الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
إِلَى تِسْعٍ وَثَلاَثِينَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنَمِ. فَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ وَلاَ يُجْزِئُ مِنَ الْمَعْزِ إِلاَّ الثَّنِيُّ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ الْجَذَعُ فِي زَكَاةِ الشِّيَاهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُجْزِئُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الضَّأْنِ أَمْ مِنَ الْمَعْزِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ: (الزَّكَاةُ، وَالأُْضْحِيَّةُ، وَالْهَدْيُ) .
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار ١ / ١٠٨، ومواهب الجليل ٢ / ٢٦٢، والقوانين الفقهية / ١١٢، ١١٣، وروضة الطالبين ٢ / ١٥١، ١٥٢، ١٥٣، والمغني ٢ / ٥٧٥، ٥٧٨، ٦٠٥.
جِرَاحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجِرَاحُ لُغَةً، جَمْعُ جُرْحٍ وَهُوَ مِنَ الْجَرْحِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ نَفَعَ. يُقَال: جَرَحَهُ يَجْرَحُهُ جَرْحًا إِذَا أَثَّرَ فِيهِ بِالسِّلاَحِ
وَالْجُرْحُ - بِضَمِّ الْجِيمِ - الاِسْمُ، وَالْجَمْعُ جُرُوحٌ، وَجِرَاحٌ، وَجَاءَ جَمْعُهُ عَلَى أَجْرَاحٍ، وَالْجِرَاحَةُ اسْمُ الضَّرْبَةِ أَوِ الطَّعْنَةِ. وَيُقَال امْرَأَةٌ جَرِيحٌ وَرَجُلٌ جَرِيحٌ، وَالاِسْتِجْرَاحُ: النُّقْصَانُ وَالْعَيْبُ وَالْفَسَادُ. يُقَال اسْتَجْرَحَتِ الأَْحَادِيثُ أَيْ فَسَدَتْ وَجُرِّحَ رُوَاتُهَا، وَيُقَال جَرَحَهُ بِلِسَانٍ جَرْحًا عَابَهُ وَتَنَقَّصَهُ، وَمِنْهُ جَرَحَ الشَّاهِدَ إِذَا طَعَنَ فِيهِ وَرَدَّ قَوْلَهُ وَأَظْهَرَ فِيهِ مَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْجِرَاحِ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ.
وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ الْجِرَاحِ عَلَى أَبْوَابِ الْجِنَايَاتِ تَغْلِيبًا لأَِنَّهَا أَكْثَرُ طُرُقِ الزُّهُوقِ، وَاسْتَعْمَل بَعْضُهُمْ لَفْظَ " الْجِنَايَاتِ " لأَِنَّهَا أَعَمُّ مِنَ الْجِرَاحِ، فَهِيَ تَشْمَل الْقَتْل بِالسَّمِّ، أَوْ بِالْمُثَقَّل،
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (جرح) .
أَوْ بِالْخَنْقِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِل الْقَتْل غَيْرِ الْجِرَاحِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الشِّجَاجُ:
٢ - الشِّجَاجُ جَمْعُ شَجَّةٍ، وَهِيَ الْجُرْحُ يَكُونُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فِي الأَْصْل، وَلاَ يَكُونُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي غَيْرِهَا مِنَ الأَْعْضَاءِ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: يَسْتَعْمِل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ " الشِّجَاجَ " فِي جِرَاحِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَأُطْلِقَ لَفْظُ " جِرَاحٍ " عَلَى مَا كَانَ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ.
وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَعْمَل الشِّجَاجَ وَالْجِرَاحَ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا، فِي الْجِرَاحِ فِي جَمِيعِ الْجِسْمِ.
وَمَنْ فَرَّقَ فِي اسْتِعْمَال اللَّفْظِ اعْتَمَدَ عَلَى اللُّغَةِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ مُغَايَرَةِ الْعَرَبِ فِي الاِسْتِعْمَال بَيْنَهُمَا، كَمَا اعْتَمَدَ عَلَى الْمَعْنَى، فَإِنَّ الأَْثَرَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى شِجَاجِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ يَخْتَلِفُ عَنْ أَثَرِ الْجِرَاحِ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ.
وَذَلِكَ لِبَقَاءِ أَثَرِ الشِّجَاجِ غَالِبًا فَيَلْحَقُ الْمَشْجُوجَ الشَّيْنُ بِخِلاَفِ سَائِرِ الْبَدَنِ؛ لأَِنَّ الشَّيْنَ لاَ يَلْحَقُ غَالِبًا إِلاَّ فِيمَا يَظْهَرُ كَالْوَجْهِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٧ / ٢٣٣.
(٢) لسان العرب مادة: (شجج) .
وَالرَّأْسِ، أَمَّا سَائِرُ الْبَدَنِ فَالْغَالِبُ فِيهِ أَنْ يُغَطَّى فَلاَ يَظْهَرُ فِيهِ الشَّيْنُ (١) .
وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - فِي بَيَانِ مُتَعَلَّقِ الْجِنَايَةِ فِي غَيْرِ النَّفْسِ: إِنْ أَفَاتَتْ بَعْضَ الْجِسْمِ فَقَطْعٌ، وَإِلاَّ فَإِنْ أَزَالَتْ اتِّصَال عَظْمٍ لَمْ يَبِنْ فَكَسْرٌ، وَإِلاَّ فَإِنْ أَثَّرَتْ فِي الْجِسْمِ فَجَرْحٌ، وَإِلاَّ فَإِتْلاَفُ مَنْفَعَةٍ (٢) .
ب - الْفَصْدُ:
٣ - الْفَصْدُ شَقُّ الْعِرْقِ وَقَطْعُهُ، يُقَال فَصَدَهُ يَفْصِدُهُ فَصْدًا وَفِصَادًا فَهُوَ مَفْصُودٌ وَفَصِيدٌ. وَفَصْدُ النَّاقَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَقُّ عِرْقِهَا لِيَسْتَخْرِجَ دَمَ الْعِرْقِ فَيَشْرَبَهُ، وَسُمِّيَ " الْفَصِيدَ "
وَالْفَصْدُ أَخَصُّ مِنَ الْجِرَاحِ؛ لأَِنَّ الْفَصْدَ يَكُونُ فِي الْعِرْقِ فَقَطْ، أَمَّا الْجِرَاحُ فَتَكُونُ فِي الْعِرْقِ وَغَيْرِهِ (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - يَحْرُمُ إِحْدَاثُ جَرْحٍ فِي مَعْصُومِ الدَّمِ أَوْ مَالِهِ، وَصَيْدِ الْحَرَمِ وَصَيْدِ الْبَرِّ عُمُومًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٨ / ٢٩٦ ط - الأولى - الجمالية مصر، والبحر الرائق ٨ / ٣٨١ ط - الأولى - العالمية - مصر، وكشاف القناع ٦ / ٥١ ط - الرياض مكتبة النصر.
(٢) الشرح الصغير ٤ / ٣٤٧.
(٣) لسان العرب مادة: (فصد) .
بِغَيْرِ حَقٍّ كَالدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْجِرَاحِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهَا.
تَطَهُّرُ الْجُرْحِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الْجَرِيحِ الَّذِي يَتَضَرَّرُ مِنْ غَسْل جِرَاحَتِهِ، أَنْ يَمْسَحَ عَلَى عَيْنِ الْجِرَاحَةِ إِذَا كَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لاَ يَضُرُّهُ، وَإِلاَّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ. وَخَوْفُ الضَّرَرِ الْمُجِيزُ لِلْمَسْحِ هُوَ الْخَوْفُ الْمُجِيزُ لِلتَّيَمُّمِ (١) . عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي: (جَبِيرَةٌ) .
وَفِي الطَّهَارَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَوْ كَانَ أَكْثَرُ الْبَدَنِ أَوْ نِصْفُهُ جَرِيحًا فَالْوَاجِبُ فِي حَقِّهِ التَّيَمُّمُ، وَالْكَثْرَةُ تُعْتَبَرُ بِعَدَدِ الأَْعْضَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ صَحِيحًا غَسَل الصَّحِيحَ وَمَسَحَ الْجَرِيحَ، وَإِنْ ضَرَّهُ الْمَسْحُ تَرَكَهُ. وَلاَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْغَسْل وَالتَّيَمُّمِ إِذْ لاَ نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ لأَِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَل وَالْمُبْدَل (٢) .
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي حَال الْجُرْحِ، فَلَهُ عِنْدَهُمْ حَالَتَانِ:
الأُْولَى: أَنْ لاَ يَتَضَرَّرُ مِنْ غَسْل الْجُزْءِ الصَّحِيحِ الْمُحِيطِ بِالْجُرْحِ، فَالْوَاجِبُ فِي حَقِّهِ مَسْحُ الْجُرْحِ وُجُوبًا إِذَا خَافَ الْهَلاَكَ أَوْ شِدَّةَ الضَّرَرِ، وَجَوَازًا إِنْ خَافَ شِدَّةَ الأَْلَمِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَضَرَّرَ مِنْ غَسْل الصَّحِيحِ
_________
(١) حاشية الطحطاوي ص ٧٢، وحاشية الدسوقي ١ / ١٦٢.
(٢) حاشية الطحطاوي ص ٦٨.
الْمُحِيطِ بِالْجُرْحِ، فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ سَوَاءٌ أَكَانَ الصَّحِيحُ هُوَ الأَْكْثَرَ أَوِ الأَْقَل. كَمَا لَوْ عَمَّتِ الْجِرَاحَةُ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَتَعَذَّرَ الْغَسْل فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ.
وَإِنْ تَكَلَّفَ الْجَرِيحُ وَغَسَل الْجُرْحَ أَوْ غَسَلَهُ مَعَ الصَّحِيحِ الضَّارِّ غَسْلُهُ أَجْزَأَ؛ لإِتْيَانِهِ بِالأَْصْل، وَإِنْ تَعَذَّرَ وَشَقَّ مَسُّ الْجُرْحِ بِالْمَاءِ، وَالْجِرَاحَةُ وَاقِعَةٌ فِي أَعْضَاءِ تَيَمُّمِهِ تَرَكَهَا بِلاَ غَسْلٍ وَلاَ مَسْحٍ؛ لِتَعَذُّرِ مَسِّهَا وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا نَاقِصًا، بِأَنْ يَغْسِل أَوْ يَمْسَحَ مَا عَدَاهَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَوَّلُهَا: يَتَيَمَّمُ لِيَأْتِيَ بِطَهَارَةٍ تُرَابِيَّةٍ كَامِلَةٍ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ كَانَتْ طَهَارَتُهُ نَاقِصَةً لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ غَسْل الْجُرْحِ.
ثَانِيهَا: يَغْسِل مَا صَحَّ وَيَسْقُطُ مَحَل الْجِرَاحِ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
ثَالِثُهَا: يَتَيَمَّمُ إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحَةُ أَكْثَرَ مِنَ الصَّحِيحِ لأَِنَّ الأَْقَل تَابِعٌ لِلأَْكْثَرِ.
رَابِعُهَا: يَجْمَعُ بَيْنَ الْغَسْل وَالتَّيَمُّمِ فَيَغْسِل الصَّحِيحَ وَيَتَيَمَّمُ لِلْجَرِيحِ، وَيُقَدِّمُ الْغَسْل (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ الْجَرِيحَ الْمُحْدِثَ إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْل، وَخَافَ مِنِ
_________
(١) الشرح الصغير ١ / ٢٠٢، وحاشية الدسوقي ١ / ١٦٢ - ١٦٦.
اسْتِعْمَال الْمَاءِ الْخَوْفَ الْمُجَوِّزَ لِلتَّيَمُّمِ، بِأَنْ كَانَ يَتَضَرَّرُ مِنْ غَسْل الْجِرَاحَةِ أَوْ مَسْحِهَا، لَزِمَهُ غَسْل الصَّحِيحِ وَالتَّيَمُّمُ عَنِ الْجَرِيحِ. وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي غُسْل الْجَنَابَةِ، فَإِنْ شَاءَ غَسَل الصَّحِيحَ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنِ الْجَرِيحِ، وَإِنْ شَاءَ تَيَمَّمَ ثُمَّ غَسَل إِذْ لاَ تَرْتِيبَ فِي طَهَارَتِهِ.
أَمَّا فِي الْوُضُوءِ فَالتَّرْتِيبُ وَاجِبٌ، فَلاَ يَنْتَقِل مِنْ عُضْوٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى يُكْمِل طَهَارَتَهُ، فَإِذَا كَانَتِ الْجِرَاحَةُ فِي الْوَجْهِ مَثَلًا، وَجَبَ تَكْمِيل طَهَارَةِ الْوَجْهِ أَوَّلًا، فَإِنْ شَاءَ غَسَل صَحِيحَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنْ جَرِيحِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَيَمَّمَ ثُمَّ غَسَل، فَيُخَيَّرُ بِلاَ أَوْلَوِيَّةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ لاَ يُرَاعَى فِيهِ التَّرْتِيبُ. وَالأَْوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَقْدِيمُ التَّيَمُّمِ.
أَمَّا لَوْ غَسَل صَحِيحَ وَجْهِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ لِجَرِيحِهِ وَجَرِيحِ يَدَيْهِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَفُوتُ التَّرْتِيبُ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ الْمَسْحُ بِالْمَاءِ عَلَى الْجُرْحِ وَجَبَ مَسْحُهُ لأَِنَّ الْغَسْل مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَسْحُ بَعْضُهُ، فَوَجَبَ كَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الإِْيمَاءِ. فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ نَجِسًا تَيَمَّمَ وَلَمْ يَمْسَحْ، فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا أُلْغِيَتْ وَكَفَتْ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ، وَإِلاَّ
نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (طَهَارَةٌ، وَتَيَمُّمٌ، وَجَبِيرَةٌ، وَوُضُوءٌ) .
غَسْل الْمَيِّتِ الْجَرِيحِ:
٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ الْمَجْرُوحَ، وَالْمَجْدُورَ، وَذَا الْقُرُوحِ، وَمَنْ تَهَشَّمَ تَحْتَ الْهَدْمِ وَشِبْهَهُمْ، إِنْ أَمْكَنَ تَغْسِيلُهُ غُسِّل، وَإِلاَّ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنْ زَادَ أَمْرُهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ خُشِيَ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ تَزَلُّعُهُ (٢) أَوْ تَقَطُّعُهُ فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْتَقَل إِلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْغُسْل لِخَوْفِ تَهَرِّيهِ؛ لأَِنَّ التَّطْهِيرَ لاَ يَتَعَلَّقُ بِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ فَوَجَبَ الاِنْتِقَال فِيهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَاءِ إِلَى التَّيَمُّمِ كَغُسْل الْجَنَابَةِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ وَخِيفَ مِنْ غَسْلِهِ إِسْرَاعُ الْبِلَى إِلَيْهِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَجَبَ غُسْلُهُ لأَِنَّ الْجَمِيعَ صَائِرُونَ إِلَى الْبِلَى (٤) .
وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى قَوْلٍ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (غُسْلٌ، وَمَوْتٌ) .
_________
(١) المجموع ٢ / ٢٨٨، ٢٨٩، وكشاف القناع ١ / ١٦٥، ١٦٦.
(٢) تشقق الجلد.
(٣) الخرشي على خليل ٢ / ١١٦، والشرح الصغير ١ / ٥٤٤، ٥٤٥، وكشاف القناع ٢ / ١٠٢.
(٤) المجموع ٥ / ١٧٨.
حُكْمُ جَرِيحِ الْمَعْرَكَةِ:
٧ - الأَْصْل أَنَّ الشَّهِيدَ - وَهُوَ مَنْ مَاتَ فِي الْمَعْرَكَةِ بِقِتَال الْكُفَّارِ - لاَ يُغَسَّل، أَمَّا إِذَا جُرِحَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَرُفِعَ مِنَ الْمُعْتَرَكِ حَيًّا، فَأَكَل أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ طَال بَقَاؤُهُ عُرْفًا أَوْ تَدَاوَى، أَوْ ارْتَفَقَ بِمَرَافِقِ الْحَيَاةِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الشَّهَادَةُ بَل هُوَ شَهِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَدَلِيلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ تَغْسِيلُهُ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (١) وَلأَِنَّ الاِرْتِفَاقَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَالأَْصْل وُجُوبُ الْغُسْل وَالصَّلاَةِ؛ وَلأَِنَّ بِالاِرْتِفَاقِ خَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ الَّذِي يَمُوتُ فِي أَرْضِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَال بِجِرَاحَةٍ يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ مِنْهَا، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَغَيْرُ شَهِيدٍ فِي الأَْظْهَرِ (٢) وَلَهُمْ فِي
_________
(١) حديث: " تغسيل النبي ﷺ لسعد بن معاذ ". أورده صاحب كشاف القناع ٢ / ١٠٠ والذي ثبت عنه ﷺ " أنه صلى على سعد ". كما أخرجه أحمد في مسنده (٣ / ٣٦٠ - ط الميمنية)، ولم يرد عنه أنه غسله وفي أي مصدر من مصادر الحديث التي اطلعنا
(٢) فتح القدير ٢ / ١٠٨، والخرشي على خليل ٢ / ١٤١، والمجموع ٥ / ٢٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٩٠، وكشاف القناع ٢ / ١٠٠.
غَيْرِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ شَهِيدٍ.
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (شَهِيدٌ، جَنَائِزُ، غُسْلٌ، ارْتِثَاثٌ) .
حُكْمُ الْجُرُوحِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَعَلَى خِلاَفٍ فِي التَّفْصِيل.
وَالأَْصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَْنْفَ بِالأَْنْفِ وَالأُْذُنَ بِالأُْذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١)﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ عَمَّتِهِ الرُّبَيِّعِ لَمَّا كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، وَعَرَضُوا الأَْرْشَ فَأَبَوْا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ (٢) .
وَقَسَّمَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ الْجُرُوحِ حَسَبَ مَوْقِعِهَا وَدَرَجَتِهَا وَأَثَرِهَا إِلَى أَقْسَامٍ، فَالَّذِي يَقَعُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَيُسَمَّى شِجَاجًا (٣)، وَيُنْظَرُ
_________
(١) سورة المائدة / ٤٥.
(٢) حديث: " كتاب الله: القصاص " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ١٧٧ - ط السلفية) من حديث أنس بن مالك.
(٣) البناية ١٠ / ١٥٣، والدسوقي ٤ / ٢٥١، والشرح الصغير ٤ / ٣٥٠، وروضة الطالبين ٩ / ١٧٩، ١٨٠، وكشاف القناع ٥ / ٥٥٨.