الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

الْخَامِسُ: جَهَالَةُ الْعِوَضِ فِي الْجِعَالَةِ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال.

السَّادِسُ: يُشْتَرَطُ فِي الْجِعَالَةِ عَدَمُ التَّأْقِيتِ لِمُدَّةِ الْعَمَل.

السَّابِعُ: الْجِعَالَةُ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ.

الثَّامِنُ: سُقُوطُ كُل الْعِوَضِ بِفَسْخِ الْعَامِل قَبْل تَمَامِ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ.

وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْجِعَالَةَ تَتَمَيَّزُ أَيْضًا عَنِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِأَنَّ الْعِوَضَ فِيهَا غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ مَحَل الْعَمَل.

وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْجِعَالَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَل، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ.

أَرْكَانُ الْجِعَالَةِ:

أَرْكَانُ الْجِعَالَةِ أَرْبَعَةٌ: (الأَْوَّل) الصِّيغَةُ (الثَّانِي) الْمُتَعَاقِدَانِ، (الثَّالِثُ) الْعَمَل، (الرَّابِعُ) الْجُعْل.

صِيغَةُ الْجِعَالَةِ:

٤ - الصِّيغَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْجِعَالَةِ هِيَ كُل لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الإِْذْنِ فِي الْعَمَل بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، مَقْصُودِ وَمُلْتَزَمٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْذْنُ عَامًّا لِكُل مَنْ سَمِعَهُ أَوْ عَلِمَ بِهِ، مِثْل أَنْ يَقُول الْجَاعِل: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي أَوْ ضَالَّةَ فُلاَنٍ فَلَهُ كَذَا، أَمْ كَانَ الإِْذْنُ خَاصًّا بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِثْل أَنْ يَقُول لَهُ: إِنْ رَدَدْتَ ضَالَّتِي فَلَكَ كَذَا؛ لأَِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى صِيغَةٍ تَدُل عَلَى الْمَطْلُوبِ وَقَدْرِ

الْمَبْذُول عِوَضًا كَالإِْجَارَةِ، وَالأَْخْرَسُ تَكْفِي إِشَارَتُهُ الْمُفْهِمَةُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا النَّاطِقُ إِذَا كَتَبَ ذَلِكَ وَنَوَاهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ قَبُول الْعَامِل لَفْظًا وَإِنْ عَيَّنَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ فِي مَحَل الْحَاجَةِ بَل يَكْفِي الْعَمَل مِنْهُ، وَكَذَا لاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْعَامِل وَقْتَ إِيجَابِ الْجَاعِل وَإِعْلاَنِهِ.

وَلاَ تُشْتَرَطُ أَيْضًا الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، فَلَوْ قَال الْجَاعِل: إِنْ رَدَدْتَ ضَالَّتِي فَلَكَ دِينَارٌ، فَقَال الْعَامِل: أَرُدُّهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، فَالرَّاجِحُ الْقَطْعُ بِاسْتِحْقَاقِهِ لِلدِّينَارِ، لأَِنَّ الْقَبُول لاَ أَثَرَ لَهُ فِي الْجِعَالَةِ، قَال هَذَا الْجُوَيْنِيُّ، وَذَكَرَ الْقَمُولِيُّ نَحْوَهُ.

إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ حَالَتَيْنِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا صُدُورُ مَا يَدُل عَلَى الإِْذْنِ وَالاِلْتِزَامِ مِنَ الْمَالِكِ أَوِ الْجَاعِل.

الأُْولَى: رَدُّ الْعَبْدِ الآْبِقِ إِنْ كَانَ الرَّادُّ لَهُ غَيْرَ الإِْمَامِ.

الثَّانِيَةُ: تَخْلِيصُ الشَّخْصِ مَتَاعَ غَيْرِهِ مِنْ مَكَانٍ يَظُنُّ هَلاَكَهُ، أَوْ تَلَفَهُ عَلَى مَالِكِهِ فِي تَرْكِهِ فِيهِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ إِيقَاعُ الْعَقْدِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي حَالَةِ مَا إِذَا أَتَى بِالضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ مَنِ اعْتَادَ طَلَبَ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ وَرَدَّهَا إِلَى أَصْحَابِهَا

بِعِوَضٍ فَيَسْتَحِقُّ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْ صَاحِبِهَا الْتِزَامٌ. (١)

رَدُّ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ لِلْجِعَالَةِ:

٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْعَامِل الْمُعَيَّنَ لَوْ رَفَضَ قَبُول عَقْدِ الْجِعَالَةِ وَرَدَّهُ مِنْ أَصْلِهِ فَقَال: لاَ أَرُدُّ الضَّالَّةَ مَثَلًا أَوْ رَدَدْتُ الْجِعَالَةَ، أَوْ لاَ أَقْبَلُهَا، ثُمَّ عَمِل، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا تَبْطُل بِرَفْضِ الْعَامِل وَرَدِّهِ لَهَا. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْجُوَيْنِيِّ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْقَمُولِيِّ السَّابِقِ: أَنَّهَا لاَ تَبْطُل بِذَلِكَ، وَحَمَل بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَهُمَا هَذَا عَلَى مَا لَوْ قَبِل الْعَامِل الْجِعَالَةَ وَرَفَضَ الْعِوَضَ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ: أَرُدُّ الضَّالَّةَ بِلاَ شَيْءٍ. (٢)

وَلَمْ يُعْثَرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ مِنَ الْمَذَاهِبِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

عَقْدُ الْجِعَالَةِ قَبْل تَمَامِ الْعَمَل هَل هُوَ لاَزِمٌ

٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ

_________

(١) الأنوار بحاشية الكمثري عليه ١ / ٤١٧، ٤١٨، وتحفة المحتاج ٢ / ٣٦٦، ٣٦٧، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤١، ٣٤٣، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣٠، وأسنى المطالب ٢ / ٤٣٩، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٧١، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٣ / ٢٥٦، ٢٥٧، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ١٦٢، وكشاف القناع وبهامشه شرح المنتهى ٢ / ٤١٩، ٤٤٦، والمحرر ١ / ٣٧٢.

(٢) نهاية المحتاج، وحاشية الشبرامسلي ٤ / ٣٤٣.

الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْجِعَالَةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الرُّجُوعُ فِيهِ بِدُونِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَيُّ أَثَرٍ؛ لأَِنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْجَاعِل تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل لِلْجُعْل بِشَرْطٍ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَامِل فَلأَِنَّ الْعَمَل فِيهَا مَجْهُولٌ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ يَتَّصِفُ عَقْدُهُ بِاللُّزُومِ.

وَيُقَابِل هَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: بِأَنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ - وَلَوْ قَبْل الشُّرُوعِ كَالإِْجَارَةِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ أَيْضًا: إِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لِلْجَاعِل فَقَطْ بِمُجَرَّدِ إِيجَابِهِ أَوْ إِعْلاَنِهِ دُونَ الْعَامِل، وَأَمَّا بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِل فِي الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ وَقَبْل تَمَامِهِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْعَقْدُ غَيْرُ لاَزِمٍ أَيْضًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا، كَمَا قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل.

وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِل، أَمَّا الْجَاعِل فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا تَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، فَلاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنْ تَعَاقُدِهِ هَذَا حَتَّى لاَ يَبْطُل عَلَى الْعَامِل عَمَلُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَمَل الَّذِي حَصَل بِهِ الشُّرُوعُ قَلِيلًا لاَ قِيمَةَ لَهُ. (١)

_________

(١) أسنى المطالب ٢ / ٤٤٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٨، والخرشي ٧ / ٧٠، ٧٦، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٢٥٧، والمقدمات ٢ / ٣٠٧، وكشاف القناع ٢ / ٤١٩.

الْمُتَعَاقِدَانِ:

مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل:

٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَجْعَلُهُ عِوَضًا، وَأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالْتِزَامِ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَوْ مُكْرَهٍ. وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ شَرَائِطُ لُزُومِ الْعَقْدِ لِمُلْتَزِمِ الْجُعْل، وَأَمَّا أَصْل صِحَّةِ الْعَقْدِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مُمَيِّزًا فَقَطْ.

مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل:

٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل الْمُعَيَّنِ أَهْلِيَّتُهُ لِلْعَمَل بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ عَاجِزٍ عَنِ الْعَمَل، كَصَغِيرٍ، وَضَعِيفٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مَنْفَعَتَهُ مَعْدُومَةٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَامِل غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِإِعْلاَنِ الْجَاعِل، وَلاَ يُشْتَرَطُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْعَمَل أَصْلًا، وَيَكْفِي أَنْ يَأْذَنَ أَوْ يُوَكِّل مَنْ يَعْمَل. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل بِنَوْعَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بُلُوغٌ وَلاَ عَقْلٌ، وَلاَ رُشْدٌ وَلاَ حُرِّيَّةٌ، وَلاَ إِذْنُ وَلِيٍّ أَوْ سَيِّدٍ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَعَبْدٍ عَلَى الرَّاجِحِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: كُل مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْجَاعِل كَانَ شَرْطًا فِي الْعَامِل بِزِيَادَةِ الْعَمَل عَلَيْهِ (١) وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

_________

(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣٤٠، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٧٢، وتحفة المحتاج ٢ / ٣٦٦، وشرح المحلي بحاشيتي قليوبي وعميرة ٣ / ١٣٠، والروض المربع ١ / ٢٣٣، وكشاف القناع ٢ / ٢١٧، والخرشي ٧ / ٧٠، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٢٥٦، والحطاب والتاج والإكليل ٥ / ٤٥٢.

النِّيَابَةُ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ:

٩ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ - الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - وَكِيلًا أَوْ وَلِيًّا صَحَّ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَال الْمُوَكِّل وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِشَرِيطَةِ أَنْ يَكُونَ التَّعَاقُدُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْجُعْل قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْل ذَلِكَ الْعَمَل أَوْ أَقَل، أَمَّا إِذَا زَادَ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا، وَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْل فِي مَال الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَامِل مُعَيَّنًا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ فِي الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُهُ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، وَعَلِمَ الْجَاعِل بِذَلِكَ وَقْتَ التَّعَاقُدِ، أَمَّا إِنْ طَرَأَ لَهُ طَارِئٌ يُعْجِزُهُ عَنِ الْعَمَل كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي الْعَمَل.

وَأَمَّا الْعَامِل غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِمَّنْ سَمِعَ الإِْعْلاَنَ الْعَامَّ بِالْجِعَالَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ تَوْكِيل غَيْرِهِ فِي الْعَمَل وَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ الْعَاقِدُ الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل - فُضُولِيًّا (١) فَإِنَّهُ يَصِحُّ

_________

(١) الفضولي لغة: هو المشتغل بما لا يعنيه، نسبة إلى الفضول جمع فضل أي الزيادة، واصطلاحا: من يتصرف في حق غيره بغير إذن شرعي.

الْتِزَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَجِبُ الْجُعْل فِي مَالِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ الْتَزَمَهُ. (١)

مَحَل الْعَقْدِ وَشَرَائِطُهُ:

أَنْوَاعُهُ:

١٠ - الأَْعْمَال الْمُتَعَاقَدُ عَلَيْهَا فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ - مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ مِنْهَا نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ اسْتِحْدَاثُ نَتِيجَةٍ جَدِيدَةٍ، كَتَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ إِخْبَارٍ فِيهِ غَرَضٌ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ خِيَاطَةٍ، أَوْ دَلاَلَةٍ، أَوْ رُقْيَةِ مَرِيضٍ بِدُعَاءٍ جَائِزٍ أَوْ تَمْرِيضِهِ أَوْ مُدَاوَاتِهِ حَتَّى الشِّفَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

وَالثَّانِي: مَا يُرَادُ بِالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَإِعَادَتُهُ لِنَاشِدِهِ، كَرَدِّ مَالٍ ضَائِعٍ أَوْ ضَالَّةٍ، أَوْ آبِقٍ وَنَحْوِهِ.

أَمَّا مِنْ حَيْثُ مَا يَصِحُّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ جِعَالَةً وَمَا لاَ يَصِحُّ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ:

١١ - أ - يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى كُل عَمَلٍ مَجْهُولٍ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ وَوَصْفُهُ بِحَيْثُ لاَ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ، كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلًا، لأَِنَّ الْجَهَالَةَ إِذَا احْتُمِلَتْ فِي الْمُضَارَبَةِ تَوَصُّلًا إِلَى الرِّبْحِ الزَّائِدِ

_________

(١) تحفة المحتاج ٢ / ٣٦٦، ٣٦٧، ٣٩٤، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ٤٣٩، ٤٤٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٢، ٣٤٣، والخرشي ٧ / ٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤١٨.

مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَاحْتِمَالُهَا فِي الْجِعَالَةِ تَوَصُّلًا إِلَى أَصْل الْمَال اضْطِرَارًا أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لاَ يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ فَلاَ بُدَّ مِنْ ضَبْطِهِ وَوَصْفِهِ، إِذْ لاَ حَاجَةَ لاِحْتِمَال جَهَالَتِهِ، فَفِي بِنَاءِ حَائِطٍ مَثَلًا يَذْكُرُ مَوْضِعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَارْتِفَاعَهُ وَمَا يُبْنَى بِهِ.

١٢ - ب - وَكَذَلِكَ يَصِحُّ عَقْدُ الْجِعَالَةِ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ تَصِحُّ الإِْجَارَةُ عَلَيْهِ - كَقَوْل الْجَاعِل: " مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ مَوْضِعِ كَذَا " أَوْ خِيَاطَةٍ مَوْصُوفَةٍ - عَلَى الرَّاجِحِ لأَِنَّهَا إِذَا جَازَتْ. مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَل فَمَعَ مَعْلُومِيَّتِهِ أَوْلَى. وَبِمِثْل هَذَا كُلِّهِ قَال الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ: يَرَوْنَ عَدَمَ صِحَّةِ الْجِعَالَةِ مُطْلَقًا عَلَى مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ حَتَّى الشِّفَاءِ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ:

١٣ - أ - فَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ وَالإِْجَارَةُ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى بَيْعِ سِلَعٍ قَلِيلَةٍ وَشِرَاءِ السِّلَعِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ، وَاقْتِضَاءِ الدُّيُونِ، وَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ لِلْعَامَّةِ؛ لأَِنَّهُمَا إِنْ تَعَاقَدَا عَلَى مِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأَْذْرُعِ كَانَ إِجَارَةً، وَإِنْ تَعَاقَدَا عَلَى ظُهُورِ الْمَاءِ فِي الْبِئْرِ كَانَ جِعَالَةً.

١٤ - ب - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْجِعَالَةُ دُونَ الإِْجَارَةِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى الإِْتْيَانِ بِالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، أَوِ الْعَبْدِ الآْبِقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُل مَا يَكُونُ الْعَمَل فِيهِ مَجْهُولًا، فَتُشْتَرَطُ الْجَهَالَةُ بِالْعَمَل هُنَا تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ مَعْلُومِيَّتَهُ

لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لأَِحَدِهِمَا تُوجِبُ الْغَرَرَ فِيهِ، كَأَنْ لاَ يَجِدَ الْبَعِيرَ الشَّارِدَ مَثَلًا فِي الْمَكَانِ الْمَعْلُومِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهِ مِنْهُ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا وَتَضِيعُ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ.

١٥ - ج - وَبَعْضُهُ تَصِحُّ فِيهِ الإِْجَارَةُ دُونَ الْجِعَالَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ أَيْضًا، كَأَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى عَمَلٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْجَاعِل كَحَفْرِ بِئْرٍ مَثَلًا، وَكَذَا التَّعَاقُدُ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ خِدْمَةِ شَهْرٍ، أَوْ بَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِنْ لَمْ يُتِمَّ الْعَامِل الْعَمَل.

١٦ - أَمَّا مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الشِّفَاءِ مِنَ الْمَرَضِ، وَالْمُعَلِّمِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ مَثَلًا، وَكِرَاءُ السُّفُنِ، فَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: إِنَّهَا تَصِحُّ إِجَارَةً وَتَصِحُّ جِعَالَةً، وَزَادَ عَلَيْهَا ابْنُ شَاسٍ الْمُغَارَسَةَ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ كُلَّهَا مِنَ الإِْجَارَةِ فَقَطْ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ سَحْنُونٌ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي مُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ الْجِعَالَةُ. (١)

_________

(١) تحفة المحتاج ٢ / ٣٦٧، ٣٦٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٣٩، ومغني المحتاج ٢ / ٤٩٢، ٤٣٠، والأنوار ١ / ٤١٨، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ١٦٣، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٣، ٦٦، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧ / ٧٠ - ٧٤، والفروق ٤ / ١٢، ١٣، والمقدمات ٢ / ٣٠٩، ٣١٠، والمغني ٦ / ٣٥١، ٣٥٤، وكشاف القناع ٢ / ٤١٧، ٤١٩.

الْمَشَقَّةُ فِي الْعَمَل:

١٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ الْجِعَالَةِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ تَعَبٌ وَمَشَقَّةٌ أَوْ مُؤْنَةٌ، كَرَدِّ آبِقٍ، أَوْ ضَالَّةٍ، أَوْ دَلاَلَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ بِيَدِهِ الشَّيْءُ، أَوْ إِخْبَارٍ عَنْ شَيْءٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَعَبٌ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ صَادِقًا فِي إِخْبَارِهِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَخْبِرِ غَرَضٌ فِي الْمُخْبَرِ بِهِ.

وَقَيَّدَ الأَْذْرَعِيُّ هَذَا: بِمَا إِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ حَادِثَةً بَعْدَ عَقْدِ الْجِعَالَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَلاَ عِبْرَةَ بِهَا لأَِنَّهَا مَحْضُ تَبَرُّعٍ حِينَئِذٍ.

وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ، بَل اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْجِعَالَةِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ، قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا تَجُوزُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي كُل مَا لاَ يَكُونُ لِلْجَاعِل فِيهِ مَنْفَعَةٌ إِلاَّ بِتَمَامِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ يَسِيرًا أَمْ غَيْرَ يَسِيرٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (١)

كَوْنُ الْعَمَل مُبَاحًا غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَى الْعَامِل:

١٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَل أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَى الْعَامِل أَدَاؤُهُ فَلاَ يَصِحُّ

_________

(١) تحفة المحتاج ٢ / ٣٦٧، والأنوار ١ / ٤١٨، وأسنى المطالب ٢ / ٤٤١، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٤، والمقدمات ٢ / ٣٠٨، ٣٠٩، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ١٦٢، وكشاف القناع ٢ / ٤١٧.