الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
وَالْكَرَاهَةِ بِالصَّبِيِّ دُونَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ فَيُشْتَرَطُ لَهَا الْبُلُوغُ، وَذَلِكَ لأَِمْرِهِ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ مِنَ الشَّارِعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ بِالأَْمْرِ أَمْرٌ بِالشَّيْءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ أَهْلٌ لِلثَّوَابِ؛ لأَِنَّهُ يَبْقَى مُسْلِمًا بَعْدَ الْجُنُونِ وَالْمُسْلِمُ يُثَابُ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ: (صَبِيٌّ، جُنُونٌ، أَهْلِيَّةٌ) .
٧ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْكَافِرُ مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ ثُمَّ يُسْلِمُ، هَل يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ السَّابِقُ أَوْ لاَ يَنْفَعُهُ؟ وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَمِنْ صِلَةِ رَحِمٍ فَهَل فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ (٢) .
قَال الْحَرْبِيُّ: مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي عَمِلْتَهُ هُوَ لَكَ. وَقَال الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي أَسْلَفَهُ، كُتِبَ لَهُ، لَكِنَّ ابْنَ حَجَرٍ نَقَل عَنِ الْمَازِرِيِّ رِوَايَةً أُخْرَى فِي مَكَانٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْكَافِرَ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّقَرُّبُ، فَلاَ
_________
(١) التلويح ٢ / ١٦٤ - ١٦٧، وجمع الجوامع ١ / ٥٢ - ٥٣، والمجموع ٧ / ٣٤ تحقيق نجيب المطيعي، وابن عابدين ١ / ٥٨٧، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١١٩، وتهذيب الفروق بهامش الفروق ١ / ١٧٧، والدسوقي ١ / ١٨٦.
(٢) حديث: " أسلمت على ما أسلفت من خير ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٠١ - ط السلفية) .
يُثَابُ عَلَى الْعَمَل الصَّالِحِ الصَّادِرِ مِنْهُ فِي شِرْكِهِ. . . وَتَابَعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَاسْتَضْعَفَ النَّوَوِيُّ رَأْيَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الثَّوَابِ وَقَال: الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ بَل نَقَل بَعْضُهُمْ فِيهِ الإِْجْمَاعَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا فَعَل أَفْعَالًا جَمِيلَةً كَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ عَلَى الإِْسْلاَمِ أَنَّ ثَوَابَ ذَلِكَ يُكْتَبُ لَهُ، وَقَدْ جَزَمَ بِمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُدَمَاءِ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْمُنِيرِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ (١) .
أَمَّا مَا فَعَلَهُ الْكَافِرُ مِنْ أَعْمَال الْبِرِّ ثُمَّ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا قَال النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ ثَوَابَ لَهُ فِي الآْخِرَةِ، وَإِنَّمَا يُطْعَمُ فِي الدُّنْيَا بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ (٢)، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآْخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِل بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآْخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا (٣) .
مَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَشُرُوطُهُ:
٨ - مِنَ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا أَنَّ الإِْنْسَانَ يُثَابُ - بِفَضْل
_________
(١) فتح الباري ١ / ٩٩ - ١٠٠، ٣ / ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٧ / ١٥٠ وهامش الفروق ٣ / ٢٢٢، والقرطبي ٢٠ / ١٥٠ - ١٥١.
(٣) حديث: " إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة ". أخرجه مسلم (٤ / ٢١٦٢ - ط الحلبي) .
اللَّهِ - عَلَى مَا يُؤَدِّي مِنْ طَاعَاتٍ، وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ مَنْدُوبَةً، وَعَلَى مَا يَتْرُكُ مِنْ مُحَرَّمَاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ. يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (١)﴾، وَيَقُول النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآْخِرَةِ لَكِنَّ فِعْل الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَتَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ لَيْسَ سَبَبًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ - لِلثَّوَابِ - مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْفِعْل مُجْزِئًا وَمُبْرِئًا لِلذِّمَّةِ وَالتَّرْكُ كَافِيًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الْعُهْدَةِ؛ لأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِحُصُول الثَّوَابِ فِي الْفِعْل وَالتَّرْكِ نِيَّةُ امْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. بَل إِنَّ الْمُبَاحَاتِ رَغْمَ أَنَّهَا لاَ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، لَكِنْ إِنْ أُرِيدَ بِهَا الثَّوَابُ بِجَعْلِهَا وَسِيلَةً لِلْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ افْتَقَرَتْ إِلَى نِيَّةٍ (٢) .
قَال الشَّاطِبِيُّ: الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَالْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَالأَْدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لاَ تَنْحَصِرُ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٣)﴾ وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ،
_________
(١) سورة الزلزلة / ٧، ٨.
(٢) الذخيرة / ٦٢، ٢٤٠، والموافقات للشاطبي وما بعدها ١ / ١٤٩ - ١٥١، إلى ٢ / ٣٢٣ - ٣٢٩، والفروق للقرافي ١ / ١٣٠، ٢ / ٥٠ - ٥١، والمنثور في القواعد ٣ / ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٣) سورة البينة / ٥.
وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (١) . وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: لاَ ثَوَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: قَرَّرَ الْمَشَايِخُ فِي حَدِيثِ. إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضَى، إِذْ لاَ يَصِحُّ بِدُونِ تَقْدِيرٍ لِكَثْرَةِ وُجُودِ الأَْعْمَال بِدُونِهَا فَقَدَّرُوا مُضَافًا أَيْ حُكْمَ الأَْعْمَال، وَهُوَ نَوْعَانِ: أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَاسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ، وَدُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، وَقَدْ أُرِيدَ الأُْخْرَوِيُّ بِالإِْجْمَاعِ لِلإِْجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لاَ ثَوَابَ وَلاَ عِقَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَسَاقَ ابْنُ نُجَيْمٍ الأَْمْثِلَةَ عَلَى ذَلِكَ فِي الأَْفْعَال وَالتُّرُوكِ، ثُمَّ قَال: وَلاَ تُشْتَرَطُ لِلثَّوَابِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ، بَل يُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِغَيْرِ تَعَمُّدِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى مُحْدِثًا عَلَى ظَنِّ طَهَارَتِهِ (٢) .
٩ - بَل إِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يُثَابُ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَل، وَيَكُونُ الثَّوَابُ عَلَى النِّيَّةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً (٣) وَقَوْلِهِ: مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّيَ فِي اللَّيْل فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى
_________
(١) حديث: " إنما الأعمال بالنيات ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٩ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٥١٥ - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.
(٢) الأشباه لابن نجيم / ١٩ - ٢٦.
(٣) حديث: " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٢٣ - ط السلفية) ومسلم (١ / ١١٨ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس واللفظ لمسلم.
وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﷿ (١)
وَيُثَابُ كَذَلِكَ عَلَى الْعَمَل وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ الْمُنَاسِبَ، فَفِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثُ الْمُتَصَدِّقِ الَّذِي وَقَعَتْ صَدَقَتُهُ فِي يَدِ زَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ وَسَارِقٍ (٢) . وَحَدِيثُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَْخْنَسِ الَّذِي أَخَذَ صَدَقَةَ أَبِيهِ مِنَ الرَّجُل الَّذِي وُضِعَتْ عِنْدَهُ وَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (٣) قَال ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ (٤) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ قِيل: إِنَّ الْقُرُبَاتِ الَّتِي لاَ لُبْسَ فِيهَا لاَ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى (٥) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نِيَّةٌ) .
مَا يُثَابُ عَلَيْهِ الإِْنْسَانُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ:
لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الثَّوَابَ يَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ مِنْ كَسْبِ
_________
(١) الموافقات للشاطبي ٢ / ٢٣٥. وحديث: " من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه ﷿ ". أخرجه النسائي (٣ / ٢٥٨، - ط المكتبة التجارية)، والحاكم (١ / ٣١١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي الدرداء وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) حديث " المتصدق الذي وقعت صدقته في يد زانية ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩٠ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " لك ما نويت يا يزيد " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩١ - ط السلفية) .
(٤) فتح الباري ٣ / ٢٩٠ - ٢٩١.
(٥) قواعد الأحكام ١ / ١٤٩، والذخيرة ١ / ٢٣٧.
الإِْنْسَانِ وَاكْتِسَابِهِ، أَمَّا ثَوَابُ مَا لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ:
أَوَّلًا - فِيمَا يَهَبُهُ الإِْنْسَانُ لِغَيْرِهِ مِنَ الثَّوَابِ:
١٠ - يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَجْعَل الإِْنْسَانُ ثَوَابَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْعِبَادَةُ صَلاَةً، أَمْ صَوْمًا، أَمْ حَجًّا، أَمْ صَدَقَةً، أَمْ قِرَاءَةً وَذِكْرًا، وَغَيْرَ ذَلِكَ لِظَاهِرِ الأَْدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ (١)﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢)﴾ وَقَدْ ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْهُ وَالآْخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ (٣)، وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ: لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ (٤) .
_________
(١) سورة الحشر / ١٠.
(٢) سورة محمد / ١٩.
(٣) حديث: " ضحى بكبشين أملحين أحدهما عنه والآخر عن أمته " أخرجه أبو يعلى عن جابر بن عبد الله كما في مجمع الزوائد (٤ / ٢٢ - ط القدسي) وقال الهيثمي: " إسناده حسن ".
(٤) حديث: " لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه ". أخرجه أبو داود (٣ / ٣٠٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده حسن.
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْدِلَّةِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (١)﴾ فَمَعْنَاهُ لاَ يَجِبُ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ فِيمَا عَدَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا عَدَا الصَّلاَةَ، وَفِي الصِّيَامِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خِلاَفٌ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَال الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
١١ - وَاخْتُلِفَ فِي إِهْدَاءِ الثَّوَابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَمَنَعَهُ الآْخَرُونَ.
وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الشَّارِعِ، لَكِنَّ الْحَطَّابَ قَال: التَّصَرُّفُ الْمَمْنُوعُ مَا يَكُونُ بِصِيغَةِ جَعَلْتُهُ لَهُ، أَوْ أَهْدَيْتُهُ لَهُ، أَمَّا الدُّعَاءُ بِجَعْل ثَوَابِهِ لَهُ فَلَيْسَ تَصَرُّفًا بَل سُؤَالٌ لِنَقْل الثَّوَابِ إِلَيْهِ وَلاَ مَانِعَ مِنْهُ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ أَدَاءٌ (ف ١٤) .
(الْمَوْسُوعَةُ ٢ ٣٣٤) .
ثَانِيًا - ثَوَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ:
١٢ - مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ
_________
(١) سورة النجم / ٣٩.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٢٣٦ - ٢٣٧، ومنح الجليل ١ / ٣٠٦ - ٤٤٢، والحطاب ٢ / ٥٤٣ إلى ٥٤٦، ومغني المحتاج ٣ / ٦٧ - ٦٩ - ٧٠، وقليوبي ٣ / ٧٣، والمغني ٢ / ٥٦٧ - ٥٦٨، وقواعد الأحكام ١ / ١١٤ - ١١٥.
الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، لَكِنْ هَل يَحْصُل ثَوَابُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَفْعَل؟
قَال الْفُقَهَاءُ: الثَّوَابُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ يَحْصُل لِفَاعِلِهِ فَقَطْ؛ لأَِنَّهُ ثَوَابُ الْفِعْل نَفْسِهِ، وَهُوَ لِفَاعِلِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْفَاعِل فَيَسْتَوِي مَعَ الْفَاعِل فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ، لاَ فِي الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ، نَعَمْ إِنْ كَانَ نَوَى الْفِعْل فَلَهُ الثَّوَابُ عَلَى نِيَّتِهِ، قَال بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَحْصُل الثَّوَابُ بِغَيْرِ مَنْ رَدَّ السَّلاَمَ - أَيْ بَعْدَ رَدِّ غَيْرِهِ - إِذَا نَوَى الرَّدَّ وَتَرَكَهُ لأَِجْل رَدِّ الْغَيْرِ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَنُقِل عَنِ الأَْبِيِّ أَنَّ الثَّوَابَ يَحْصُل مُطْلَقًا قَال الزُّرْقَانِيُّ: وَفِيهِ تَعَسُّفٌ (١) .
ثَالِثًا - الْمَصَائِبُ الَّتِي تَنْزِل بِالإِْنْسَانِ هَل يُثَابُ عَلَيْهَا أَمْ لاَ
١٣ - الأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا (٢) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ،
_________
(١) الفروق ١ / ١١٧، ومنح الجليل ١ / ٧١١، والزرقاني ٣ / ١٠٩، وقواعد الأحكام ١ / ٤٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٣.
(٢) حديث: " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ١٠٣ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٩٩٢ - ط الحلبي) من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.
وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ أَذًى، وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ (١) .
قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْمَصَائِبُ مِنْ فِعْل الْغَيْرِ، كَفَّرَ بِهَا مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وَأَخَذَ بِهَا مِنْ أَجْرِ غَيْرِهِ، وَحَمَل غَيْرُهُ وِزْرَهُ (٢) كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْمُفْلِسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَصَائِبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: فَهِيَ كَفَّارَاتٌ فَقَطْ، أَوْ كَفَّارَاتٌ وَأُجُورٌ (٣) .
وَقَال الْقَرَافِيُّ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْمَصَائِبُ كَفَّارَاتٌ لِلذُّنُوبِ قَطْعًا، سَوَاءٌ أَسَخِطَ، أَمْ رَضِيَ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ صَبَرَ وَرَضِيَ اجْتَمَعَ مَعَ التَّكْفِيرِ الثَّوَابُ، فَالْمَصَائِبُ لاَ ثَوَابَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُصِيبَةٌ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ، وَالتَّكْفِيرُ بِالْمُصِيبَةِ يَقَعُ بِالْمُكْتَسَبِ وَغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ (٤) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةٌ لِذَنْبٍ يُوَازِيهَا، وَبِالرِّضَا يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَابِ ذَنْبٌ عُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا يُوَازِيهِ (٥) .
_________
(١) حديث: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٠٣ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٩٩٢ - ١٩٩٣ - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة معا واللفظ للبخاري.
(٢) الموافقات ٢ / ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٣) حديث المفلس. أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٧ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٤) الفروق ٤ / ٢٣٤، وقواعد الأحكام ١ / ١١٥.
(٥) فتح الباري ١٠ / ١٠٥.
وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مَا وَرَدَ بِهِ السَّمْعُ مِنْ وَعْدِ الرِّزْقِ، وَوَعْدِ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَلَى أَلَمِ الْمُؤْمِنِ، وَأَلَمِ طِفْلِهِ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا مَحْضُ فَضْلٍ وَتَطَوُّلٍ مِنْهُ تَعَالَى لاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ لِوَعْدِهِ الصَّادِقِ (١) .
تَفَاوُتُ الثَّوَابِ:
يَتَفَاوَتُ الثَّوَابُ قِلَّةً وَكَثْرَةً بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي:
أ - مِنْ حَيْثُ الْمَشَقَّةُ:
١٤ - الأَْصْل أَنَّ الْمَشَقَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ، فَإِنَّ الْحَرَجَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَلَكِنَّ الْمَشَقَّةَ فِي الْجُمْلَةِ مُثَابٌ عَلَيْهَا إِذَا لَحِقَتْ فِي أَثْنَاءِ التَّكْلِيفِ، وَيَخْتَلِفُ أَجْرُ تَحَمُّل الْمَشَاقِّ بِشِدَّةِ الْمَشَاقِّ وَخِفَّتِهَا، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَيْنِ إِذَا اتَّحَدَا فِي الشَّرَفِ، وَالشَّرَائِطِ، وَالسُّنَنِ، وَالأَْرْكَانِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا شَاقًّا فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي أَجْرِهِمَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْوَظَائِفِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِتَحَمُّل الْمَشَقَّةِ لأَِجْل اللَّهِ ﷾، فَأُثِيبَ عَلَى تَحَمُّل الْمَشَقَّةِ لاَ عَلَى عَيْنِ الْمَشَاقِّ، وَذَلِكَ كَالاِغْتِسَال فِي الصَّيْفِ وَالرَّبِيعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الاِغْتِسَال فِي شِدَّةِ بَرْدِ الشِّتَاءِ، فَيَزِيدُ أَجْرُ الاِغْتِسَال فِي الشِّتَاءِ لأَِجْل تَحَمُّل مَشَقَّةِ الْبَرْدِ، وَكَذَلِكَ مَشَاقُّ الْوَسَائِل فِي مَنْ يَقْصِدُ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٦٠٣.