الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ﴾ (٢)
تَدُل هَذِهِ الآْيَةُ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَسْلَمَ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ يَجِبُ قِتَالُهُ عَلَى الْكُفْرِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا، وَمَتَى أَسْلَمَ لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُ، فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
٢ - قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَْوَّلِينَ﴾ (٣)
فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ،
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، والهداية ٢ / ١٦١، وفتح القدير ٥ / ٢٩٥، وبدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣٢، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٠، ومجمع الأنهر ١ / ٦٧٢، والاختيار ٤ / ١٣٨، وبداية المجتهد ١ / ٤٠٥، والقوانين الفقهية ص ١٧٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٢، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٧٩، والمقدمات على هامش المدونة لابن رشد ١ / ٤٠٠، والمنتقى للباجي ٢ / ١٧٥، والمبدع ٣ / ٤١٢، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٥٧، وكشاف القناع ٣ / ١٢٢، والإنصاف ٤ / ٢٢٨، والمذهب الأحمد ص ٢١٠.
(٢) سورة التوبة / ٢٩.
(٣) سورة الأنفال / ٣٨.
وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لاَ يُطَالَبُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاَةٍ أَوْ زَكَاةٍ، وَكَذَا لاَ يُطَالَبُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ قَبْل إِسْلاَمِهِ (١) . قَال مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ عَنْهُ: " الصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَسْلَمَ الْجِزْيَةُ حِينَ يُسْلِمُ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنَ السَّنَةِ إِلاَّ يَوْمٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا. . .﴾ يَعْنِي مَا قَدْ مَضَى قَبْل الإِْسْلاَمِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ ". (٢)
٣ - وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ بَعْضُ الآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (٣)
٤ - وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ تَبْقَى بَعْدَ الإِْسْلاَمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً: أَيْ جَزَاءَ الإِْقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالإِْسْلاَمِ. (٤)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ
_________
(١) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص ١١٤.
(٢) اختلاف الفقهاء للطبري ص ٢٠١.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ١٠١، والأموال لأبي عبيد ص ٦٦ - ٦٨، والأموال لابن زنجويه ١ / ١٧٣، والموطأ بشرح السيوطي ١ / ٢٦٥.
(٤) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣٢، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ١٠١، وفتح القدير ٥ / ٢٩٦، والاختيار ٤ / ١٣٨، والمنتقى ٢ / ١٧٦.
وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، أَمَّا إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَلاَ يُطَالَبُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ كَالأُْجْرَةِ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ، وَقَدْ وَصَل إِلَى الذِّمِّيِّ الْمُعَوَّضُ وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ، فَصَارَ الْعِوَضُ وَهُوَ الْجِزْيَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالإِْسْلاَمِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
٢ - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى الذِّمِّيُّ مَنَافِعَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الأُْجْرَةُ بِإِسْلاَمِ الذِّمِّيِّ.
٣ - وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالأُْجْرَةِ، فَكُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنَ الْحَوْل اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْل. (٢)
_________
(١) حاشية قليوبي ٤ / ٢٣٢، والأم ٤ / ٢٨٦، والمهذب مع المجموع ١٨ / ٢١٩، رحمة الأمة ٢ / ١٨١، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٨، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥، والخراج لأبي يوسف ص ١٢٢، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ١٠٠، واختلاف الفقهاء للطبري ص ٢١٢.
(٢) العناية شرح الهداية على هامش فتح القدير ٥ / ٢٩٥، ونهاية المحتاج للرملي ٨ / ٨٧.
الثَّانِي: الْمَوْتُ:
٧٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْمَوْتِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَحَصَل الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ:
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ إِذَا حَصَل بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. بَل تُؤْخَذُ مِنَ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ. أَمَّا إِذَا حَصَل فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنَ الْحَوْل. وَتَسْقُطُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ آخَرَ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال حَوْلِهَا (٣) وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ بِالأَْدِلَّةِ الآْتِيَةِ:
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، والهداية ٢ / ١٦١، وفتح القدير ٥ / ٢٩٥، والبدائع ٩ / ٤٣٣٢، والخراج لأبي يوسف ص ١٢٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٢، والمنتقى للباجي ٢ / ١٧٦، ومنح الجليل ١ / ٧٥٩.
(٢) البدائع للكاساني ٩ / ٤٣٣٢، والاختيار ٤ / ١٣٨، والمنتقى للباجي ٢ / ١٧٦.
(٣) روضة الطالبين ١٠ / ٣١٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٩، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٣٢، ورحمة الأمة ٢ / ١٨١، والميزان للشعراني ٢ / ١٨٥، والمغني ٨ / ١١، والمبدع ٣ / ٤١٢، وكشاف القناع ٣ / ١٢٣، والإنصاف ٤ / ٢٢٨، والمذهب الأحمد لابن الجوزي ص ٢١٠.
١ - مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنَادَةَ - كَاتِبِ حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ - وَكَانَ حَيَّانُ بَعَثَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَتَبَ يَسْتَفْتِيهِ أَيَجْعَل جِزْيَةَ مَوْتَى الْقِبْطِ عَلَى أَحْيَائِهِمْ؟ فَسَأَل عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَسْمَعُ - فَقَال: مَا سَمِعْتُ لَهُمْ بِعَقْدٍ وَلاَ عَهْدٍ، إِنَّمَا أُخِذُوا عَنْوَةً بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى حَيَّانَ بْنِ سُرَيْجٍ يَأْمُرَهُ: أَنْ يَجْعَل جِزْيَةَ الأَْمْوَاتِ عَلَى الأَْحْيَاءِ.
٢ - وَلأَِنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلًا عَنِ الْعِصْمَةِ وَالسُّكْنَى، فَلَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِ الآْدَمِيِّينَ (١) .
الثَّالِثُ: اجْتِمَاعُ جِزْيَةِ سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ:
٧٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَدَاخُل الْجِزَى:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ التَّدَاخُل وَتَجِبُ الْجِزَى كُلُّهَا (٢) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ:
_________
(١) الأموال لأبي عبيد ص ٦٨ - ٦٩، الأموال لابن زنجويه ١ / ١٧٨، أحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٦٠.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٢، والمنتقى للباجي ٢ / ١٧٦، ومنح الجليل ١ / ٧٥٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٣١٢، ورحمة الأمة للدمشقي ٢ / ١٨١، وأحكام القرآن لإليكا الهراسي ٤ / ٤٩، والمغني ٨ / ٥١٢، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٦١، والمبدع ٣ / ٤١٢، وكشاف القناع ٣ / ١٢٢، والخراج لأبي يوسف ص ١٢٣، والسير لمحمد بن الحسن ص ٢٦٣.
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ فِي آخِرِ كُل حَوْلٍ، فَلَمْ تَتَدَاخَل كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَلأَِنَّ الْمُدَّةَ لاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي إِسْقَاطِ الْوَاجِبِ كَخَرَاجِ الأَْرْضِ (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَضَتْ عَلَى الْجِزْيَةِ سَنَةٌ وَدَخَلَتْ ثَانِيَةٌ فَإِنَّ الْجِزَى تَتَدَاخَل، فَتَسْقُطُ جِزَى السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ وَيُطَالَبُ بِجِزْيَةِ السَّنَةِ الْحَالِيَّةِ (٢) . وَاسْتَدَل لِذَلِكَ:
بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، وَالْعُقُوبَاتُ إِذَا تَرَاكَمَتْ تَدَاخَلَتْ خَاصَّةً إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْحُدُودِ. أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ زَنَى مِرَارًا ثُمَّ رُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى الإِْمَامِ لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ إِلاَّ حَدًّا وَاحِدًا بِجَمِيعِ الأَْفْعَال.
وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ فِي الْمُسْتَقْبَل، فَإِذَا صَارَ دَمُهُ مَحْقُونًا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَلاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ لأَِجْلِهَا، لاِنْعِدَامِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا إِذَا أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحَقْنِ بِالْجِزْيَةِ؛ وَلأَِنَّ الْجِزْيَةَ مَا وَجَبَتْ إِلاَّ لِرَجَاءِ الإِْسْلاَمِ، وَإِذَا
_________
(١) روضة الطالبين ١٠ / ٣١٢، والمغني ٨ / ٥١٢، وكشاف القناع ٣ / ١٢٢، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٦١.
(٢) الهداية ٢ / ١٦١، وفتح القدير ٥ / ٢٩٧، والبدائع ٩ / ٤٣٣، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٠، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٧٩.
لَمْ يُوجَدْ حَتَّى دَخَلَتْ سَنَةٌ أُخْرَى انْقَطَعَ الرَّجَاءُ فِيمَا مَضَى، وَبَقِيَ الرَّجَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَل فَيُؤْخَذُ لِلسَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (١) .
الرَّابِعُ: طُرُوءُ الإِْعْسَارِ:
٧٤ - الإِْعْسَارُ: ضِيقُ الْحَال مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمَال (٢) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ الطَّارِئِ سَوَاءٌ أَطَرَأَ عَلَيْهِ الإِْعْسَارُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ. وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْسَرَ أَكْثَرَ الْحَوْل؛ لأَِنَّ الإِْعْسَارَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً. (٣)
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ الطَّارِئِ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ الإِْعْسَارَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً (٤) . وَإِذَا
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٩، والبدائع ٩ / ٤٣٣٣، والاختيار ٤ / ١٣٩.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٣ / ٣٧٣.
(٣) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٣١، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، والخراج لأبي يوسف ص ١٢٢، وحاشية الخرشي ٣ / ١٤٥، بلغة السالك ١ / ٣٦٧ - ٣٦٨، ومنح الجليل ١ / ٧٥٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٢.
(٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٠٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٨، والأم ٤ / ٢٧٩، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٦، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٣٢، والمحلى ٧ / ٥٦٦.
كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، وَتُعْتَبَرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ. أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِْعْسَارِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لأَِنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ، وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْعْسَارُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُنْظَرُ وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ. (٢)
الْخَامِسُ: التَّرَهُّبُ وَالاِنْعِزَال عَنِ النَّاسِ:
٧٥ - إِذَا تَرَهَّبَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَانْعَزَل عَنِ النَّاسِ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَْدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ، فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ، لأَِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ مُتَجَمِّدَةً عَنْ سِنِينَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَْخَوَانِ (مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ) مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً، فَلاَ يُعْتَبَرُ عُذْرًا لإِسْقَاطِ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٠.
(٢) كشاف القناع ٣ / ١٢٢.
الْجِزْيَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الأَْخَوَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً لِلتَّهَرُّبِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّرَهُّبَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ. أَمَّا إِذَا تَرَهَّبَ أَثْنَاءَ الْحَوْل فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالرَّاهِبِ الَّذِي تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، هُوَ مَنْ لاَ يَبْقَى بِيَدِهِ مَالٌ إِلاَّ بُلْغَتَهُ فَقَطْ وَيُؤْخَذُ مِمَّا بِيَدِهِ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَتَاجِرَ وَالْمَزَارِعَ فَحُكْمُهُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ اتِّفَاقًا (١) .
السَّادِسُ: الْجُنُونُ:
٧٦ - إِذَا أُصِيبَ الذِّمِّيُّ - بَعْدَ الاِلْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ - بِالْجُنُونِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى سُقُوطِهَا بِالْجُنُونِ الطَّارِئِ إِذَا اسْتَمَرَّ أَكْثَرَ الْعَامِ، لأَِنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً - كَمَا بَيَّنَّا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ -
_________
(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٨، والاختيار ٣ / ١٤٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٢، وحاشية الخرشي ٣ / ١٤٤، ومنح الجليل ١ / ٧٥٩، والجامع لأحكام القرآن ٨ / ١١٢، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٠٧، ومغني المحتاج ٤ / ٣٤٦، وكشاف القناع ٣ / ١٢٢.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ إِنْ كَانَ يَسِيرًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ مِنْ سَنَةٍ فَلاَ تَسْقُطُ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَيَوْمٍ إِفَاقَةً وَيَوْمٍ جُنُونًا فَإِنَّ الإِْفَاقَةَ تُلَفَّقُ فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتِ الْجِزْيَةُ.
أَمَّا الْجِزْيَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالْجُنُونِ طِبْقًا لِمَذْهَبِهِمْ فِي عَدَمِ تَدَاخُل الْجِزْيَةِ كَمَا سَبَقَ فِي (ف ٧٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ إِذَا كَانَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل. أَمَّا إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل فَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل. (١)
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الرَّابِعُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا تَسْقُطُ وَلاَ تَجِبُ.
السَّابِعُ: الْعَمَى وَالزَّمَانَةُ وَالشَّيْخُوخَةُ:
٧٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ السَّلاَمَةِ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ الَّتِي سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهَا فِي شُرُوطِ الْجِزْيَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِهَذِهِ الْعَاهَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَا أُصِيبَ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ، وَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٢٩٥، وحاشية الخرشي ٣ / ١٤٤، ومنح الجليل ١ / ٧٥٩، وشرح المحلي على المنهاج ٤ / ٢٢٩، وكشاف القناع ٣ / ١٢٢.