الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
جِعْرَانَةُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجِعْرَانَةُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الأَْفْصَحِ. (قَال فِي الْقَامُوسِ: وَقَدْ تُكْسَرُ الْعَيْنُ وَتُشَدَّدُ الرَّاءُ وَقَال الشَّافِعِيُّ: التَّشْدِيدُ خَطَأٌ) . مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْكُنُهَا، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِالْجِعْرَانَةِ. وَهِيَ تَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ سِتَّةَ فَرَاسِخَ (أَيْ ١٨ مِيلًا) وَتَبْعُدُ عَنْ حُدُودِ الْحَرَمِ تِسْعَةَ أَمْيَالٍ، وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ حُدُودِ الْحَرَمِ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ يَتَكَلَّمُونَ عَنْهَا كَمِيقَاتٍ مِنْ مَوَاقِيتِ الْعُمْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِالْحَرَمِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّنْعِيمُ:
٢ - التَّنْعِيمُ فِي اللُّغَةِ مِنْ نَعَّمَهُ اللَّهُ تَنْعِيمًا، أَيْ جَعَلَهُ ذَا رَفَاهِيَةٍ، وَبِلَفْظِ الْمَصْدَرِ وَهُوَ التَّنْعِيمُ:
_________
(١) المصباح المنير، ومتن اللغة، والقاموس، ولسان العرب المحيط، والمغرب للمطرزي مادة: " جعر "، والقليوبي ٢ / ٩٥، وكشاف القناع ٢ / ٥١٩، وشفاء الغرام ١ / ٢٩١.
مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ مَسْجِدُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ عَنْ يَمِينِهِ جَبَلٌ يُقَال لَهُ: نُعَيْمٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ جَبَلٌ يُقَال لَهُ نَاعِمٌ، وَمَحَلُّهُ فِي وَادٍ يُقَال لَهُ نُعْمَانُ. وَهُوَ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِل إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ، وَقِيل ثَلاَثَةٌ (١) .
فَالتَّنْعِيمُ أَيْضًا مِنْ مَوَاقِيتِ الْعُمْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِالْحَرَمِ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى مَكَّةَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ.
ب - الْحُدَيْبِيَةُ:
٣ - الْحُدَيْبِيَةُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ بِئْرٌ قُرْبَ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ جُدَّةَ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَهِيَ أَبْعَدُ أَطْرَافِ الْحَرَمِ عَنِ الْبَيْتِ، نَقَل الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الْوَاقِدِيِّ: أَنَّهَا عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَسْجِدِ
وَالْحُدَيْبِيَةُ أَيْضًا مِنْ مَوَاقِيتِ الْعُمْرَةِ إِلاَّ أَنَّهَا أَبْعَدُ مِنَ التَّنْعِيمِ وَمِنَ الْجِعْرَانَةِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمِيقَاتَ الْوَاجِبَ فِي
_________
(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب للمطرزي، ومتن اللغة، ولسان العرب المحيط مادة: " نعم "، والقليوبي ٢ / ٩٥ ط دار إحياء الكتب العربية، وحاشية الجمل ٢ / ٣٩٨ ط إحياء التراث العربي.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والمغرب للمطرزي، ومتن اللغة مادة: " حدب "، والقليوبي ٢ / ٩٥، وحاشية الجمل ٢ / ٣٩٨.
الْعُمْرَةِ لِمَنْ فِي الْحَرَمِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِل وَلَوْ خُطْوَةً مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الأَْفْضَل: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل صَاحِبِ " التَّنْبِيهِ " مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَل مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ (٢) .
لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنْ يَعْتَمِرَ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ (٣) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ أَفْضَل الْبِقَاعِ مِنْ أَطْرَافِ الْحِل لإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، الْجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ (٤) .
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار ط دار المعرفة ١ / ١٤٢، وبدائع الصنائع ١ / ١٦٧ ط دار الكتاب العربي، والقوانين الفقهية / ١٣٥، والقليوبي ٢ / ٩٥، وروضة الطالبين ٣ / ٤٤، وكشاف القناع ٢ / ٥١٩، والمغني ٣ / ٢٥٨، ٢٥٩.
(٢) الاختيار لتعليل المختار ١ / ١٤٢، وبدائع الصنائع ١ / ١٦٧، وروضة الطالبين ٣ / ٤٣، ٤٤، وكشاف القناع ٢ / ٥١٩، ٤٠١.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن أخا عائشة ﵄ أن يعتمر بها من التنعيم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٦٠٦ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٧٠ ط عيسى الحلبي) .
(٤) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٢ ط دار الفكر، ومواهب الجليل ٣ / ٢٨، والقليوبي ٢ / ٩٥، وحاشية الجمل ٢ / ٣٩٨، وروضة الطالبين ط المكتب الإسلام ٣ / ٤٣، ٤٤، وكشاف القناع ٢ / ٤٠١ ط عالم الكتب.
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّ الْجِعْرَانَةَ وَالتَّنْعِيمَ مُتَسَاوِيَانِ، وَلاَ أَفْضَلِيَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآْخَرِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ " إِحْرَامٌ ".
جُعْلٌ
انْظُرْ: جِعَالَةٌ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٢، والقوانين الفقهية / ١٣٥.
جَلْدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَلْدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي اللُّغَةِ: الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ وَهُوَ مَصْدَرُ جَلَدَهُ يَجْلِدُهُ
يُقَال: رَجُلٌ مَجْلُودٌ وَجَلِيدٌ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَامْرَأَةٌ مَجْلُودَةٌ وَجَلِيدٌ وَجَلِيدَةٌ (وَيُطْلَقُ الْجَلْدُ مَجَازًا عَلَى الإِْكْرَاهِ عَلَى الشَّيْءِ فَيُقَال: جَلَدَهُ عَلَى الأَْمْرِ: أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ) (١)
وَالْجَلْدُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الضَّرْبُ:
٢ - الضَّرْبُ أَعَمُّ مِنَ الْجَلْدِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بِالسَّوْطِ وَبِغَيْرِهِ.
ب - الرَّجْمُ:
٣ - الرَّجْمُ هُوَ الضَّرْبُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى الْمَوْتِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجَلْدِ بِاخْتِلاَفِ السَّبَبِ،
_________
(١) تاج العروس، مادة: " جلد ".
فَيَحْرُمُ جَلْدُ إِنْسَانٍ ظُلْمًا، أَيْ فِي غَيْرِ حَقٍّ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي.
جَلْدُ مَنِ ارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ الْعِقَابَ بِالْجَلْدِ، وَاجِبٌ عَلَى الإِْمَامِ، إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ: كَالزَّانِي الْبِكْرِ، وَالتَّأْدِيبُ بِالْجَلْدِ جَائِزٌ لِلإِْمَامِ وَنَائِبِهِ إِذَا رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً.
ثُبُوتُ الْجَلْدِ:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجَلْدَ حَدًّا يَجِبُ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ إِحْدَى جَرَائِمَ ثَلاَثٍ وَهِيَ: الزِّنَا وَالْقَذْفُ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ الْجَلْدُ فِي الأُْولَيَيْنِ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، قَال تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) .
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: فَقَال الْخَصْمُ الآْخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: قُل، قَال: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْل الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي: أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ
_________
(١) سورة النور / ٢ - ٤.
وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. . إِلَخْ (١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: قَالَتْ: لَمَّا نَزَل عُذْرِي قَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلاَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا نَزَل، أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ (٢) .
أَمَّا حَدُّ شُرْبِ الْمُسْكِرِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ: فَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ قَال: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (٣) .
الْجَلْدُ فِي حَدِّ الزِّنَا:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ حَدَّ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ الزَّانِي الْبِكْرِ - وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْ فِي نِكَاحٍ
_________
(١) حديث: " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٢٣ - ٣٢٤ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٢٥ - ط الحلبي) .
(٢) حديث عائشة: " لما نزل عذري. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٣٣٦ - ط الحلبي) . وقال: " حديث حسن غريب ".
(٣) حديث أنس: أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣١ - ط الحلبي) والبيهقي في الخلافيات كما في فتح الباري (١٢ / ٦٤ - ط السلفية) واللفظ للبيهقي.
صَحِيحٍ - مِائَةُ جَلْدَةٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، سَوَاءٌ أَزَنَى - بِبِكْرٍ أَمْ ثَيِّبٍ. لِلآْيَةِ السَّابِقَةِ.
وَحَدَّ غَيْرِ الْحُرِّ: نِصْفُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُحْصَنًا أَمْ غَيْرَ مُحْصَنٍ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) .
وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ: الْحَرَائِرُ، وَحَدُّ الْحُرَّةِ إِمَّا الرَّجْمُ أَوِ الْجَلْدُ، وَالرَّجْمُ لاَ يَتَنَصَّفُ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ حَدَّ غَيْرِ الْحُرَّةِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ الْبِكْرِ: وَهُوَ خَمْسُونَ جَلْدَةً، وَقِيسَ عَلَيْهَا الذَّكَرُ غَيْرُ الْحُرِّ؛ لأَِنَّ الأُْنُوثَةَ وَصْفٌ أَلْغَاهُ الشَّارِعُ فِي الْحُدُودِ، وَنَحْوِهَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُْنْثَى (٣) .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَلْدِ الْمُحْصَنِ مَعَ الرَّجْمِ - وَهُوَ الْبَالِغُ الْحُرُّ الَّذِي جَامَعَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ فِي حَدِّهِ (٤) .
وَقَالُوا: إِنَّ الآْيَةَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥) عَامَّةٌ؛ لأَِنَّ الأَْلِفَ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٦، روض الطالب ٤ / ١٢٩، وشرح الزرقاني ٨ / ٨٣، فتح القدير ٤ / ١٣٤، وكشاف القناع ٦ / ٩١.
(٢) سورة النساء / ٢٥.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) رد المحتار على الدر المختار ٣ / ١٤٧، روض الطالب ٤ / ١٢٨، وكشاف القناع ٦ / ٩٠، وشرح الزرقاني ٨ / ٨٢، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٢٦.
(٥) سورة النور / ٢.
وَاللاَّمَ فِيهَا لِلْجِنْسِ، فَتَشْمَل الْمُحْصَنَ، وَغَيْرَ الْمُحْصَنِ، إِلاَّ أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَخْرَجَتِ الْمُحْصَنَ (١) .
قَال الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: " يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: حَدُّ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي الْبَالِغِ الْحُرِّ الْبِكْرِ: مِائَةُ جَلْدَةٍ.
وَرَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَامِدِيَّةَ، وَمَاعِزًا، وَالْيَهُودِيَّيْنِ (٢)، وَلَمْ يَجْلِدْهُمْ، وَلَوْ جَلَدَهُمْ مَعَ الرَّجْمِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ حَضَرَ عَذَابَهُمَا مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ لَنُقِل إِلَيْنَا، وَيَبْعُدُ أَلاَّ يَرْوِيَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَ. فَعَدَمُ إِثْبَاتِهِ فِي رِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ مَعَ تَنَوُّعِهَا وَاخْتِلاَفِ أَلْفَاظِهَا: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْجَلْدُ.
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ: الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (٣) بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، بِأَحَادِيثِ الْغَامِدِيَّةِ، وَمَاعِزٍ، وَالْيَهُودِيَّيْنِ.
_________
(١) حاشية الجمل على تفسير الجلالين في تفسير سورة النور.
(٢) حديث رجم الغامدية أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢٢ - ط الحلبي) وحديث رجم ماعز. أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٣٥ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣١٦ - ط الحلبي) . وحديث: " رجم اليهوديين. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٦٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٢٦ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " الثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٦ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت.
وَنُقِل عَنِ الشَّافِعِيِّ: دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ عَلَى الْبِكْرِ، سَاقِطٌ عَنِ الثَّيِّبِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَال: إِذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِمَا الْقَتْل، أَحَاطَ الْقَتْل بِذَلِكَ (١) .
٧ - وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ تَقُول: إِنَّ مَا أَوْجَبَ أَعْظَمَ الأَْمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِ لاَ يُوجِبُ أَهْوَنَهُمَا بِعُمُومِهِ. فَزِنَا الْمُحْصَنِ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الأَْمْرَيْنِ - وَهُوَ الرَّجْمُ - بِخُصُوصِ كَوْنِهِ " زِنَا مُحْصَنٍ " فَلاَ يُوجِبُ أَهْوَنَهُمَا - وَهُوَ الْجَلْدُ - بِعُمُومِ كَوْنِهِ زِنًا (٢) .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ يُجْلَدُ قَبْل الرَّجْمِ، ثُمَّ يُرْجَمُ، وَهُوَ قَوْل عَلِيٍّ ﵁ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَبِهِ قَال: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣) وَهَذَا عَامٌّ: يَشْمَل الْمُحْصَنَ وَغَيْرَ الْمُحْصَنِ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِالرَّجْمِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ، وَالتَّغْرِيبِ فِي حَقِّ الْبِكْرِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ عَلِيٌّ ﵁ بِقَوْلِهِ جَلَدْتُهَا
_________
(١) سبل السلام ٤ / ٤ - ٦ والمغني ٨ / ١٦٠.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٤٩، دار الكتب العلمية بيروت.
(٣) سورة النور / ٢.