الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (١)﴾ أَيْ لاَ تَقْضِي (٢) .
وَقَال الْخُوَارِزْمِيُّ: جَزَاءُ رُءُوسِ أَهْل الذِّمَّةِ جَمْعُ جِزْيَةٍ وَهُوَ مُعَرَّبٌ: كَزَيْتٍ، وَهُوَ الْخَرَاجُ بِالْفَارِسِيَّةِ (٣) .
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ وُجْهَاتُ نَظَرِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْجِزْيَةِ اصْطِلاَحًا تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي طَبِيعَتِهَا، وَفِي حُكْمِ فَرْضِهَا عَلَى الْمَغْلُوبِينَ الَّذِينَ فُتِحَتْ أَرْضُهُمْ عَنْوَةً (أَيْ قَهْرًا لاَ صُلْحًا) .
فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: " اسْمٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ فَهُوَ عَامٌّ يَشْمَل كُل جِزْيَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مُوجِبُهَا الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ وَفَتْحَ الأَْرْضِ عَنْوَةً، أَوْ عَقْدَ الذِّمَّةِ الَّذِي يَنْشَأُ بِالتَّرَاضِي ".
وَعَرَّفَهَا الْحِصْنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا: " الْمَال الْمَأْخُوذُ بِالتَّرَاضِي لإِسْكَانِنَا إِيَّاهُمْ فِي دِيَارِنَا، أَوْ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَوْ لِكَفِّنَا عَنْ قِتَالِهِمْ " وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا: " مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ كُل عَامٍ بَدَلًا عَنْ قَتْلِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا ".
_________
(١) سورة البقرة / ٤٨.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات ٣ / ٥١ - دار الكتب العلمية ببيروت، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج ٢ / ٢٢٨ - مطبعة عيسى الحلبي بالقاهرة، والمغني ٨ / ٤٩٥ - مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
(٣) مفاتيح العلوم ص ٣٩ - ٤٠ نشر الطباعة المنيرية - مطبعة الشرق بالقاهرة، روح المعاني ١٠ / ٧٨ - دار إحياء التراث العربي ببيروت - مصور عن الطبعة المنيرية.
قَال الْقَلْيُوبِيُّ: " تُطْلَقُ - أَيِ الْجِزْيَةَ - عَلَى الْمَال وَعَلَى الْعَقْدِ وَعَلَيْهِمَا مَعًا (١) ".
هَذَا وَيُطْلِقُ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْجِزْيَةِ عِدَّةَ مُصْطَلَحَاتٍ وَأَلْفَاظٍ مِنْهَا:
أ - خَرَاجُ الرَّأْسِ:
٢ - قَال السَّرَخْسِيُّ: " إِذَا جَعَل الإِْمَامُ قَوْمًا مِنَ الْكُفَّارِ أَهْل ذِمَّةٍ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَال، وَعَلَى الأَْرَضِينَ بِقَدْرِ الاِحْتِمَال، أَمَّا خَرَاجُ الرُّءُوسِ فَثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ ﷾: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢)﴾ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ (٣) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَحْكَامِ أَهْل الذِّمَّةِ:
_________
(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٤٤ - دار إحياء التراث العربي ببيروت، واللباب في شرح الكتاب ٤ / ١٤٣ - دار الحديث ببيروت، وعمدة القاري ١٥ / ٧٧ - دار الفكر ببيروت، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل ١ / ٢٦٦ - دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة، وشرح منح الجليل ١ / ٧٥٦ - مكتبة النجاح بليبيا وحاشية البجيرمي على شرح المنهج ٤ / ٢٦٨ - المكتبة الإسلامية بتركيا، كفاية الأخيار ٢ / ١٣٣ - دار المعرفة ببيروت، المبدع في شرح المقنع ٣ / ٤٠٤ - المكتب الإسلامي ببيروت، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٣ / ١١٧ - مطبعة النصر الحديثة بالرياض، والمغني ٨ / ٤٩٥ ط الرياض.
(٢) سورة التوبة / ٢٩.
(٣) حديث: " أخذ الجزية من مجوس هجر " أخرجه البخاري (٤ / ١١٧ ط على صبيح) من حديث عبد الرحمن بن عوف.
الْجِزْيَةُ هِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ إِذْلاَلًا وَصِغَارًا (١) ".
ب - الْجَالِيَةُ:
٣ - الْجَالِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَلاَءِ، فَيُقَال: جَلَوْتُ عَنِ الْبَلَدِ جَلاَءً إِذَا خَرَجْتُ. وَتُطْلَقُ الْجَالِيَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمِنْهُ قِيل: لأَِهْل الذِّمَّةِ الَّذِينَ أَجْلاَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْجَالِيَةَ، وَقَدْ لَزِمَهُمْ هَذَا الاِسْمُ أَيْنَمَا حَلُّوا، ثُمَّ لَزِمَ كُل مَنْ لَزِمَتْهُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ بِكُل بَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَجْلُوا عَنْ أَوْطَانِهِمْ. ثُمَّ أُطْلِقَتْ " الْجَالِيَةُ " عَلَى الْجِزْيَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَقِيل: اسْتُعْمِل فُلاَنٌ عَلَى الْجَالِيَةِ.
أَيْ عَلَى جِزْيَةِ أَهْل الذِّمَّةِ. وَجَمْعُ الْجَالِيَةِ الْجَوَالِي (٢) .
وَقَدْ عَرَّفَهَا الْقَلْقَشَنْدِيُّ بِأَنَّهَا: " مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ عَنِ الْجِزْيَةِ الْمُقَرَّرَةِ عَلَى رِقَابِهِمْ فِي كُل سَنَةٍ ".
وَقَدِ اسْتُخْدِمَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ،
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٦ - مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة ط ٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٦٢ - مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة، والمبسوط ١٠ / ٧٧ - دار المعرفة ببيروت، وأحكام أهل الذمة ١ / ٢٢، دار العلم للملايين ببيروت.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.
وَفِي الإِْيصَالاَتِ الَّتِي كَانَتْ تُعْطَى لأَِهْل الذِّمَّةِ بَعْدَ دَفْعِ الْجِزْيَةِ مُنْذُ عَصْرِ الْمَمَالِيكِ.
قَال الْمَقْرِيزِيُّ: فَأَمَّا الْجِزْيَةُ فَتُعْرَفُ فِي زَمَنِنَا بِالْجَوَالِي، فَإِنَّهَا تُسْتَخْرَجُ سَلَفًا وَتَعْجِيلًا فِي غُرَّةِ السَّنَةِ، وَكَانَ يَتَحَصَّل مِنْهَا مَالٌ كَثِيرٌ فِيمَا مَضَى.
قَال الْقَاضِي الْفَاضِل فِي مُتَجَدِّدَاتِ الْحَوَادِثِ: الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ ارْتِفَاعُ الْجَوَالِي لِسَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ وَثَلاَثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَمَّا فِي وَقْتِنَا هَذَا، فَإِنَّ الْجَوَالِيَ قَلَّتْ جِدًّا، لِكَثْرَةِ إِظْهَارِ النَّصَارَى لِلإِْسْلاَمِ فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي مَرَّتْ بِهِمْ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: تُسَمَّى - أَيْ الْجِزْيَةَ - جَالِيَةً (١) .
ج - مَال الْجَمَاجِمِ:
٤ - الْجَمَاجِمُ جَمْعُ جُمْجُمَةٍ: وَهِيَ عَظْمُ الرَّأْسِ الْمُشْتَمِل عَلَى الدِّمَاغِ، وَرُبَّمَا عُبِّرَ بِهَا عَنِ الإِْنْسَانِ، فَيُقَال: خُذْ مِنْ كُل جُمْجُمَةٍ دِرْهَمًا، كَمَا يُقَال: خُذْ مِنْ كُل رَأْسٍ دِرْهَمًا (٢) .
وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى الْجِزْيَةِ مَال الْجَمَاجِمِ؛ لأَِنَّهَا تُفْرَضُ عَلَى الرُّءُوسِ.
قَال ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
_________
(١) القلقشندي: صبح الأعشى ٣ / ٤٥٨ - نشر وزارة الثقافة والإرشاد القومي بالقاهرة، والخطط ١ / ١٠٧، رد المحتار على الدر المختار ٤ / ١٩٥ - دار الفكر ببيروت.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.
﵁: " هُوَ أَوَّل مَنْ مَسَحَ السَّوَادَ وَأَرْضَ الْجَبَل، وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى الأَْرَضِينَ، وَالْجِزْيَةَ عَلَى جَمَاجِمِ أَهْل الذِّمَّةِ فِيمَا فُتِحَ مِنْ الْبُلْدَانِ (١) .
وَقَال الْخُوَارِزْمِيُّ: وَيُسَمَّى - أَيُّ خَرَاجُ الرَّأْسِ - فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مَال الْجَمَاجِمِ، وَهِيَ جَمْعُ جُمْجُمَةٍ، وَهِيَ الرَّأْسُ (٢) .
وَجَاءَ فِي خُطَطِ الْمَقْرِيزِيِّ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ خَرَاجِ مِصْرَ: " أَوَّل مَنْ جَبَى خَرَاجَ مِصْرَ فِي الإِْسْلاَمِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁، فَكَانَتْ جِبَايَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ بِفَرِيضَةِ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ مِنْ كُل رَجُلٍ، ثُمَّ جَبَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ. . . أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ. . وَهَذَا الَّذِي جَبَاهُ عَمْرٌو ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ مِنَ الْجَمَاجِمِ خَاصَّةً دُونَ الْخَرَاجِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِالْجِزْيَةِ:
أ - الْغَنِيمَةُ:
٥ - الْغَنِيمَةُ: اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى سَبِيل الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (٤) .
وَيَدْخُل فِيهَا الأَْمْوَال وَالأَْسْرَى مِنْ أَهْل الْحَرْبِ إِذَا اسْتُرِقُّوا
_________
(١) الطبقات الكبرى ٣ / ٢٨٢ - دار صادر ببيروت.
(٢) مفاتيح العلوم ص ٤٠.
(٣) الخطط للمقريزي ١ / ٩٨.
(٤) بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٤٥ - مطبعة الإمام بالقاهرة.
فَالْغَنِيمَةُ مُبَايِنَةٌ لِلْجِزْيَةِ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَالْغَنِيمَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي الْقِتَال.
ب - الْفَيْءُ:
٦ - الْفَيْءُ: كُل مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ قَبْل الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَفَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ أَوْ رِجْلٍ (مُشَاةٍ) - أَيْ بِغَيْرِ قِتَالٍ - "
وَالْفَيْءُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا انْجَلَوْا عَنْهُ: أَيْ هَرَبُوا عَنْهُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ بَذَلُوهُ لِلْكَفِّ عَنْهُمْ. وَالثَّانِي: مَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ: كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ الصُّلْحِيِّ وَالْعُشُورِ. فَبَيْنَ الْفَيْءِ وَالْجِزْيَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، فَالْفَيْءُ أَعَمُّ مِنَ الْجِزْيَةِ (١) .
ج - الْخَرَاجُ:
٧ - الْخَرَاجُ هُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ غَيْرِ الْعُشْرِيَّةِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَال، وَوَجْهُ الصِّلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِزْيَةِ أَنَّهُمَا يَجِبَانِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ، وَيُصْرَفَانِ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ.
وَمِنَ الْفُرُوقِ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الرُّءُوسِ، أَمَّا الْخَرَاجُ فَيُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ، وَالْجِزْيَةُ تَسْقُطُ بِالإِْسْلاَمِ، أَمَّا الْخَرَاجُ فَلاَ يَسْقُطُ بِالإِْسْلاَمِ، وَيَبْقَى مَعَ الإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ (٢) .
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٩٢، ٩٣، وبداية المجتهد ١ / ٤٠٢.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٥٣.
د - الْعُشُورُ:
٨ - الْعُشُورُ فِي الاِصْطِلاَحِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عُشُورُ الزَّكَاةِ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي بَابِهِ، وَالثَّانِي: مَا يُفْرَضُ عَلَى الْكُفَّارِ فِي أَمْوَالِهِمُ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ إِذَا انْتَقَلُوا بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَأْخُوذِ عُشْرًا، أَوْ مُضَافًا إِلَى الْعُشْرِ: كَنِصْفِ الْعُشْرِ.
وَوَجْهُ الصِّلَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجِزْيَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ وَأَهْل الْحَرْبِ الْمُسْتَأْمَنِينَ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعُشُورِ وَالْجِزْيَةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى الرُّءُوسِ وَهِيَ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ لاَ يَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الشَّخْصِ، وَالْعُشْرُ عَلَى الْمَال.
تَارِيخُ تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ فِي الإِْسْلاَمِ:
٩ - بَعْدَ أَنْ تَمَّ فَتْحُ مَكَّةَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَدَخَل النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَاسْتَقَرَّتِ الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَرَ اللَّهُ ﷾ رَسُولَهُ الْكَرِيمَ بِمُجَاهَدَةِ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٨٣، والكافي لابن عبد البر في فقه أهل المدينة - ١ / ٤٨٠، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض - ط ٢ - ١٤٠٠ هـ. والمغني ٨ / ٥١٦.
الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١)﴾ وَلِهَذَا جَهَّزَ (٢) رَسُول اللَّهِ ﷺ لِقِتَال الرُّومِ وَدَعَا الْمُسْلِمِينَ إِلَى ذَلِكَ، وَنَدَبَ الأَْعْرَابَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ حَوْل الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَأَوْعَبُوا مَعَهُ وَاجْتَمَعَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ نَحْوُ ثَلاَثِينَ أَلْفًا، وَتَخَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَخَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ يُرِيدُ الشَّامَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَبَلَغَ تَبُوكَ وَنَزَل بِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، يُبَايِعُ الْقَبَائِل الْعَرَبِيَّةَ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَيَعْقِدُ الْمُعَاهَدَاتِ مَعَ الْقَبَائِل الأُْخْرَى عَلَى الْجِزْيَةِ إِلَى أَنْ تَمَّ خُضُوعُ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ لِحُكْمِ الإِْسْلاَمِ. قَال الطَّبَرِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْجِزْيَةِ: " نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أَمْرِهِ بِحَرْبِ الرُّومِ، فَغَزَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ ". ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْقَوْل مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ (٣) .
بِهَذِهِ الآْيَةِ تَمَّ تَشْرِيعُ الْجِزْيَةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ
_________
(١) سورة التوبة / ٢٩.
(٢) حديث: " تجهيز رسول الله ﷺ لقتال الروم. . . " أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام ٤ / ١٥٩ ط مصطفى الحلبي) عن الزهري وغيره مرسلا. وأصله في الصحيحين.
(٣) جامع البيان في تفسير آي القرآن ١٠ / ٧٧، والهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه - مخطوطة الخزانة العامة بالرياض.
الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ تَشْرِيعِهَا تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي وَقْتِ نُزُول الآْيَةِ.
فَذَهَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ إِلاَّ بَعْدَ نُزُول آيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٍ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَذَهَبَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَى أَنَّ آيَةَ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، حَيْثُ قَال عِنْدَ تَفْسِيرِهِ لِلآْيَةِ: هَذِهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ أَوَّل الأَْمْرِ بِقِتَال أَهْل الْكِتَابِ بَعْدَمَا تَمَهَّدَتْ أُمُورُ الْمُشْرِكِينَ وَدَخَل النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَاسْتَقَامَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِقِتَال أَهْل الْكِتَابَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ (١) .
هَذَا وَلَمْ يَأْخُذْ رَسُول اللَّهِ ﷺ جِزْيَةً مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ قَبْل نُزُول آيَةِ الْجِزْيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَمَجُوسِ هَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ أَهْل أَيْلَةَ، وَأَذْرُحَ، وَأَهْل أَذْرِعَاتٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقَبَائِل النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُ فِي أَطْرَافِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ (٢) .
رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - إِلَى ابْنِ شِهَابٍ
_________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد ٢ / ٨٨ - دار إحياء التراث العربي ببيروت، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢ / ٣٤٧ - دار المعرفة ببيروت.
(٢) نجران (بفتح النون وسكون الجيم وفتح الراء): بلدة ما بين مكة واليمن على نحو سبع مراحل من مكة (تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٣ / ١٧٦) .
قَال: " أَوَّل مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْل نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى (١) ".
وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا - أَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَجُوسِ وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَأَخَذَهَا مِنَ النَّصَارَى (٢) . وَيَقْصِدُ مَجُوسَ الْبَحْرَيْنِ (٣) أَوْ مَجُوسَ هَجَرَ (٤) .
رَوَى الْبُخَارِيُّ - بِسَنَدِهِ - إِلَى الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَال: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأَْنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَة إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ هُوَ صَالَحَ أَهْل الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ (٥) .
وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا ﷺ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ
_________
(١) حديث: " أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى " أخرجه أبو عبيد في الأموال (٤١ ط دار الفكر) مرسلا.
(٢) زاد المعاد ٢ / ٨٨.
(٣) كان المراد بالبحرين في ذلك العهد ما بين عمان إلى البصرة (معجم البلدان لياقوت ١ / ٣٤٧، وتهذيب الأسماء ٣ / ٣٧، واللسان ١ / ٦٦) .
(٤) هجر (بفتح الهاء والجيم): اسم بلد بالبحرين، وتعتبر هجر قاعدة البحرين، وقيل: ناحية البحرين كلها هجر. (معجم البلدان ٥ / ٣٩٣) .
(٥) حديث: " كان رسول الله هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء الحضرمي ". أخرجه البخاري (٤ / ١١٧ ط عيسى صبيح) من حديث المسور بن مخرمة.