الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 6

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

تَمِيمَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّمِيمَةُ فِي اللُّغَةِ عُوذَةٌ تُعَلَّقُ عَلَى الإِْنْسَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ (١) وَيُقَال: هِيَ خَرَزَاتٌ كَانَ الْعَرَبُ يُعَلِّقُونَهَا عَلَى أَوْلاَدِهِمْ يَتَّقُونَ بِهَا الْعَيْنَ فِي زَعْمِهِمْ (٢) .

وَعَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا وَرَقَةٌ يُكْتَبُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ وَتُعَلَّقُ عَلَى الإِْنْسَانِ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - الرُّقْيَةُ: يُقَال: رَقَاهُ الرَّاقِي رُقِيًّا وَرُقْيَةً إِذَا عَوَّذَهُ وَنَفَثَ فِي عُوذَتِهِ.

وَعَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا مَا يُرْقَى بِهِ مِنَ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ (٤) .

_________

(١) حديث: " من تعليق تميمة ". أخرجه أحمد (٤ / ١٥٤ ط الميمنية) وفي إسناده جهالة (تعجيل المنفعة ص١١٤ نشر دار الكتاب العربي) .

(٢) لسان العرب،. والصحاح، والنهاية لابن الأثير مادة: " تمم ".

(٣) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ١ / ٩٥ ط الحلبي، والشرح الصغير ٤ / ٧٦٩، ونهاية المحتاج ١ / ١١١، وأسنى المطالب ١ / ٦٠.

(٤) المغرب للمطرزي مادة " تمم "، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٢، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٥٢ نشر دار المعرفة.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّقْيَةِ وَالتَّمِيمَةِ أَنَّ الرُّقْيَةَ تَكُونُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ.

أَمَّا التَّمِيمَةُ فَهِيَ وَرَقَةٌ يُكْتَبُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى الرُّقْيَةُ: هِيَ تَعْوِيذٌ مَقْرُوءٌ، وَالتَّمِيمَةُ: تَعْوِيذٌ مَكْتُوبٌ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّمِيمَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا اسْمٌ لاَ يُعْرَفُ مَعْنَاهُ؛ لأَِنَّ مَا لاَ يُفْهَمُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَلأَِنَّهُ لاَ دَافِعَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلاَ يُطْلَبُ دَفْعُ الْمُؤْذِيَاتِ إِلاَّ بِاَللَّهِ وَبِأَسْمَائِهِ (٢) .

أَمَّا إِذَا كَانَتِ التَّمِيمَةُ لاَ تَشْتَمِل إِلاَّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الآْرَاءُ فِيهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة، وَهُوَ قَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ

_________

(١) الشرح الصغير ٤ / ٧٦٨ - ٧٦٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٢، ط بولاق، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ١ / ٩٥.

(٢) الفتاوى الحديثة لابن حجر الهيثمي ص١٢٠ ط دار المعرفة، والشرح الصغير ٤ / ٧٦٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٢ ط بولاق، وكشاف الإقناع ٢ / ٧٧ و٦ / ١٨٨ ط عالم الكتب، والإنصاف ١٠ / ٣٥٢، والدين الخالص ٢ / ٢٣٦، ومعالم السنن ٤ / ٢٢٦ ط العلمية.

وَحَمَلُوا حَدِيثَ إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ (١) ". عَلَى التَّمَائِمِ الَّتِي فِيهَا شِرْكٌ (٢) .

وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ حُرْمَةُ التَّمِيمَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ حَكِيمٍ.

وَبِهِ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ.

٤ - وَاحْتَجَّ هَؤُلاَءِ لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا يَأْتِي:

أ - عُمُومُ النَّهْيِ فِي الأَْحَادِيثِ وَلاَ مُخَصِّصَ لِلْعُمُومِ.

ب - سَدُّ الذَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْلِيقِ مَا اُتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ.

ج - أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَمْتَهِنَهُ الْمُعَلِّقُ بِحَمْلِهِ مَعَهُ فِي حَال قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالاِسْتِنْجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ حَمْل هَذِهِ الأَْخْبَارِ الْمَانِعَةِ عَلَى اخْتِلاَفِ حَالَيْنِ فَهِيَ إِذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا النَّافِعَةُ لَهُ وَالدَّافِعَةُ عَنْهُ، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ لأَِنَّ النَّافِعَ هُوَ اللَّهُ. وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ وَالدَّافِعُ. وَلَعَل هَذَا

_________

(١) حديث: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك ". أخرجه الحاكم (٤ / ٢١٧ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٢) الشرح الصغير ٤ / ٧٦٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٢، والفتاوى الحديثة ص١٢٠، والدين الخالص ٢ / ٢٦٣.

خَرَجَ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تَعْتَقِدُ أَنَّ الدَّهْرَ يُغَيِّرُهُمْ فَكَانُوا يَسُبُّونَهُ (١) .

وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَوْضُوعِ فِي (تَعْوِيذٌ) .

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ١ / ٣٢١ ط دار الفكر، وكشاف القناع ٢ / ٧٧، والدين الخالص ٢ / ٢٦٣، ٢٤١، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٧٨.

تَمْيِيزٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّمْيِيزُ لُغَةً مَصْدَرُ مَيَّزَ. يُقَال: مَازَ الشَّيْءَ إِذَا عَزَلَهُ وَفَرَزَهُ وَفَصَلَهُ، وَتَمَيَّزَ الْقَوْمُ وَامْتَازُوا صَارُوا فِي نَاحِيَةٍ. وَامْتَازَ عَنِ الشَّيْءِ تَبَاعَدَ مِنْهُ وَيُقَال: امْتَازَ الْقَوْمُ إِذَا تَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ (١) .

وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: سِنُّ التَّمْيِيزِ، وَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ تِلْكَ السِّنُّ الَّتِي إِذَا انْتَهَى إِلَيْهَا الصَّغِيرُ عَرَفَ مَضَارَّهُ وَمَنَافِعَهُ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَيَّزْتَ الأَْشْيَاءَ إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا.

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (أَهْلِيَّةٌ) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الإِْبْهَامُ:

٢ - الإِْبْهَامُ مَصْدَرُ أَبْهَمَ الْخَبَرَ إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْهُ، وَطَرِيقٌ مُبْهَمٌ إِذَا كَانَ خَفِيًّا لاَ يَسْتَبِينُ، وَكَلاَمٌ مُبْهَمٌ لاَ يُعْرَفُ لَهُ وَجْهٌ يُؤْتَى مِنْهُ، وَبَابٌ مُبْهَمٌ مُغْلَقٌ لاَ يُهْتَدَى لِفَتْحِهِ فَهُوَ ضِدُّ التَّمْيِيزِ (٢) .

_________

(١) لسان العرب مادة: " ميزة "، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٦، انظر الموسوعة الفقهية ٧ / ١٥٧.

(٢) انظر الموسوعة ١ / ١٩٤ مادة: " إبهام ".

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّمْيِيزِ:

إِسْلاَمُ الْمُمَيِّزِ وَرِدَّتُهُ:

٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ إِسْلاَمَ الْمُمَيِّزِ يَصِحُّ اسْتِقْلاَلًا مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، أَوْ تَبَعِيَّتِهِ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا عَلِيًّا ﵁ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ مَا زَال فِي صِبَاهُ فَأَسْلَمَ، وَكَانَ أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ؛ وَلِقَوْلِهِ ﷺ: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ (١)؛ وَلأَِنَّ الإِْسْلاَمَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَصَحَّتْ مِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِل كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ أَنَّ إِسْلاَمَ الْمُمَيِّزِ اسْتِقْلاَلًا لاَ يَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِدَلِيل قَوْلِهِ ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ (٢) ".

وَلأَِنَّ نُطْقَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ إِمَّا خَبَرٌ أَوْ إِنْشَاءٌ، فَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَإِنْ كَانَ إِنْشَاءً

_________

(١) حديث: " كل مولود يولد على الفطرة ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٤٦ ط السلفية) من حديث أبي هريرة.

(٢) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق ". وفي رواية: " وعن الصبي حتى يبلغ ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٥٩ تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٢ / ٥٩ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

فَهُوَ كَعُقُودِهِ وَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِْمَامُ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ إِسْلاَمَهُ يَصِحُّ اسْتِقْلاَلًا ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا فَإِنْ بَلَغَ وَاسْتَمَرَّ فِي إِسْلاَمِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ مِنْ يَوْمَئِذٍ، وَإِنْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْبُلُوغِ تَبَيَّنَ أَنَّ إِسْلاَمَهُ كَانَ لَغْوًا (٢) .

أَمَّا رِدَّتُهُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ رِدَّتَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِحَدِيثِ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ وَفِيهِ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ حَيْثُ قَال: يَصِحُّ إِسْلاَمُهُ وَلاَ تَصِحُّ رِدَّتُهُ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، وَالرِّدَّةَ مَحْضُ مَضَرَّةٍ وَمَفْسَدَةٍ فَلاَ تَصِحُّ مِنْهُ (٣) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٌ) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٣٣ طبعة الرياض، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٦ / ٢٩٠.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٤، وروضة الطالبين ٥ / ٤٢٩.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٨٠. وروضة الطالبين ٥ / ٤٢٩، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٤، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٣٥، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٩٠.

عِبَادَةُ الْمُمَيِّزِ:

الصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ أَوِ الصَّوْمُ أَوِ الْحَجُّ وَنَحْوُهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَلَكِنْ تَصِحُّ مِنْهُ، وَعَلَى وَلِيِّهِ أَمْرُهُ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَضَرْبُهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ لِيَتَعَوَّدَهَا؛ لِقَوْلِهِ ﵊: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ. (١)

إِمَامَةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي الصَّلاَةِ:

٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ إِمَامَةَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ فِي الْفَرْضِ لاَ تَصِحُّ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَةَ حَال كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْكَمَال؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ الإِْخْلاَل بِشَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ إِمَامَتَهُ لِلْبَالِغِ صَحِيحَةٌ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ (٢) وَلِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانُوا يَؤُمُّونَ أَقْوَامَهُمْ وَهُمْ دُونَ سِنِّ الْبُلُوغِ - أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِي سِنِينَ - فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَةَ عَلَى عَهْدِ

_________

(١) حديث: " مروا أولادكم بالصلاة. . . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٤ تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في الرياض (ص١٤٨ - ط المكتب الإسلامي) .

(٢) حديث: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " أخرجه مسلم (١ / ٤٦٥ - ط الحلبي) من حديث أبي مسعود البدري.

رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ (١) .

وَأَمَّا إِمَامَتُهُ فِي النَّفْل فَالْجُمْهُورُ عَلَى صِحَّتِهَا لأَِنَّ النَّافِلَةَ يَدْخُلُهَا التَّخْفِيفُ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ إِمَامَتَهُ فِي النَّفْل لاَ تَجُوزُ كَإِمَامَتِهِ فِي الْفَرْضِ.

إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ وُجُوبَ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ يَسْقُطُ بِأَدَاءِ الْمُمَيِّزِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ وُجُوبُ رَدِّ التَّحِيَّةِ وَوُجُوبُ الأَْذَانِ بِفِعْل الْمُمَيِّزِ عَلَى الرَّأْيِ الَّذِي يَقُول بِوُجُوبِهِ (٢) .

شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ وَإِخْبَارُهُ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) إِلَى عَدَمِ قَبُول شَهَادَةِ الْمُمَيِّزِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ فِي شَيْءٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣) وَالصَّبِيُّ لاَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّجُل.

إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُمَيِّزَ يَصِحُّ أَنْ

_________

(١) حديث: " إمامة عمرو بن سلمة لقومه على عهد رسول الله ﷺ وهو ابن ست أو سبع " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٢٢ ط السلفية) .

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٨٨، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٠، والمجموع ٥ / ٢١٣، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٦٥ ط الرياض، والأشباه والنظائر ص٢٢٠.

(٣) سورة البقرة / ٢٨٢.

يَتَحَمَّل الشَّهَادَةَ وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ لَهُ الأَْدَاءُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُؤَدِّيَ.

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي الْجِرَاحِ فَتُقْبَل إِذَا شَهِدُوا قَبْل الاِفْتِرَاقِ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا فِي الدِّمَاءِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَشُرُوطٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَةٌ) .

وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ ﵀ بِقَبُول شَهَادَتِهِ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ.

وَيَرَى بَعْضُ السَّلَفِ وَمِنْهُمْ الإِْمَامُ عَلِيٌّ وَشُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مَقْبُولَةٌ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ (١) .

هَذَا فِي الشَّهَادَةِ، أَمَّا فِي الإِْخْبَارِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ الْمُسْتَأْذِنَ بِالإِْذْنِ بِالدُّخُول عُمِل بِخَبَرِهِ مَعَ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوِ الظَّنَّ مِنْ قَرِينَةٍ أَوْ مِنْ قَوْلِهِ لاِعْتِمَادِ السَّلَفِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ (٢) .

تَصَرُّفَاتُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَإِيصَالُهُ الْهَدِيَّةَ:

٦ - أَمَّا تَصَرُّفَاتُ الصَّبِيِّ:

١ - فَمَا كَانَ مِنْهَا نَافِعًا لَهُ نَفْعًا مَحْضًا صَحَّ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ.

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٦٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٣٨، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٤، ٤٢٧، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٦٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤٢٤.

(٢) مغني المحتاج٢ / ٨، والإنصاف ٤ / ٢٦٩.