الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

إِصَابَتُهُ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ أَكْثَرَ السَّنَةِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مُطْلَقًا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ إِلاَّ إِذَا كَانَ فَقِيرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ الَّذِي أُصِيبَ بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَاهَاتِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أُصِيبَ بِإِحْدَى الْعَاهَاتِ السَّابِقَةِ أَثْنَاءَ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِكَمَال الْحَوْل. (١)

الثَّامِنُ: عَدَمُ حِمَايَةِ أَهْل الذِّمَّةِ:

٧٨ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَابِل الْجِزْيَةِ تَوْفِيرُ الْحِمَايَةِ لأَِهْل الذِّمَّةِ، وَالذَّبُّ عَنْهُمْ، وَمَنْعُ مَنْ يَقْصِدُهُمْ بِالاِعْتِدَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَاسْتِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ سَوَاءٌ أَكَانُوا يَعِيشُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ كَانُوا مُنْفَرِدِينَ فِي بَلَدٍ لَهُمْ. فَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٠، والاختيار ٤ / ١٣٨، شرح المحلي ٤ / ٢٣٠، والشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي ٢ / ٢٠١، ومنح الجليل ١ / ٧٥٧، الخراج لأبي يوسف ص ١٢٣، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥، وكشاف القناع ٣ / ١٢٢.

الإِْسْلاَمِيَّةُ مِنْ حِمَايَتِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ حَتَّى مَضَى الْحَوْل، فَهَل يُطَالَبُونَ بِالْجِزْيَةِ أَمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ؟

صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا لَمْ تَتَمَكَّنِ الدَّوْلَةُ مِنْ حِمَايَةِ الذِّمِّيِّينَ لأَِنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، لِحِفْظِهِمْ وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ تَدْفَعِ الدَّوْلَةُ عَنْهُمْ، لَمْ تَجِبِ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ لِلْحِفْظِ وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَجِبْ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ، كَمَا لاَ تَجِبُ الأُْجْرَةُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ.

وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ تَصْرِيحًا بِالسُّقُوطِ إِذَا لَمْ تَحْصُل الْحِمَايَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْحِمَايَةِ.

وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنَّهُ عِنْدَمَا أَعْلَمَهُ نُوَّابُهُ عَلَى مُدُنِ الشَّامِ بِتَجَمُّعِ الرُّومِ لِمُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ رُدُّوا الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، لأَِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الْجُمُوعِ، وَأَنَّكُمِ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لاَ نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ، وَنَحْنُ لَكُمْ عَلَى الشُّرُوطِ مَا كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ (١) .

_________

(١) البدائع ٩ / ٤٤٠٢، والقوانين الفقهية ص ١٧٦، والفروق للقرافي ٣ / ١٤ - ١٥، والمهذب للشيرازي ١٨ / ٢٥١، وبشرح المجموع الطبعة المصرية، مطالب أولي النهى ٢ / ٦٠٢، ٦٠٣، والكافي لابن قدامة ٣ / ٣٦٤.

وَقَال الْبَلاَذِرِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ الدِّمَشْقِيُّ قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال: " بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ هِرَقْل لِلْمُسْلِمِينَ الْجُمُوعَ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ إِقْبَالُهُمْ إِلَيْهِمْ لِوَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ رَدُّوا عَلَى أَهْل حِمْصَ مَا كَانُوا أَخَذُوا مِنْهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ. وَقَالُوا: قَدْ شُغِلْنَا عَنْ نُصْرَتِكُمْ وَالدَّفْعِ عَنْكُمْ، فَأَنْتُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، فَقَال أَهْل حِمْصَ: لَوَلاَيَتُكُمْ وَعَدْلُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ. وَلَنَدْفَعَنَّ جُنْدَ هِرَقْل عَنِ الْمَدِينَةِ مَعَ عَامِلِكُمْ، وَنَهَضَ الْيَهُودُ فَقَالُوا: وَالتَّوْرَاةِ لاَ يَدْخُل عَامِل هِرَقْل مَدِينَةَ حِمْصَ إِلاَّ أَنْ نُغْلَبَ وَنَجْهَدَ فَأَغْلَقُوا الأَْبْوَابَ وَحَرَسُوهَا ". وَكَذَلِكَ فَعَل أَهْل الْمُدُنِ الَّتِي صُولِحَتْ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ. وَقَالُوا: إِنْ ظَهَرَ الرُّومُ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صِرْنَا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّا عَلَى أَمْرِنَا مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَدَدٌ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْكَفَرَةَ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ فَتَحُوا مُدُنَهُمْ وَأَخْرَجُوا الْمُقَلِّسِينَ، فَلَعِبُوا وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ. (١)

وَجَاءَ فِي كِتَابِ صُلْحِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَعَ أَهْل تَفْلِيسَ: (٢)

_________

(١) فتوح البلدان ص ١٤٣، قال في النهاية المقلسون: هم الذين يلعبون بين يدي الأمير إذا وصل البلد، والواحد: مقلس. (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٤ / ١٠٠) ط. دار الفكر ببيروت.

(٢) تفليس (بفتح التاء وسكون الفاء): بلد بأرمينية الأولى. (معجم البلدان لياقوت ٢ / ٣٥ - ٣٦) .

". . . وَإِنْ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ شُغْلٌ عَنْكُمْ فَقَهَرَكُمْ عَدُوُّكُمْ فَغَيْرُ مَأْخُوذِينَ بِذَلِكَ (١) .

هَذِهِ السَّوَابِقُ التَّارِيخِيَّةُ حَدَثَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَعَلِمُوا بِهَا وَسَكَتُوا عَنْهَا، فَيُعْتَبَرُ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا.

وَقَدْ نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قَال فِي مَرَاتِبِ الإِْجْمَاعِ: " إِنَّ مَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَجَاءَ أَهْل الْحَرْبِ إِلَى بِلاَدِنَا يَقْصِدُونَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ لِقِتَالِهِمْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ، وَنَمُوتُ دُونَ ذَلِكَ، صَوْنًا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ دُونَ ذَلِكَ إِهْمَالٌ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ " وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ. (٢)

التَّاسِعُ: اشْتِرَاكُ الذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَال مَعَ

الْمُسْلِمِينَ:

٧٩ - صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّينَ بِالاِشْتِرَاكِ فِي الْقِتَال مَعَ الْمُسْلِمِينَ.

قَال الشَّلَبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ كَنْزِ الدَّقَائِقِ: " أَلاَ تَرَى أَنَّ الإِْمَامَ لَوِ اسْتَعَانَ بِأَهْل الذِّمَّةِ سَنَةً، فَقَاتَلُوا مَعَهُ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُمْ جِزْيَةُ تِلْكَ السَّنَةِ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ ذَلِكَ، وَهَذَا لأَِنَّ الشَّرْعَ جَعَل

_________

(١) فتوح البلدان للبلاذري ص ٢٨٣ - ٢٨٤.

(٢) الفروق ٣ / ١٤.

طَرِيقَ النُّصْرَةِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْمَال دُونَ النَّفْسِ.

وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ الاِسْتِعَانَةَ بِأَهْل الذِّمَّةِ فِي الْقِتَال.

فَقَال الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: " الْجِهَادُ أَنْ يُقَاتَل النَّاسُ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَالْمُشْرِكُ لاَ يُقَاتِل لِذَلِكَ؛ وَلأَِنَّهُ مِمَّنْ يَلْزَمُ أَنْ يُقَاتَل عَنْهُ وَتُمْنَعُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْحَرْبِ وَإِنِ اسْتُعِينَ بِهِ فِي الأَْعْمَال وَالصَّنَائِعِ وَالْخِدْمَةِ. (١)

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: " إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ (٢) .

وَانْظُرْ بَحْثَ: (جِهَادٌ) - الاِسْتِعَانَةُ بِالْكُفَّارِ.

مَصَارِفُ الْجِزْيَةِ:

٨٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ، حَتَّى رَأَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ اسْمَ الْفَيْءِ شَامِلٌ لِلْجِزْيَةِ. وَيُصْرَفُ الْفَيْءُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ وَمَرَافِقِ الدَّوْلَةِ الْهَامَّةِ: كَأَرْزَاقِ الْمُجَاهِدِينَ وَذَرَارِيِّهِمْ وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَبِنَاءِ الْجُسُورِ، وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَإِصْلاَحِ الأَْنْهَارِ الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا، وَرَوَاتِبِ الْمُوَظِّفِينَ مِنَ الْقُضَاةِ

_________

(١) حاشية الشلبي على شرح كنز الدقائق مع تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، الأم ٤ / ٢٧٩، وكشاف القناع ٣ / ١٢٥، والمنتقى ٣ / ١٧٩.

(٢) حديث: " إنا لا نستعين بمشرك " أخرجه أبو داود (٣ / ١٧٢ - ط عزت عبيد الدعاس) وابن ماجه (٢ / ٩٤٥ - ط عيسى الحلبي)، من حديث عائشة. وأصله في مسلم (٣ / ١٤٤٩ - ١٤٥٠ - ط عيسى الحلبي) من حديثها كذلك.

وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفْتِينَ وَالْعُمَّال وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) .

وَفِي تَقْدِيرِ ذَلِكَ وَمَا يُرَاعَى فِيهِ يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: (بَيْتُ الْمَال، وَفَيْءٌ) .

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٨٣، والخراج لأبي يوسف ص ١٢٤، وبدائع الصنائع ٢ / ٩٥٩، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢١٧، الهداية ٢ / ١٦٤، والاختيار ٤ / ١٤١، ومجمع الأنهر ١ / ٦٧٧، وبداية المجتهد ١ / ٤٠٧، الأم ٤ / ١٤٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٤ وروضة الطالبين ٦ / ٣٥٤، ورحمة الأمة للدمشقي ٢ / ١٧٩، وكفاية الأخيار للحصني ٢ / ٣٢.

جِعَالَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْجُعْل بِالضَّمِّ الأَْجْرُ، يُقَال: جَعَلْتُ لَهُ جُعْلًا، وَالْجِعَالَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْضُهُمْ يَحْكِي التَّثْلِيثَ اسْمٌ لِمَا يُجْعَل لِلإِْنْسَانِ عَلَى فِعْل شَيْءٍ.

وَالْجَعِيلَةُ مِثَال كَرِيمَةٍ، لُغَةٌ فِي الْجُعْل. (١)

وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنْ يَجْعَل الرَّجُل لِلرَّجُل أَجْرًا مَعْلُومًا، وَلاَ يَنْقُدُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنْ يَعْمَل لَهُ فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ، مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِل، عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكْمَل الْعَمَل كَانَ لَهُ الْجُعْل، وَإِنْ لَمْ يُتِمُّهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، مِمَّا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْجَاعِل إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِهِ.

وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا الْتِزَامُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ، أَوْ مَجْهُولٍ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ.

وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ: بِأَنَّهَا تَسْمِيَةُ مَالٍ مَعْلُومٍ لِمَنْ يَعْمَل لِلْجَاعِل عَمَلًا مُبَاحًا وَلَوْ كَانَ مَجْهُولًا أَوْ لِمَنْ يَعْمَل لَهُ مُدَّةً وَلَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةً (٢) .

_________

(١) القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: " جعل ".

(٢) حاشية البجيرمي على شرح الخطيب ٣ / ١٧٠، الخرشي ٧ / ٦٩، وكشاف القناع، وشرح المنتهى ٢ / ٤١٧، ٤٤٢، ٤٤٣.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الإِْجَارَةُ:

٢ - الإِْجَارَةُ: لُغَةً مَصْدَرُ آجَرَ وَهِيَ الْكِرَاءُ وَاصْطِلاَحًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجِعَالَةَ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَجْهُولٍ، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ.

حُكْمُ الْجِعَالَةِ، وَدَلِيل شَرْعِيَّتِهَا:

٣ - عَقْدُ الْجِعَالَةِ مُبَاحٌ شَرْعًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّهَا جَائِزَةٌ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ، اتِّفَاقًا، وَالْقِيَاسُ عَدَمُ جَوَازِهَا بَل عَدَمُ صِحَّتِهَا لِلْغَرَرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ عَقْدُهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْجَوَازِ لِلأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ:

فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْقُول. فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْل بَعِيرٍ﴾ (١) وَكَانَ حِمْل الْبَعِيرِ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْوَسْقُ وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا قُصَّ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَعَلَهُ اسْتِئْنَاسًا.

وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ رُقْيَةِ الصَّحَابِيِّ، (٢) وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَوْا حَيًّا

_________

(١) سورة يوسف / ٧٢.

(٢) الرقية: كلام يستشفى به من العارض.

مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَلَمْ يُقْرُوهُمْ (١)، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ فَقَالُوا: هَل فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: لَمْ تُقْرُونَا، فَلاَ نَفْعَل إِلاَّ أَنْ تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعَ شَاءٍ، فَجَعَل رَجُلٌ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُل فَبَرِئَ الرَّجُل فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهَا حَتَّى نَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوا الرَّسُول ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَضَحِكَ وَقَال: مَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَال: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ (٣) . وَمِنَ السُّنَّةِ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال يَوْمَ حُنَيْنٍ: مَنْ قَتَل قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. (٤)

وَمِنَ الْمَعْقُول أَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ قَدْ تَدْعُو إِلَيْهَا لِرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ، أَوْ عَمَلٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْجَاعِل وَلاَ يَجِدُ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ

_________

(١) لم يقروهم: لم يضيفوهم.

(٢) حديث: " ما أدراك أنها رقية ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ١٩٨ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٧٢٧ - ط الحلبي) عن أبي سعيد الخدري.

(٣) حديث: " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ١٩٩ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.

(٤) حديث: " من قتل قتيلا له عليه بينه فله سلبه ". أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٣٥ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٧١ - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة الأنصاري.

لِجَهَالَتِهِ، فَجَازَتْ شَرْعًا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَالْمُضَارَبَةِ (ر: مُضَارَبَةٌ) . (١)

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: بِعَدَمِ جَوَازِهَا فِي غَيْرِ جُعْل الْعَبْدِ الآْبِقِ، وَدَلِيل الْمَنْعِ عِنْدَهُمْ مَا فِي الْجِعَالَةِ مِنْ تَعْلِيقِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْخَطَرِ (أَيِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ) كَمَا أَنَّ الْجِعَالَةَ الَّتِي لَمْ تُوَجَّهْ إِلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا مَنْ يَقْبَل الْعَقْدَ فَانْتَفَى الْعَقْدُ. (٢)

وَالْجِعَالَةُ تَخْتَلِفُ عَنِ الإِْجَارَةِ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُجِيزَةِ لَهَا - فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ وَهِيَ كَمَا يَلِي:

الأَْوَّل: صِحَّةُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ يَعْسُرُ ضَبْطُهُ وَتَعْيِينُهُ كَرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ.

الثَّانِي: صِحَّةُ الْجِعَالَةِ مَعَ عَامِلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ.

الثَّالِثُ: كَوْنُ الْعَامِل لاَ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَل.

الرَّابِعُ: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْجِعَالَةِ تَلَفُّظُ الْعَامِل بِالْقَبُول.

_________

(١) المهذب ١ / ٤١١، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ١٧١، والبجيرمي على المنهج ٣ / ٢١٧، والعدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ١٦٢، ومنح الجليل ٤ / ٣، والمقدمات ٢ / ٣٠٨، ٣٠٩، والمغني ٦ / ٣٥٠، والمحلى ٨ / ٢٠٤ - ٢١٠ مسألة ١٣٢٧.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٥٨ و٢٥٨، والزيلعي ٦ / ٢٢٦، والمبسوط ١١ / ١٧، والبدائع ٦ / ٢٠٣.