الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
الْكَرِيمَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. . .﴾ (١) .
وَيَدْخُل فِي غَسْل الْجَبْهَةِ أَسَارِيرُهَا، وَهِيَ خُطُوطُ الْجَبْهَةِ وَانْكِمَاشُهَا إِنْ لَمْ تَلْحَقْ بِهِ مَشَقَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (٢) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وُضُوءٌ، وَتَيَمُّمٌ) .
ثَانِيًا - وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَْرْضِ فِي السُّجُودِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ أَقَل السُّجُودِ وَضْعُ بَعْضِ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي عَلَى مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الأَْرْضِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَتُفْرَضُ السَّجْدَةُ عَلَى أَيْسَرِ جُزْءٍ مِنَ الْجَبْهَةِ لِمَنْ كَانَ قَادِرًا، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَيْهَا حَال الاِخْتِيَارِ لاَ يَجْزِيهِ (٣)، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْجَدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ وَقَال: هَذَا وَاحِدٌ (٤) .
_________
(١) سورة المائدة / ٦.
(٢) الزرقاني ١ / ٥٦.
(٣) البدائع ١ / ١٠٥، ٢١٠، والإقناع ١ / ١٢٥، ونهاية المحتاج ١ / ٤٨٩، وكفاية الطالب ١ / ٢١٠، ٢١١، وروضة الطالبين ١ / ٢٥٦، وكشاف القناع ١ / ٣٧١، وفتح الباري ٢ / ٢٩٦.
(٤) حديث ابن عباس: أمر النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين. أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٩٥ - ط السلفية) والنسائي (٢ / ٢١٠ - ط المكتبة التجارية) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (سُجُودٌ) .
ثَالِثًا - تَقْبِيل الْجَبْهَةِ:
٦ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِجَوَازِ تَقْبِيل الرَّجُل جَبْهَةَ الرَّجُل، وَوَجْهِهِ، وَرَأْسِهِ، إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَبَرَّةِ وَالإِْكْرَامِ، أَوِ الشَّفَقَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالْوَدَاعِ، وَاحْتِرَامًا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ (١) .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَانَقَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَقَبَّل بَيْنَ عَيْنَيْهِ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: (تَقْبِيلٌ) .
رَابِعًا - شِجَاجُ الْجَبْهَةِ:
٧ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ شِجَاجِ الْوَجْهِ وَالْجَبْهَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي الْمُوضِحَةِ مِنْهَا قِصَاصًا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا، وَالْمُوضِحَةُ هِيَ الْجَرْحُ الَّذِي يُظْهِرُ الْعَظْمَ بَعْدَ خَرْقِ الْجِلْدَةِ. وَإِنَّمَا شَرْعُ الْقِصَاصِ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٤٥، ٢٤٦، والبناية على الهداية ٩ / ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٦ - ٣٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠، والقليوبي ٣ / ٢١٣، وكشاف القناع ٥ / ١٦، والآداب الشرعية ٢ / ٢٧٠ - ٢٧٩.
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ عانق جعفرا حين قدم من الحبشة وقبل بين عينيه ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٩٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) عن الشعبي به مرسلا، وإسناده ضعيف لإرساله.
فِي الْمُوضِحَةِ هُوَ تَيْسِيرُ ضَبْطِهَا وَإِمْكَانُ الاِسْتِيفَاءِ فِيهَا دُونَ حَيْفٍ.
أَمَّا الأَْنْوَاعُ الأُْخْرَى مِنَ الشِّجَاجِ فَلاَ قِصَاصَ فِيهَا لِعُسْرِ ضَبْطِهَا وَصُعُوبَةِ اسْتِيفَاءِ مِثْلِهَا (١) .
وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ بِسَبَبِ عُسْرِ ضَبْطِهَا فَفِيهَا الدِّيَةُ الْمُحَدَّدَةُ لَهَا شَرْعًا، وَإِلاَّ فَحُكُومَةُ عَدْلٍ (٢) .
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ - جِنَايَةٌ - دِيَاتٌ - حُكُومَةُ عَدْلٍ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الْجَبْهَةِ فِي مَبَاحِثِ الْوُضُوءِ وَالسَّجْدَةِ، وَمَسَائِل النَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَبَحْثِ الْقِصَاصِ وَالْجِنَايَاتِ وَنَحْوِهَا.
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٥٤، ٣٧٢، ٣٧٣، وقليوبي ٤ / ١١٣، ١١٤، والمغني ٧ / ٧٠٣، ٧٠٤.
(٢) حكومة عدل: هي أن ينظر كم مقدار هذه الشجة من الموضحة فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية (الدر المختار ٥ / ٣٧٣) .
جَبِيرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْجَبِيرَةُ لُغَةً: الْعِيدَانُ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْعَظْمِ لِتَجْبُرَهُ عَلَى اسْتِوَاءٍ.
وَجَمْعُهَا: جَبَائِرُ، وَهِيَ مِنْ جَبَرْتُ الْعَظْمَ جَبْرًا مِنْ بَابِ قَتَل أَيْ: أَصْلَحْتُهُ، فَجَبَرَ هُوَ أَيْضًا، جَبْرًا وَجُبُورًا أَيْ: صَلُحَ، فَيُسْتَعْمَل لاَزِمًا وَمُتَعَدِّيًا، وَجَبَرْتُ الْيَدَ: وَضَعْتُ عَلَيْهَا الْجَبِيرَةَ، وَجَبَرَ الْعَظْمَ: جَبَرَهُ، وَالْمُجَبِّرُ الَّذِي يَجْبُرُ الْعِظَامَ الْمَكْسُورَةَ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَسَرُّوا الْجَبِيرَةَ بِمَعْنًى أَعَمَّ فَقَالُوا: الْجَبِيرَةُ مَا يُدَاوِي الْجُرْحَ سَوَاءٌ أَكَانَ أَعْوَادًا، أَمْ لَزْقَةً، أَمْ غَيْرَ ذَلِكَ (٢) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير والمعجم الوسيط مادة: (جبر) .
(٢) ابن عابدين ١ / ١٨٥، ومنح الجليل ١ / ٩٦، وأسنى المطالب ١ / ٨١، والمغني ١ / ٢٧٧.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - اللَّصُوقُ وَاللَّزُوقُ
٢ - اللَّصُوقُ وَاللَّزُوقُ - بِفَتْحِ اللاَّمِ - مَا يُلْصَقُ عَلَى الْجُرْحِ لِلدَّوَاءِ. قَال فِي الْمِصْبَاحِ: ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْخِرْقَةِ وَنَحْوِهَا إِذَا شُدَّتْ عَلَى الْعُضْوِ لِلتَّدَاوِي (١) .
وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: اللَّصُوقُ مَا كَانَ عَلَى جُرْحٍ مِنْ قُطْنَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَالْجَبِيرَةُ مَا كَانَتْ عَلَى كَسْرٍ (٢) .
ب - الْعِصَابَةُ:
٣ - الْعِصَابَةُ (بِكَسْرِ الْعَيْنِ) اسْمُ مَا يُشَدُّ بِهِ مِنْ عَصَبَ رَأْسَهُ عَصَبَهُ تَعْصِيبًا: شَدَّهُ، وَكُل مَا عُصِبَ بِهِ كَسْرٌ أَوْ قَرْحٌ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ عِصَابٌ لَهُ، وَتَعَصَّبَ بِالشَّيْءِ: تَقَنَّعَ بِهِ.
وَالْعَمَائِمُ يُقَال لَهَا الْعَصَائِبُ، وَالْعِصَابَةُ: الْعِمَامَةُ (٣)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهَا عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَبِذَلِكَ تَكُونُ الْعِصَابَةُ عِنْدَهُمْ أَعَمَّ مِنَ الْجَبِيرَةِ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (لصق، لزق) .
(٢) أسنى المطالب ١ / ٨١، ومغني المحتاج ١ / ٩٤، والمجموع ٢ / ٣٢٤، تحقيق المطيعي.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (عصب)، وابن عابدين ١ / ١٨٥، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٥٧ - ٥٨.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعِصَابَةُ: مَا يُرْبَطُ فَوْقَ الْجَبِيرَةِ (١) .
حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ نِيَابَةً عَنِ الْغَسْل أَوِ الْمَسْحِ الأَْصْلِيِّ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْل أَوْ التَّيَمُّمِ، عَلَى مَا يَأْتِي: وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: كُسِرَ زَنْدِي يَوْمَ أُحُدٍ فَسَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِي فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِالْجَبَائِرِ؟ فَقَال: امْسَحْ عَلَيْهَا (٢) .
وَرَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ هَل تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَل فَمَاتَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ. أَلاَ سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال إِنَّمَا
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٩، والشرح الصغير ١ / ٧٦ ط الحلبي ومنح الجليل ١ / ٩٦.
(٢) حديث: " اجعلوها في يساره فإنه صاحب لوائي. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٢١٥ - ط عيسى الحلبي) مختصرا، والبيهقي (١ / ٢٨٨ - ط دار المعرفة) . وضعفه البوصيري في الزوائد (١ / ٨٤ - ط دار العربية) .
كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ (١) وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ؛ لأَِنَّ فِي نَزْعِهَا حَرَجًا وَضَرَرًا (٢) .
وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ إِرَادَةِ الطَّهَارَةِ، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ سَيَأْتِي بَيَانُهَا، وَالْوُجُوبُ هُنَا بِمَعْنَى الإِْثْمِ بِالتَّرْكِ مَعَ فَسَادِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَقَطْ مَعَ صِحَّةِ وُضُوئِهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ (٣) .
وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَغْسِل الصَّحِيحَ وَيَتَيَمَّمُ وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ.
وَفِي حُكْمِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْعِصَابَةِ أَوْ اللَّصُوقِ، أَوْ مَا يُوضَعُ فِي الْجُرُوحِ مِنْ دَوَاءٍ يَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ - كَدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ -.
_________
(١) حديث: " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما. . " أخرجه أبو داود (١ / ٢٣٩ - ٢٤٠ - ط عزت عبيد الدعاس) والدارقطني (١ / ١٨٩ - ١٩٠ - ط شركة الطباعة الفنية) والبيهقي (١ / ٢٢٨ - ط دار المعرفة) من حديث جابر. وضعفاه. وقال ابن حجر: رواه أبو داود بسند فيه ضعف. وفيه اختلاف على روايته (سبل السلام ١ / ٢٠٣ - ط دار الكتاب العربي) .
(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٣، والمهذب ١ / ٤٤، والمجموع ٢ / ٣٢٣، والمغني ١ / ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٣) ابن عابدين ١ / ١٨٥ - ١٨٦، والبدائع ١ / ١٣ - ١٤، والدسوقي ١ / ١٦٣، والمجموع ٢ / ٣٢٦، وكشاف القناع ١ / ١٢٠.
شُرُوطُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ:
٥ - يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَا يَأْتِي:
أ - أَنْ يَكُونَ غَسْل الْعُضْوِ الْمُنْكَسِرِ أَوْ الْمَجْرُوحِ مِمَّا يَضُرُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى عَيْنِ الْجِرَاحَةِ مِمَّا يَضُرُّ بِهَا، أَوْ كَانَ يُخْشَى حُدُوثُ الضَّرَرِ بِنَزْعِ الْجَبِيرَةِ.
ب - أَلاَّ يَكُونَ غَسْل الأَْعْضَاءِ الصَّحِيحَةِ يَضُرُّ بِالأَْعْضَاءِ الْجَرِيحَةِ فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهَا فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ.
وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ.
ج - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الأَْعْضَاءُ الصَّحِيحَةُ قَلِيلَةً جِدًّا كَيَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ إِذِ التَّافِهُ لاَ حُكْمَ لَهُ (١) .
د - اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنْ تَكُونَ الْجَبِيرَةُ مَوْضُوعَةً عَلَى طَهَارَةٍ مَائِيَّةٍ لأَِنَّهُ حَائِلٌ يُمْسَحُ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ كَسَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ، فَإِنْ خَالَفَ وَوَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ وَجَبَ نَزْعُهَا، وَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِنَزْعِهَا، فَإِنْ خَافَ الضَّرَرَ لَمْ يَنْزِعْهَا وَيَصِحُّ مَسْحُهُ عَلَيْهَا، وَيَقْضِي لِفَوَاتِ شَرْطِ وَضْعِهَا عَلَى طُهْرٍ (٢) .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهِيَ مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (قَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ
_________
(١) المجموع ٢ / ٣٢٦.
(٢) نهاية المحتاج ١ / ٢٦٩.
شَاذٌّ): لاَ يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّ الْجَبِيرَةِ. قَال الْخَلاَّل: رَوَى حَرْبٌ وَإِسْحَاقُ وَالْمَرْوَزِيُّ فِي ذَلِكَ سُهُولَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْل ابْنِ عُمَرَ، لأَِنَّ هَذَا مِمَّا لاَ يَنْضَبِطُ وَيَغْلُظُ عَلَى النَّاسِ جِدًّا فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا جَازَ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ نَزْعِهَا، وَنَزْعُهَا يَشُقُّ إِذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَمَشَقَّتِهِ إِذَا لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ (١) .
كَيْفِيَّةُ تَطَهُّرِ وَاضِعِ الْجَبِيرَةِ:
٦ - إِذَا أَرَادَ وَاضِعُ الْجَبِيرَةِ الطَّهَارَةَ فَلْيَفْعَل مَا يَأْتِي:
١ - يَغْسِل الصَّحِيحَ مِنْ أَعْضَائِهِ.
٢ - يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ.
وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ إِلاَّ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَلاَ يَمْسَحُ الْجَبِيرَةَ بِالْمَاءِ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْمَسْحِ.
وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ الْجَبِيرَةِ بِالْمَسْحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ مَسْحَ الأَْكْثَرِ كَافٍ لأَِنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُل ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ.
أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي
_________
(١) البدائع ١ / ١٣، ٥١، والزيلعي ١ / ٤٥، والدسوقي ١ / ١٦٤ - ١٦٥، والحطاب ١ / ٣٦١، والمجموع ١ / ٣٢٥ - ٣٢٦، والمغني ١ / ٢٥٩ - ٢٧٨ - ٢٧٩، وكشاف القناع ١ / ١١٣ - ١١٤.
الْمَجْمُوعِ أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الأَْصْحَابِ يَجِبُ الاِسْتِيعَابُ لأَِنَّهُ أُجِيزَ لِلضَّرُورَةِ فَيَجِبُ مَسْحُ الْجَمِيعِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُجْزِئُهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِسْمُ، لأَِنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ كَمَسْحِ الْخُفِّ.
هَذَا إِذَا كَانَتِ الْجَبِيرَةُ مَوْضُوعَةً عَلَى قَدْرِ الْجِرَاحَةِ فَقَطْ. فَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً عَنْ قَدْرِ الْجِرَاحَةِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَمْسَحُ عَلَى الزَّائِدِ تَبَعًا إِنْ كَانَ غَسْل مَا تَحْتَ الزَّائِدِ يَضُرُّ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَمْسَحُ مِنَ الْجَبِيرَةِ عَلَى كُل مَا حَاذَى مَحَل الْحَاجَةِ وَلاَ يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الزَّائِدِ بَدَلًا عَمَّا تَحْتَهَا، وَيَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلٍّ يُغْسَل ثَلاَثًا. قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَمُقَابِلُهُ: يُسَنُّ تَكْرَارُ الْمَسْحِ لأَِنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الْغَسْل، وَالْغَسْل يُسَنُّ تَكْرَارُهُ فَكَذَا بَدَلُهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى الرَّأْسِ.
٣ - زَادَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وُجُوبَ التَّيَمُّمِ مَعَ الْغَسْل وَالْمَسْحِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا التَّيَمُّمُ مَعَ غَسْل الصَّحِيحِ وَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ بِالْمَاءِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَالَّتِي قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِهَا أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وُجُوبُهُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الأُْمِّ وَمُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ وَالْكَبِيرِ، وَالثَّانِي: لاَ يَجِبُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْجُرْجَانِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، فِي الْحِلْيَةِ.