشي ١ / ٨٩، والمجموع ١ / ٢١٤ - ٢٢١ - ٢٢٥، والمغني ١ / ٦٦.
وَلَهُمْ فِي الاِسْتِنْجَاءِ بِالْجِلْدِ غَيْرِ الْمَأْكُول تَفْصِيلٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا وَرَدَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ - يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِنَحْوِ حَجَرٍ مُنَقٍّ كَالْمَدَرِ وَالتُّرَابِ وَالْعُودِ وَالْخِرْقَةِ وَالْجِلْدِ وَمَا أَشْبَهَهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِلْدَ الْمُذَكَّى الَّذِي تُحِلُّهُ الذَّكَاةُ يَطْهُرُ بِهَا، وَلَكِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ لأَِنَّهُ مَطْعُومٌ. أَمَّا غَيْرُ الْمُذَكَّى فَإِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَلِذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ أَيْضًا لِنَجَاسَتِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الطَّاهِرُ مِنَ الْجِلْدِ ضَرْبَانِ:
الأَْوَّل: جِلْدُ الْمَأْكُول الْمُذَكَّى وَلَوْ غَيْرَ مَدْبُوغٍ، وَالْمَدْبُوغُ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُول، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْبُوغِ فَفِي جَوَازِ الاِسْتِنْجَاءِ بِهِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ كَالثِّيَابِ وَسَائِرِ الأَْعْيَانِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حُرْمَةٌ، فَلَيْسَتْ هِيَ بِحَيْثُ تَمْنَعُ الاِسْتِعْمَال فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ النَّجَاسَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لأَِمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِيهِ دُسُومَةً تَمْنَعُ التَّنْشِيفَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَأْكُولٌ حَيْثُ يُؤْكَل الْجِلْدُ التَّابِعُ لِلرُّءُوسِ وَالأَْكَارِعِ تَبَعًا لَهَا، فَصَارَ كَسَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لاَ يَجُوزُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإِلَيْهِ مَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَكَثِيرُونَ، وَحَمَلُوا مَا نُقِل مِنْ تَجْوِيزِ الاِسْتِنْجَاءِ عَلَى مَا بَعْدَ الدِّبَاغِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَدْبُوغُ، وَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ لأَِنَّ الدِّبَاغَ يُزِيل مَا فِيهِ مِنَ الدُّسُومَةِ، وَيَقْلِبُهُ عَنْ طَبْعِ اللُّحُومِ إِلَى طَبْعِ الثِّيَابِ.
وَالثَّانِي: لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَل وَيَجُوزُ أَكْلُهُ إِذَا دُبِغَ وَإِنْ كَانَ جِلْدَ مَيْتَةٍ عَلَى اخْتِلاَفٍ فِيهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: يَجُوزُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَمَا نُقِل مِنَ الْمَنْعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْل الدِّبَاغِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الدَّبْغَ لاَ يُطَهِّرُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ بَل يَظَل نَجِسًا، فَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ، وَجِلْدُ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى يَحْرُمُ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ لأَِنَّ لَهُ حُرْمَةَ الطَّعَامِ (١) .
سَابِعًا - طَهَارَةُ الشَّعْرِ عَلَى الْجِلْدِ:
١٢ - الشَّعْرُ عَلَى جِلْدِ الْحَيِّ الطَّاهِرِ حَال حَيَاتِهِ طَاهِرٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَالشَّعْرُ عَلَى جِلْدِ الإِْنْسَانِ الْمَيِّتِ طَاهِرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالشَّعْرُ مِنْ مَيْتَةِ غَيْرِ الإِْنْسَانِ فِيهِ خِلاَفٌ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِيمَا
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٤٨، وجواهر الإكليل ١ / ٨ - ١٩، وفتح العزيز شرح الوجيز ١ / ٤٩٩ - ٥٠١، وحاشية الشرقاوي ١ / ١٢٧، ومطالب أولي النهى ١ / ٧٧.