الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ.
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (١) . وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّرِيحُ الثَّابِتُ لاَ يُتْرَكُ إِلاَّ بِمِثْلِهِ. وَالأَْحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِيهَا الرَّجْمُ وَلَمْ يُذْكَرِ الْجَلْدُ، فَلاَ يُعَارَضُ بِهِ الصَّرِيحُ بِدَلِيل أَنَّ التَّغْرِيبَ يَجِبُ لِذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الآْيَةِ؛ وَلأَِنَّهُ زَانٍ فَيُجْلَدُ؛ وَلأَِنَّهُ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ عُقُوبَتَانِ: الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ، فَيُشْرَعُ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ أَيْضًا عُقُوبَتَانِ: الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ فَيَكُونُ الْجَلْدُ مَكَانَ التَّغْرِيبِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًا) .
الْجَلْدُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ إِذَا قَذَفَ مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً، فَحَدُّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، وَأَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ (٣) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٤) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " قَذْفٌ ".
_________
(١) حديث: " الثيب بالثيب. . . . " تقدم تخرجه ف (٦) .
(٢) المغني ٨ / ١٦٠ - ١٦١، وسبل السلام ٤ / ٤ - ٦.
(٣) ابن عابدين ٣ / ١٦٧، شرح الزرقاني ٨ / ٨٨، وروضة الطالبين ١ / ١٠٦، والمغني ٨ / ٢١٧ - ٢١٨.
(٤) سورة النور / ٤.
(٥) سورة النساء / ٢٥.
الْجَلْدُ فِي حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ:
٩ - حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ الْجَلْدُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَال (١) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْجَلَدَاتِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً فِي الْحُرِّ، وَفِي غَيْرِهِ أَرْبَعُونَ. قَالُوا: وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَبَرَةَ الْكَلْبِيِّ قَال: أَرْسَلَنِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَأَتَيْتُهُ وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵄، وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ ﵃، وَهُمْ مَعَهُ مُتَّكِئُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُول: إِنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَمَكُوا فِي الْخَمْرِ وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ فِيهِ فَقَال عُمَرُ ﵁، هُمْ هَؤُلاَءِ عِنْدَكَ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَال عَلِيٌّ ﵁: نَرَاهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ، قَال. فَقَال: عُمَرُ ﵁ أَبْلِغْ صَاحِبَكَ مَا قَال، قَال: فَجَلَدَ خَالِدٌ ﵁ ثَمَانِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ﵁ ثَمَانِينَ. قَال: وَكَانَ عُمَرُ ﵁ إِذَا أُتِيَ بِالرَّجُل الضَّعِيفِ الَّذِي كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ ضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣١ - ط الحلبي)، من حديث أنس بن مالك.
قَال: وَجَلَدَ عُثْمَانُ ﵁ أَيْضًا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً فِي الْحُرِّ، وَعِشْرُونَ فِي غَيْرِهِ. لِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. كَانَ النَّبِيُّ ﷺ: يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَال أَرْبَعِينَ (٢) . وَلَوْ رَأَى الإِْمَامُ بُلُوغَهُ فِي الْحُرِّ ثَمَانِينَ جَازَ فِي الأَْصَحِّ، وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ، وَقِيل: حَدٌّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ (٣)، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَيْ جَلْدُ أَرْبَعِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٤) .
الْجَلْدُ فِي التَّعْزِيرِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ، وَنَائِبِهِ
_________
(١) أثر ابن وبرة الكلبي قال: " أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر. . . " أخرجه البيهقي (٨ / ٣٢٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) . وقال ابن حجر في التلخيص (٤ / ٧٥ - ط شركة الطباعة الفنية) " وفي صحته نظر، لما ثبت في الصحيحين عن أنس. . . " ثم ذكر حديث أنس السابق.
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣١ - ط الحلبي) من حديث أنس.
(٣) حديث: " جلد النبي ﷺ أربعين. . . . " الحديث أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣٢ - ط الحلبي) .
(٤) الجمل ٥ / ١٦٠، وروضة الطالبين ١٠ / ١٧٠، ومغني المحتاج ٤ / ١٨٩، والمغني ٨ / ٣٠٧.
التَّعْزِيرَ بِالْجَلْدِ إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً (١) .
وَالتَّعْزِيرُ: كُل عُقُوبَةٍ لَيْسَ لَهَا فِي الشَّرْعِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ، فَيُتْرَكُ لِلإِْمَامِ تَحْدِيدُ نَوْعِهَا وَتَقْدِيرُ عَدَدِهَا. فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ بِالْحَبْسِ، أَوْ بِالْجَلْدِ أَوْ غَيْرِهِمَا، لِخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ قَال فِي سَرِقَةِ تَمْرٍ دُونَ نِصَابٍ: غُرْمُ مِثْلِهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ (٢) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَل لِجَلَدَاتِ التَّعْزِيرِ حَدٌّ أَدْنَى لاَ يَنْزِل عَنْهُ الإِْمَامُ فِي اجْتِهَادِهِ، وَحَدٌّ أَعْلَى لاَ يَتَجَاوَزُهُ؟
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ أَدْنَى (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَقَل التَّعْزِيرِ بِالْجَلْدِ: ثَلاَثُ جَلَدَاتٍ. نَقَل ذَلِكَ صَاحِبُ رَدِّ الْمُحْتَارِ عَنِ الْقُدُورِيِّ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَابِدِينَ: وَاخْتَارَ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِعَدَدٍ (٤) .
وَأَمَّا الْحَدُّ الأَْعْلَى: فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إِلَى
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٧٧، ونهاية المحتاج ٨ / ١٩ - ٢٢، والمغني ٨ / ٣٢٤، والزرقاني ٨ / ١١٥.
(٢) حديث: " غرم مثله وجلدات نكال " ورد في نهاية المحتاج (٨ / ١٩ طبعة مصطفى البابي الحلبي) ولم يوجد فيما بين أيدينا من كتب السنة.
(٣) المغني ٨ / ٣٢٤، والزرقاني ٨ / ١١٥، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٢.
(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٧٧ - ١٧٨.
أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ بِهِ أَقَل حَدٍّ مَشْرُوعٍ، مَعَ اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل.
وَقَال أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لاَ يَزِيدُ جَلْدُ التَّعْزِيرِ عَنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ لاَ يَزِيدُ عَنْ تِسْعٍ وَثَلاَثِينَ فِي تَعْزِيرِ الْعَبْدِ، وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ فِي الْحُرِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ تَزِيدَ عَنْ مِائَةِ جَلْدَةٍ (١) .
وَالتَّفْصِيل وَالأَْدِلَّةُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْزِيرٌ) .
كَيْفِيَّةُ الْجَلْدِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُجْلَدُ الصَّحِيحُ الْقَوِيُّ فِي الْحُدُودِ، بِسَوْطٍ مُعْتَدِلٍ، لَيْسَ رَطْبًا، وَلاَ شَدِيدَ الْيُبُوسَةِ، وَلاَ خَفِيفًا لاَ يُؤْلِمُ، وَلاَ غَلِيظًا يَجْرَحُ. وَلاَ يَرْفَعُ الضَّارِبُ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِحَيْثُ يَبْدُو بَيَاضُ إِبِطِهِ، وَيَتَّقِي الْمَقَاتِل، وَيُفَرِّقُ الْجَلَدَاتِ عَلَى بَدَنِهِ (٢) .
الأَْعْضَاءُ الَّتِي لاَ تُجْلَدُ:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْمَذَاكِيرِ وَالْمَقَاتِل، لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا
_________
(١) المصادر السابقة، والزرقاني ٨ / ١١٦.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٤٧ - ١٧٨، والزرقاني ٨ / ١١٤، وروضة الطالبين ١٠ / ١٧٢، والمغني ٨ / ٣١٣ - ٣١٥.
ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ (١) . وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال لِلْجَلاَّدِ: " أَعْطِ كُل عُضْوٍ حَقَّهُ وَاتَّقِ الْوَجْهَ وَالْمَذَاكِيرَ.
ثُمَّ إِنَّ الْوَجْهَ أَشْرَفُ أَعْضَاءِ الإِْنْسَانِ وَمَعْدِنُ جَمَالِهِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَجَنُّبِهِ خَوْفًا مِنْ تَجْرِيحِهِ وَتَقْبِيحِهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ ضَرْبِ الْمَقَاتِل فَلأَِنَّ فِي ضَرْبِهَا خَطَرًا؛ وَلأَِنَّهَا مَوَاضِعُ يُسْرِعُ الْقَتْل إِلَى صَاحِبِهَا بِالضَّرْبِ عَلَيْهَا، وَالْقَصْدُ مِنَ الْحَدِّ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ لاَ الْقَتْل (٢) .
وَقَدْ أَلْحَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الرَّأْسَ بِالْوَجْهِ بِالْمَعْنَى، وَاعْتَبَرُوهُ مِنَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فِي الضَّرْبِ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ، وَبِعَدَمِ ضَرْبِهِ جَزَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَالْبُوطِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ.
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الرَّأْسَ لاَ يُسْتَثْنَى مِنَ الضَّرْبِ؛ لأَِنَّهُ مُعَظَّمٌ (أَيْ يُحْوَى بِالْعَظْمِ) وَمَسْتُورٌ بِالشَّعْرِ فَلاَ يُخَافُ تَشْوِيهُهُ، بِخِلاَفِ الْوَجْهِ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ فَقَال لِلْجَلاَّدِ: " اضْرِبِ الرَّأْسَ فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَانًا (٣) .
_________
(١) حديث: " إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ". أخرجه أحمد (٢ / ٢٤٤ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة. وهو في البخاري (الفتح ٥ / ١٨٢ - ط السلفية) بلفظ: " إذا قاتل ".
(٢) فتح القدير ٤ / ١٢٦ - ١٢٧، وتبين الحقائق ٣ / ١٩٨، والدسوقي ٤ / ٣٥٤، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٠، والمغني ٨ / ٣١٧، وعون المعبود ١٢ / ٢٠٠.
(٣) فتح القدير ٤ / ١٢٧، والدسوقي ٤ / ٣٥٤، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٠، ونهاية المحتاج ٨ / ١٥، وروضة الطالبين ١٠ / ١٧٢، والمغني ٨ / ٣١٧.
وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا (أَيْ مَنْعَ ضَرْبِ الْوَجْهِ) لَيْسَ مُرَادًا عَلَى الإِْطْلاَقِ لأَِنَّا نَقْطَعُ أَنَّهُ فِي حَال قِيَامِ الْحَرْبِ مَعَ الْكُفَّارِ لَوْ تَوَجَّهَ لأَِحَدٍ ضَرْبُ وَجْهِ مَنْ يُبَارِزُهُ وَهُوَ فِي مُقَابَلَتِهِ حَال الْحَمَلَةِ لاَ يَكُفُّ عَنْهُ، إِذْ قَدْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَقْتُلُهُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ إِلاَّ مَنْ يُضْرَبُ صَبْرًا فِي حَدٍّ (١) .
وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِاتِّقَاءِ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ أَيْضًا (٢) .
وَلاَ يُلْقَى الْمَجْلُودُ عَلَى وَجْهِهِ، وَلاَ يُمَدُّ، وَلاَ يُجَرَّدُ عَنِ الثِّيَابِ، وَلاَ يُتْرَكُ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ الأَْلَمَ مِنْ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ وَفَرْوَةٍ، وَيُجْلَدُ الرَّجُل قَائِمًا، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً عِنْدَ الأَْئِمَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُجَرَّدُ مِنَ الثِّيَابِ، وَيُجْلَدُ قَاعِدًا (٤) .
تَأْخِيرُ الْجَلْدِ لِعُذْرٍ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُؤَخَّرُ الْجَلْدُ، لِلْبَرْدِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدَيْنِ وَلِلْحَمْل، وَالْمَرَضِ الَّذِي يُرْجَى
_________
(١) فتح القدير ٤ / ١٢٧.
(٢) فتح القدير ٤ / ١٢٧، والإقناع ٤ / ٢٤٦.
(٣) ابن عابدين ٣ / ١٤٧، والزرقاني ٨ / ١١٤، والروضة ١٠ / ١٧٢، والمغني ٨ / ٣١٣ - ٣١٥.
(٤) الزرقاني ٨ / ١١٤.
بُرْؤُهُ، حَتَّى يَعْتَدِل الْجَوُّ، وَيَبْرَأَ الْمَرِيضُ، وَتَضَعَ الْحَامِل وَيَنْقَطِعَ نِفَاسُهَا. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ كَانَ الْمَجْلُودُ ضَعِيفًا بِالْخِلْقَةِ لاَ يَحْتَمِل السِّيَاطَ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ (١) .
وَانْظُرْ بَحْثَ: (حَامِلٌ) .
الْقِصَاصُ جَلْدًا:
١٤ - اخْتُلِفَ فِي الْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ إِنْ لَمْ تُحْدِثْ جُرْحًا أَوْ شَقًّا، أَوْ لَمْ تُذْهِبْ مَنْفَعَةَ عُضْوٍ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الاِنْضِبَاطِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (قِصَاصٌ) .
أَمَّا إِنْ أَحْدَثَتْ جُرْحًا أَوْ شَقًّا أَوْ ذَهَبَ بِهَا مَنْفَعَةُ عُضْوٍ فَفِيهَا قِصَاصٌ (٢) .
أَمَّا الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ (٣) .
وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ إِلاَّ إِنْ أَحْدَثَ جِرَاحَةً، وَنَحْوَهَا.
فَقَدْ جَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ الْجِنَايَاتُ فِيمَا
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ١٣٣ - ١٣٤، والمغني ٨ / ١٧٢ - ١٧٣، ابن عابدين ٣ / ١٤٨، والزرقاني ٨ / ٨٤.
(٢) الزرقاني ٨ / ١٥ - ١٧، بدائع الصنائع ٧ / ٢٩٩، ابن عابدين ٥ / ٣٧٤، روضة الطالبين ٩ / ١٧٨ - ١٨٧، كشاف القناع ٥ / ٥٤٨.
(٣) الزرقاني ٨ / ١٥.
دُونَ النَّفْسِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ: جُرْحٌ يَشُقُّ، وَقَطْعٌ يُبِينُ، وَإِزَالَةُ مَنْفَعَةٍ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي " قِصَاصٌ ".
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ١٧٩، أسنى المطالب ٤ / ٢٣، والبدائع ٧ / ٢٩٦.
جِلْدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجِلْدُ فِي اللُّغَةِ: ظَاهِرُ الْبَشَرَةِ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْجِلْدُ غِشَاءُ جَسَدِ الْحَيَوَانِ، وَالْجَمْعُ جُلُودٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (١) . وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى أَجْلاَدٍ. وَيُطْلَقُ عَلَى الْجِلْدِ أَيْضًا (الْمَسْكُ)
وَسُمِّيَ الْجِلْدُ جِلْدًا لأَِنَّهُ أَصْلَبُ مِنَ اللَّحْمِ، مِنَ الْجَلَدِ وَهُوَ صَلاَبَةُ الْبَدَنِ (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْدِيمُ:
٢ - الأَْدِيمُ: الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ، أَوِ الْجِلْدُ مَا كَانَ، أَوْ أَحْمَرُهُ.
وَالأَْدَمَةُ: بَاطِنُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تَلِي اللَّحْمَ
_________
(١) سورة النساء / ٥٦.
(٢) المصباح المنير، والقاموس المحيط، وتاج العروس في المادة، والمفردات في غريب القرآن ص ٩٥ - ٩٦، والفروق في اللغة ص ٧٨.