الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
وَمَجُوسِ هَجَرَ أَخَذَهَا مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِل الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّة فِي تَبُوكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ فَأَخَذَهَا مِنْ أَهْل أَيْلَةَ (١) حَيْثُ قَدِمَ يُوحَنَّا بْنُ رُؤْبَةَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي تَبُوكَ، وَصَالَحَهُ عَلَى كُل حَالِمٍ بَالِغٍ بِأَرْضِهِ فِي السَّنَةِ دِينَارٌ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ قِرَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِأَنْ يُحْفَظُوا وَيُمْنَعُوا (٢) . وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْل أَذْرُحَ (٣) وَأَهْل الْجَرْبَاءِ (٤) وَأَهْل تَبَالَةَ
_________
(١) أيلة (بفتح الهمزة وإسكان الياء): بلدة معروفة على ساحل البحر آخر الحجاز وأول الشام. وتعرف اليوم بالعقبة (معجم البلدان ١ / ٢٩٢، وتهذيب الأسماء للنووي ١ / ١٩) .
(٢) حديث قدوم " يوحنة بن رؤبة على رسول الله في تبوك. . . " أخرجه ابن إسحاق في السيرة (٤ / ١٦٩ ط مصطفى الحلبي) وفي سنده انقطاع. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١ / ٢٩٠ ط دار بيروت) وفي سنده الواقدي وهو متكلم فيه. وانظر فتوح البلدان ص ٧١ - دار الكتب العلمية ببيروت، والطبقات ١ / ٢٩٠، الواقدي: المغازي - عالم الكتب ببيروت ٣ / ١٠٣١، والأموال لأبي عبيد ص ٢٨٧، والأموال لابن زنجويه ٢ / ٤٦٣.
(٣) أذرح (بفتح الهمزة وسكون الذال وضم الراء): اسم بلد من أطراف الشام من نواحي البلقاء. (معجم البلدان ١ / ١٢٩) .
(٤) الجرباء: قرية من قرى أذرح في أطراف الشام (معجم البلدان ٢ / ١١٨) .
وَجَرَشَ، وَأَهْل أَذْرِعَاتٍ (١) وَأَهْل مَقْنَا (٢)، وَكَانَ أَهْلُهَا يَهُودًا، فَصَالَحَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى رُبُعِ غُزُولِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَمَا يَصْطَادُونَ عَلَى الْعَرُوكِ (٣) .
وَأَخَذَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ، حَيْثُ أَرْسَل مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَيْهِمْ. فَقَال مُعَاذٌ: " بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا (٤) ".
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ كِتَابَ الرَّسُول إِلَى أَهْل الْيَمَنِ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَى أَهْل الْيَمَنِ. . وَأَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ،
_________
(١) أذرعات (بالفتح ثم السكون وكسر الراء): بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. (معجم البلدان ١ / ١٣٠) .
(٢) مقنا: قرية قرب أيلة. (معجم البلدان ٥ / ١٨٧) .
(٣) فتوح البلدان ص ٧١، والطبقات ١ / ٢٩٠، والعروك: الخشب الذي يصطادون عليه. وحديث: " فصالحهم رسول الله ﷺ على ربع غزولهم وثمارهم " أخرجه ابن سعد في الطبقات (١ / ٢٩٠ ط دار بيروت) وفي سنده الواقدي وهو متكلم فيه.
(٤) حديث: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٤ ط عزت عبيد الدعاس)، والترمذي (٣ / ١١ ط مصطفى الحلبي) . وقال: حديث حسن. والنسائي (٥ / ٢٦ ط دار البشائر) من حديث معاذ، والحاكم (١ / ٣٩٨ ط دار الكتاب العربي) . وقال صحيح على شرط الشيخين.
وَمَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَنُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ (١) .
الأَْدِلَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ:
١٠ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْجِزْيَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢)﴾ .
فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا. وَلِهَذَا شَرَعَ اللَّهُ مُجَاهَدَةَ الْكَافِرِينَ، وَمُقَاتَلَتَهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَيَدْخُلُوا الدِّينَ الْحَقَّ، أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سَبَقَ بَعْضُهَا.
_________
(١) أبو عبيد: الأموال ص ٣١، ابن زنجويه: الأموال ١ / ١٢٨. وحديث: " من محمد إلى أهل اليمن. . وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني. . . ". أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (٣٥ ط دار الفكر) مرسلا عن عروة بن الزبير.
(٢) سورة التوبة / ٢٩.
(٣) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان - على هامش تفسير الطبري ١٠ / ٦٦.
وَمِنْهَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ بُرَيْدَةَ. كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. ثُمَّ قَال: اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيل اللَّهِ. قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. اغْزُوَا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ. فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ. فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل عَنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ (١) .
فَقَوْلُهُ: فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ وَإِقْرَارِهَا.
_________
(١) حديث: " اغزوا باسم الله. في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٥٦ - ١٣٥٨)، وأبو داود (٣ / ٨٣ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٤ / ١٦٢ ط مصطفى الحلبي) من حديث بريدة.
١١ - أَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ تَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَل مِنَ الْكُفَّارِ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ أَوِ السَّيْفُ: كَحَدِيثِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (١) .
فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي بِدَايَةِ الإِْسْلاَمِ قَبْل نُزُول آيَةِ بَرَاءَةٍ، وَسُورَةُ بَرَاءَةٍ مِنْ آخِرِ مَا نَزَل مِنَ الْقُرْآنِ، قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا تُوَجَّهُ هَذِهِ الأَْحَادِيثُ عَلَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا قَال ذَلِكَ فِي بَدْءِ الإِْسْلاَمِ، وَقَبْل أَنْ تَنْزِل سُورَةُ بَرَاءَةٍ، وَيُؤْمَرَ فِيهَا بِقَبُول الْجِزْيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢)﴾، وَإِنَّمَا نَزَل هَذَا فِي آخِرِ الإِْسْلاَمِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ، مِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُثْمَانَ ﵄ قَال: " كَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَل مِنَ الْقُرْآنِ وَقَال مُجَاهِدٌ فِي آيَةِ الْجِزْيَةِ: نَزَلَتْ حِينَ أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَال: سَمِعْتُ هُشَيْمًا يَقُول: كَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ
_________
(١) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥١ - ٥٢) ط عيسى الحلبي. من حديث عمر بن الخطاب.
(٢) سورة التوبة / ٢٩.
(٣) الأموال لأبي عبيد ص ٢٨، ٢٩، الأموال لابن زنجويه ١ / ١١٦.
أَخْذِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ وَسَائِرُ الْخُلَفَاءِ دُونَ إِنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ إِجْمَاعًا (١) .
الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ:
١ - الْجِزْيَةُ عَلاَمَةُ خُضُوعٍ وَانْقِيَادٍ لِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ:
١٢ - قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: قَوْلُهُ ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ (٢)﴾
قِيل: مَعْنَاهُ عَنْ ذُلٍّ وَعَنِ اعْتِرَافٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَقِيل عَنْ يَدٍ: أَيْ عَنْ إِنْعَامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ قَبُول الْجِزْيَةِ وَتَرْكَ أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ وَيَدٌ مِنَ الْمَعْرُوفِ جَزِيلَةٌ. وَقِيل: عَنْ يَدٍ أَيْ عَنْ قَهْرٍ وَذُلٍّ وَاسْتِسْلاَمٍ كَمَا تَقُول: الْيَدُ فِي هَذَا لِفُلاَنٍ أَيِ الأَْمْرُ النَّافِذُ لِفُلاَنٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَزِّيِّ: عَنْ يَدٍ قَال: نَقْدًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ
وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: كُل مَنْ أَطَاعَ لِمَنْ قَهَرَهُ فَأَعْطَاهُ عَنْ غَيْرِ طِيبَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ أَعْطَاهَا عَنْ يَدٍ (٣) . . ".
_________
(١) المغني ٨ / ٤٩٥، والمبدع ٣ / ٤٠٥، وأحكام أهل الذمة ١ / ١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٢، - مطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة ١٩٥٨، وكفاية الأخيار ٢ / ١٣٣ - دار المعرفة ببيروت.
(٢) سورة التوبة / ٢٩.
(٣) لسان العرب ٣ / ١٠٠٧، المفردات في غريب القرآن ص ٥٥١.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾، فَقَال النَّيْسَابُورِيُّ:
﴿عَنْ يَدٍ﴾ إِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الْمُعْطِي فَالْمُرَادُ: عَنْ يَدٍ مُؤَاتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ، يُقَال أَعْطَى بِيَدِهِ إِذَا انْقَادَ وَأَصْحَبَ، أَوِ الْمُرَادُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ وَلاَ مَبْعُوثًا عَلَى يَدِ أَحَدٍ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الآْخِذِ فَمَعْنَاهُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ قَاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ أَيْ بِسَبَبِهَا، أَوِ الْمُرَادُ عَنْ إِنْعَامٍ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بَدَلًا عَنْ أَرْوَاحِهِمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ (١) .
وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ الصَّغَارَ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَال: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ يَقُولُونَ: الصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الإِْسْلاَمِ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالُوا بِمَا قَالُوا، لاِمْتِنَاعِهِمْ مِنَ الإِْسْلاَمِ. فَإِذَا جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فَقَدْ أَصَغَرُوا بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ دَفْعُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْخُضُوعُ لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مُوجِبًا لِلصَّغَارِ (٢) .
٢ - الْجِزْيَةُ وَسِيلَةٌ لِهِدَايَةِ أَهْل الذِّمَّةِ:
١٣ - قَال الْقَرَافِيُّ: " إِنَّ قَاعِدَةَ الْجِزْيَةِ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ هُوَ شَأْنُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ،
_________
(١) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان ١٠ / ٦٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢ / ٣٤٧، وزاد المسير ٣ / ٤٢٠، وأحكام القرآن للشافعي ٢ / ٦١.
بَيَانُهُ: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قُتِل انْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الإِْيمَانِ، وَبَابُ مَقَامِ سَعَادَةِ الإِْيمَانِ، وَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ، وَغَضَبُ الدَّيَّانِ، فَشَرَعَ اللَّهُ الْجِزْيَةَ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ فِي مُسْتَقْبَل الأَْزْمَانِ، لاَ سِيَّمَا بِاطِّلاَعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ (١) ".
وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ مِنْ جَانِبَيْنِ:
الأَْوَّل: الصَّغَارُ الَّذِي يَلْحَقُ أَهْل الذِّمَّةِ عِنْدَ دَفْعِ الْجِزْيَةِ.
وَقَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: " فَكَمَا يَقْتَرِنُ بِالزَّكَاةِ الْمَدْحُ وَالإِْعْظَامُ وَالدُّعَاءُ لَهُ، فَيَقْتَرِنُ بِالْجِزْيَةِ الذُّل وَالذَّمُّ، وَمَتَى أُخِذَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتُوا عَلَى الْكُفْرِ لِمَا يَتَدَاخَلُهُمْ مِنَ الأَْنَفَةِ وَالْعَارِ، وَمَا كَانَ أَقْرَب إِلَى الإِْقْلاَعِ عَنِ الْكُفْرِ فَهُوَ أَصْلَحُ فِي الْحِكْمَةِ وَأَوْلَى بِوَضْعِ الشَّرْعِ (٢) .
وَالثَّانِي: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى دَفْعِ الْجِزْيَةِ مِنْ إِقَامَةٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَاطِّلاَعٍ عَلَى مَحَاسِنِهِ.
وَقَال الْحَطَّابُ - فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ -: الْحِكْمَةُ فِي وَضْعِ الْجِزْيَةِ أَنَّ الذُّل الَّذِي يَلْحَقُهُمْ يَحْمِلُهُمْ
_________
(١) الفروق للقرافي ٣ / ٢٣.
(٢) أحكام القرآن لألكيا الهراس ٤ / ٤٣ - مطبعة حسان بالقاهرة ط ١، وشرح الموطأ ٣ / ١٣٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٠، وحاشية البجيرمي ٤ / ٢٦٨، مغني المحتاج ٤ / ٢٤٢، نيل الأوطار ٨ / ٦٥.
عَلَى الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ مَعَ مَا فِي مُخَالَطَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الاِطِّلاَعِ عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ (١) .
٣ - الْجِزْيَةُ وَسِيلَةٌ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الاِسْتِئْصَال وَالاِضْطِهَادِ:
١٤ - الْجِزْيَةُ نِعْمَةٌ عُظْمَى تُسْدَى لأَِهْل الذِّمَّةِ، فَهِيَ تَعْصِمُ أَرْوَاحَهُمْ وَتَمْنَعُ عَنْهُمْ الاِضْطِهَادَ، وَقَدْ أَدْرَكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ أَهْل الذِّمَّةِ الأَْوَائِل، فَلَمَّا رَدَّ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْل حِمْصَ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ تَوْفِيرَ الْحِمَايَةِ لَهُمْ قَالُوا لِوُلاَتِهِ: " وَاللَّهِ لَوِلاَيَتُكُمْ وَعَدْلُكُمْ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ فَقَدْ أَقَرَّ أَهْل حِمْصَ بِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ خِلاَفِهِمْ لَهُمْ فِي الدِّينِ، أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ حُكْمِ أَبْنَاءِ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ لِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِنْ ظُلْمٍ وَجَوْرٍ وَاضْطِهَادٍ وَعَدَمِ احْتِرَامٍ لِلنَّفْسِ الإِْنْسَانِيَّةِ (٢) .
فَإِذَا قَارَنَّا بَيْنَ الْجِزْيَةِ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ صَغَارٍ، وَبَيْنَ تِلْكَ الأَْعْمَال الْوَحْشِيَّةِ الَّتِي يُمَارِسُهَا أَهْل الْعَقَائِدِ مَعَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي الْمُعْتَقَدِ، تَكُونُ الْجِزْيَةُ نِعْمَةً مُسْدَاةً إِلَى أَهْل الذِّمَّةِ، وَرَحْمَةً مُهْدَاةً إِلَيْهِمْ، وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالاِعْتِرَافَ بِالْجَمِيل لِلْمُسْلِمِينَ.
_________
(١) الحطاب ٣ / ٣٨٠، وشرح الموطأ ٣ / ١٣٨.
(٢) البلاذري: فتوح البلدان ص ١٤٣.
٤ - الْجِزْيَةُ مَوْرِدٌ مَالِيٌّ تَسْتَعِينُ بِهِ الدَّوْلَةُ
الإِْسْلاَمِيَّةُ فِي الإِْنْفَاقِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ
وَالْحَاجَاتِ الأَْسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ.
١٥ - تُعْتَبَرُ الْجِزْيَةُ مَوْرِدًا مَالِيًّا مِنْ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْحَاجَاتِ الأَْسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ: كَالدِّفَاعِ عَنِ الْبِلاَدِ، وَتَوْفِيرِ الأَْمْنِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَتَحْقِيقِ التَّكَافُل الاِجْتِمَاعِيِّ، وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ: كَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْجُسُورِ وَالطُّرُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ: " فِي أَخْذِهَا مَعُونَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَرِزْقٌ حَلاَلٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ (١) ".
وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: " بَل هِيَ نَوْعُ إِذْلاَلٍ لَهُمْ وَمَعُونَةٌ لَنَا (٢) ".
وَجِبَايَةُ الْمَال لَيْسَتْ هِيَ الْهَدَفُ الأَْسَاسِيُّ مِنْ تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ، وَإِنَّمَا الْهَدَفُ الأَْسَاسِيُّ هُوَ تَحْقِيقُ خُضُوعِ أَهْل الذِّمَّةِ إِلَى حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَيْشُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لِيَطَّلِعُوا عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ وَعَدْل الْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ هَذِهِ الْمَحَاسِنُ بِمَثَابَةِ الأَْدِلَّةِ الْمُقْنِعَةِ لَهُمْ عَلَى الإِْقْلاَعِ عَنِ الْكُفْرِ وَالدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ، وَالَّذِي يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِي
_________
(١) ابن العربي: أحكام القرآن - مطبعة عيسى الحلبي بالقاهرة ٢ / ٩٢٥.
(٢) الشربيني الخطيب: مغني المحتاج ٤ / ٢٤٢.