الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
الضَّالَّةِ الْمَرْدُودَةِ مَثَلًا، فَقَال الْجَاعِل: شَرَطْتُ الْجُعْل فِي رَدِّ غَيْرِهَا، وَقَال الْعَامِل: بَل شَرَطْتُهُ فِي رَدِّهَا، فَالْقَوْل قَوْل الْجَاعِل، لأَِنَّ الْعَامِل يَدَّعِي عَلَيْهِ شَرْطَ الْجُعْل فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَالْجَاعِل يُنْكِرُهُ، وَالأَْصْل عَدَمُ الشَّرْطِ فَكَانَ الْقَوْل فِيهِ قَوْلَهُ.
اخْتِلاَفُ الْعَامِل وَالْمُشَارِكِ لَهُ:
٦٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الْعَامِل وَالْمُشَارِكُ لَهُ فِي الْعَمَل، فَقَال الْعَامِل لِلْمُشَارِكِ: لَقَدْ قَصَدْتُ أَنْ تُعَاوِنَنِي بِعَمَلِكَ مَعِي، فَيَكُونُ كُل الْجُعْل لِي، وَقَال الْمُشَارِكُ: بَل قَصَدْتُ أَنْ أَعْمَل لِنَفْسِي وَيَكُونُ لِي نَصِيبِي مِنَ الْجُعْل، فَالْقَوْل قَوْل الْعَامِل إِنْ صَدَّقَهُ الْجَاعِل، وَيَكُونُ لَهُ كُل الْجُعْل، فَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَفَ الْجَاعِل، وَلَزِمَهُ نِصْفُ الْجُعْل لِلْعَامِل، وَلاَ شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِحَالٍ عَلَى مَا سَبَقَ (١) .
وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
_________
(١) حاشية البجيرمي على شرح المنهج ٣ / ٢٢٢، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ٤٤١، ٤٤٣، وتحفة المحتاج ٢ / ٣٧٠، والأنوار ١ / ٤١٩، والمهذب ١ / ٤١٢، ومغني المحتاج ٢ / ٩٥، ٤٣٤، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج ٣ / ١٣٤، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧ / ٧١، ٧٤، ٧٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٦، ٦٧، والمغني ٦ / ٣٥٤، ٣٥٥، وكشاف القناع ٢ / ٤١٩.
انْحِلاَل عَقْدِ الْجِعَالَةِ:
أَوَّلًا - فَسْخُهُ وَأَسْبَابُهُ:
٦٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْجَاعِل وَالْعَامِل أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْجِعَالَةِ قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، وَكَذَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل قَبْل تَمَامِهِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل عَلَى مَا سَبَقَ.
وَصُورَةُ الْفَسْخِ مِنَ الْجَاعِل أَنْ يَقُول: فَسَخْتُ الْعَقْدَ، أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ، أَوْ رَجَعْتُ فِيهِ، أَوْ أَبْطَلْتُ إِعْلاَنِي، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَصُورَتُهُ مِنَ الْعَامِل أَنْ يَقُول: فَسَخْتُ الْعَقْدَ، أَوْ رَدَدْتُهُ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ، وَالْمُرَادُ بِفَسْخِ الْعَامِل رَدُّ الْعَقْدِ، لِمَا سَبَقَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَفْظًا، فَيُؤَوَّل الْفَسْخُ فِي حَقِّهِ إِلَى هَذَا.
وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل مِنَ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ مِنْهُ إِلاَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا فَهُوَ تَعْلِيقٌ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِالْعَمَل، فَلَوْ قَال شَخْصٌ رَدًّا عَلَى ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْمَل شَيْئًا: فَسَخْتُ الْجِعَالَةَ، لَغَا قَوْلُهُ، إِذْ لاَ عَقْدَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُفْسَخَ.
وَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل فَلاَ أَثَرَ لِلْفَسْخِ حِينَئِذٍ؛ لأَِنَّ الْجُعْل قَدْ لَزِمَ الْجَاعِل، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلاَ يُرْفَعُ.
وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِل سَوَاءٌ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل أَمْ بَعْدَهُ، وَالْجَاعِل
قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ.
وَأَمَّا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل فَلَيْسَ لِلْجَاعِل أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْجِعَالَةِ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَمَل الَّذِي شَرَعَ فِيهِ الْعَامِل قَلِيلًا لاَ أَهَمِّيَّةَ وَلاَ قِيمَةَ لَهُ، لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل عَلَى مَا سَبَقَ (١) .
ثَانِيًا - انْفِسَاخُهُ وَأَسْبَابُهُ:
٦٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: تَنْفَسِخُ الْجِعَالَةُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا وَإِغْمَائِهِ.
وَالرَّاجِحُ أَنَّ الاِنْفِسَاخَ بِالْجُنُونِ يَخْتَصُّ بِالْعَامِل الْمُعَيَّنِ، لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ بِالْعَامِل غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي عَلِمَ بِإِعْلاَنِ الْجَاعِل، فَلَوْ طَرَأَ لأَِحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جُنُونٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَكَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ أَتَمَّ الْعَمَل، وَسَلَّمَهُ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ مِنْ جُنُونِهِ أَوْ قَبْلَهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، إِذْ لاَ مَعْنَى لاِنْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِحَنُونِهِ مَعَ عَدَمِ ارْتِبَاطِهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِهِ.
وَالرَّاجِحُ مِنَ الأَْقْوَال عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهَا لاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِلاَّ قَبْل شُرُوعِ
_________
(١) تحفة المحتاج ٢ / ٣٦٩، ٣٧٠، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٧٢، وأسنى المطالب ٢ / ٤٤٣، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣٣، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج ٣ / ١٣٣، والحطاب والتاج والإكليل ٥ / ٤٥٥، والمقدمات ٢ / ٣٠٧، ٣٠٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٨، وكشاف القناع ٢ / ٤١٩.
الْعَامِل فِي الْعَمَل، أَمَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل فَلاَ تَنْفَسِخُ بِهِ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ وَرَثَةَ كُلٍّ مِنَ الْجَاعِل وَالْعَامِل، فَلاَ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْجَاعِل أَنْ يَمْنَعُوا الْعَامِل مِنَ الْعَمَل، وَلاَ يَكُونُ لِلْجَاعِل - إِنْ مَاتَ الْعَامِل - أَنْ يَمْنَعَ وَرَثَتَهُ مِنَ الْعَمَل إِنْ كَانُوا أُمَنَاءَ.
وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
ثَالِثًا - النَّتَائِجُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى فَسْخِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ:
قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل:
٦٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ الَّذِي سَبَقَ قَبُولُهُ لِعَقْدِ الْجِعَالَةِ إِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل، لأَِنَّهُ لَمْ يَعْمَل شَيْئًا وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ فَسَخَ الْجَاعِل الْعَقْدَ، وَعَلِمَ بِفَسْخِهِ الْعَامِل الْمُعَيَّنُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، أَوْ أَعْلَنَ الْجَاعِل فَسْخَ الْعَقْدِ وَأَشَاعَهُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجِعَالَةِ عَدَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ لِلْحَنَابِلَةِ فِي رَدِّ الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِيمَنِ اعْتَادَ أَدَاءَ مِثْل ذَلِكَ الْعَمَل بِعِوَضٍ.
بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل:
٦٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ فَسَخَ الْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - عَقْدَ الْجِعَالَةِ بَعْدَ
شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل فَلاَ شَيْءَ لَهُ؛ لأَِنَّ الْجُعْل إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ لِلْعَامِل بِتَمَامِ الْعَمَل، وَقَدْ فَوَّتَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يَحْصُل لِلْجَاعِل مَا أَرَادَهُ مِنَ الْعَقْدِ، وَسَوَاءٌ أَوَقَعَ الْبَعْضُ الَّذِي عَمِلَهُ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل كَبَعْضِ حَائِطٍ بَنَاهُ الْعَامِل - أَمْ لَمْ يَقَعْ مُسَلَّمًا لَهُ كَتَفْتِيشِ الْعَامِل عَلَى الْمَال الضَّائِعِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى رَدِّهِ.
وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْمَالِكِيَّةُ، فِيمَا عَدَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْجِعَالَةِ عِنْدَهُمْ فِي كُل عَمَلٍ يَكُونُ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ قَبْل تَمَامِهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا لَوْ زَادَ الْجَاعِل فِي الْعَمَل وَلَمْ يَرْضَ الْعَامِل بِالزِّيَادَةِ فَفَسَخَ لِذَلِكَ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
٧٠ - أَمَّا إِنْ فَسَخَ الْجَاعِل الْعَقْدَ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ - لِلْعَامِل فِيمَا عَمِل - أُجْرَةُ الْمِثْل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ عَدَمَ لُزُومِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْجَاعِل حَقُّ فَسْخِهِ، وَإِذَا فُسِخَ لَمْ يَجِبِ الْمُسَمَّى كَسَائِرِ الْفُسُوخِ، إِلاَّ أَنَّ عَمَل الْعَامِل وَقَعَ مُقَوَّمًا فَلاَ يَضِيعُ عَلَيْهِ بِفَسْخِ غَيْرِهِ، فَيَرْجِعُ إِلَى بَدَلِهِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْل، وَلاَ يَجُوزُ لِلْعَامِل أَنْ يُطَالِبَ بِنِسْبَةِ مَا عَمِل مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ؛ لاِرْتِفَاعِ الْعَقْدِ بِالْفَسْخِ؛ وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْل الْمُسَمَّى بِالْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَل فَكَذَا بَعْضُهُ.
وَلاَ فَرْقَ فِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْمِثْل بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا صَدَرَ مِنَ الْعَامِل لاَ يَحْصُل بِهِ مَقْصُودُ الْجَاعِل أَصْلًا كَرَدِّ الضَّالَّةِ إِلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْ يَحْصُل بِهِ بَعْضُ مَقْصُودِهِ، كَمَا لَوْ قَال الْجَاعِل: إِنْ عَلَّمْتَ ابْنِي الْقُرْآنَ فَلَكَ كَذَا، فَعَلَّمَهُ بَعْضَهُ ثُمَّ مَنَعَهُ الْجَاعِل مِنْ تَعْلِيمِهِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِلْجَاعِل أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، فَإِنْ فَسَخَهُ فَلاَ أَثَرَ لِفَسْخِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَزِمٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ حِينَئِذٍ، فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - الْجُعْل الْمُسَمَّى بِشَرِيطَةِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل.
وَلَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ الْعَامِل وَالْجَاعِل مَعًا فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل لِشَيْءٍ مِنَ الأُْجْرَةِ أَوِ الْجُعْل الْمُسَمَّى لاِجْتِمَاعِ الْمُقْتَضِي لِلاِسْتِحْقَاقِ وَهُوَ فَسْخُ الْجَاعِل، وَالْمَانِعِ مِنْهُ وَهُوَ فَسْخُ الْعَامِل، فَيَرْجِعُ الْمَانِعُ (١) .
وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الأَْخِيرَةِ.
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ بِعِتْقِ الْعَبْدِ الآْبِقِ:
٧١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَعْتَقَ الْجَاعِل عَبْدَهُ
_________
(١) تحفة المحتاج ٢ / ٣٦٩، ٣٧٠، وأسنى المطالب ٢ / ٤٤٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٨، ٣٤٩، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣٣، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج ٣ / ١٣٣، والخرشي ٧ / ٧٦، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٢٥٧، والمقدمات ٢ / ٣٠٧، وكشاف القناع ٢ / ٤١٩.
الآْبِقَ قَبْل رَدِّ الْعَامِل لَهُ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ لِلْعَامِل أُجْرَةَ الْمِثْل تَنْزِيلًا لإِعْتَاقِهِ مَنْزِلَةَ فَسْخِهِ.
وَقَال ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ قَبْل أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ الْعَامِل، فَلاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَرَدَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ بِعِتْقِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. أَمَّا إِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ الْعَامِل فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل الْجُعْل الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ إِنْ كَانَ، أَوْ جُعْل مِثْلِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اشْتِرَاطٌ وَكَانَ الْعَامِل مُعْتَادًا لِذَلِكَ الْعَمَل بِعِوَضٍ. فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ أَوِ الْجَاعِل فَقِيرًا فَالْجُعْل فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لأَِنَّهُ بِعُثُورِهِ عَلَيْهِ وَجَبَ لَهُ الْجُعْل.
وَالرَّاجِحُ أَنَّ هِبَةَ الْعَبْدِ الآْبِقِ كَعِتْقِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ النَّفَقَةَ الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَى الآْبِقِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ الْعَتِيقَ لاَ يُسَمَّى آبِقًا.
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى انْفِسَاخِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ:
٧٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ مَاتَ الْجَاعِل بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل، فَإِنْ مَضَى الْعَامِل فِي الْعَمَل وَأَتَمَّهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى وَرَثَةِ الْجَاعِل، وَجَبَ لَهُ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ فِي حَيَاةِ الْجَاعِل مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ فِيمَا عَمِلَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْجَاعِل؛ لِعَدَمِ الْتِزَامِ الْوَرَثَةِ لَهُ بِشَيْءٍ
وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ الْعَامِل بِمَوْتِ الْجَاعِل أَمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ. وَإِنْ مَاتَ الْعَامِل الْمُعَيَّنُ فَأَتَمَّ وَارِثُهُ الْعَمَل الْمُتَعَاقَدَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجَاعِل اسْتَحَقَّ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَهُ مُورِّثُهُ قَبْل مَوْتِهِ مِنَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ أَيْضًا، أَمَّا إِنْ كَانَ الْعَامِل الْمَيِّتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَأَتَمَّ وَارِثُهُ أَوْ غَيْرُهُ الْعَمَل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِنْفِسَاخِ بِالْمَوْتِ حَيْثُ يَجِبُ لِلْعَامِل مَا ذُكِرَ، وَبَيْنَ الْفَسْخِ حَيْثُ يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل، أَنَّ الْجَاعِل فِي الْمَوْتِ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي إِسْقَاطِ الْجُعْل الْمَشْرُوطِ، وَالْعَامِل تَمَّمَ الْعَمَل بَعْدَ الاِنْفِسَاخِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْجَاعِل مِنْهُ بِخِلاَفِ الْفَسْخِ، وَلأَِنَّ الْفَسْخَ أَقْوَى مِنَ الاِنْفِسَاخِ، لأَِنَّهُ كَإِعْدَامٍ لِلْعَقْدِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ آثَارٍ فَيُرْجَعُ لِبَدَلِهِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْل، أَمَّا الاِنْفِسَاخُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ صَارَ الْعَقْدُ كَأَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ، فَوَجَبَتْ نِسْبَةُ الْعَمَل مِنَ الْجُعْل.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل فِي حَالَةِ مَا إِذَا مَاتَ الْجَاعِل، وَكَذَا وَارِثُ الْعَامِل فِي حَالَةِ مَوْتِ الْعَامِل كُل الْجُعْل الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنَ الأَْقْوَال إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل وَسَلَّمَهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ مَاتَ الْجَاعِل قَبْل تَسَلُّمِهِ الْعَبْدَ الآْبِقَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل جُعْلُهُ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا يَأْخُذُهُ مِنْ تَرِكَةِ سَيِّدِهِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالدُّيُونِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْتُ سَيِّدِ الْعَبْدِ سَبَبًا
فِي عِتْقِهِ، فَإِنْ كَانَ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ (١)، وَأُمِّ الْوَلَدِ (٢) فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل؛ لأَِنَّ الْعَمَل لَمْ يَتِمَّ، إِذِ الْعَتِيقُ لاَ يُسَمَّى آبِقًا.
وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لَهُ فِي غَيْرِ الْعَبْدِ الآْبِقِ مِنَ الأَْمْوَال الْمَرْدُودَةِ إِنْ مَاتَ الْجَاعِل قَبْل تَسَلُّمِهَا، وَتَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ فَقَطْ يَأْخُذُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ (٣) .
حُكْمُ عَمَل الْعَامِل بَعْدَ الْفَسْخِ:
٧٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَمِل الْعَامِل بَعْدَ فَسْخِ الْجَاعِل لِلْعَقْدِ عَالِمًا بِهِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلاَ يُنَافِي هَذَا مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل أُجْرَةَ الْمِثْل، إِنْ غَيَّرَ الْجَاعِل الْعَقْدَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ؛ لأَِنَّ الَّذِي مَعَنَا فِيمَا إِذَا فَسَخَ الْجَاعِل بِلاَ بَدَلٍ بِخِلاَفِ مَا سَبَقَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل
_________
(١) المدبر: هو العبد الذي تعلقت حريته بموت سيده ولتفصيل أحكامه (ر: تدبير) .
(٢) أم الولد: هي الأمة إذا ولدت من سيدها فتعتق بموته، ولتفصيل أحكامها (ر: استيلاد) .
(٣) أسنى المطالب ٢ / ٤٤٢، ٤٤٣، وحاشية البجيرمي على المنهج ٣ / ٢٢١، وحاشية القليوبي على شرح المحلي للمنهاج ٣ / ٤٣٣، والحطاب ٥ / ٤٥٢، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧ / ٧٣، والمقدمات ٢ / ٣٠٨، وكشاف القناع وشرح المنتهى بهامشه ٢ / ٤٢٠، ٤٤٧.
الْمُسَمَّى إِنْ أَتَمَّ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا بِالْفَسْخِ أَمْ لاَ، وَلاَ عِبْرَةَ بِفَسْخِ الْجَاعِل مَا دَامَ قَدْ حَدَثَ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل (١) .
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣٤، وأسنى المطالب ٢ / ٤٤٣، والمقدمات ٢ / ٣٠٧، والخرشي ٧ / ٧٦، وكشاف لقناع ٢ / ٤١٩.