الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 5

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

قَدْ يَكُونُ بِعِوَضٍ كَالإِْجَارَةِ وَقَدْ يَكُونُ بِلاَ عِوَضٍ كَالْعَارِيَّةِ (١) .

وَيُرْجَعُ فِي التَّفْصِيل فِي كُلٍّ مِنْهَا إِلَى مَوْضِعِهِ.

وَأَمَّا تَمْلِيكُ الدَّيْنِ فَقَدْ قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَإِنْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَصِحَّ، وَبِهِ قَال فِي الْبَيْعِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ. قَال أَحْمَدُ: إِذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ قَرْضًا فَبِعْهُ مِنَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بِنَقْدٍ وَلاَ تَبِعْهُ مِنْ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ وَلاَ نَسِيئَةٍ، وَإِذَا أَقْرَضْت رَجُلًا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَلاَ تَأْخُذْ مِنْ غَيْرِهِ عَرَضًا بِمَا لَك عَلَيْهِ، وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ مُمَاطِلٍ أَوْ جَاحِدٍ لَهُ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ بَاذِلٍ لَهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ (٢) .

وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ وَالْخِلاَفُ فِيهِ فِي مُصْطَلَحِ: (دَيْنٌ) .

تَمْلِيكُ الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَاةِ قَبْل الْقَبْضِ:

٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِالتَّمْلِيكِ فِي الْمَمْلُوكَاتِ بَعْدَ قَبْضِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالتَّمْلِيكِ قَبْل قَبْضِهَا.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

_________

(١) دستور العلماء ١ / ٣٤٩، والذخيرة للقرافي ص١٥١، والاختيار ٢ / ٣.

(٢) المغني لابن قدامة ٥ / ٦٥٩.

تَمْلِيكُ الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَاةِ قَبْل الْقَبْضِ بِالْبَيْعِ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَمْلِيكِ الْمَبِيعِ بِالْبَيْعِ قَبْل قَبْضِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ طَعَامًا أَمْ غَيْرَهُ.

وَاسْتَدَلُّوا بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ (١) . وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ إِلَى مَكَّةَ قَال: انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوهُ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوهُ (٢) . وَلأَِنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْمِلْكُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَغَيْرِ الْمُتَعَيَّنِ (٣) .

وَالْحَنَفِيَّةُ يَسْتَثْنُونَ الْعَقَارَ الْمَبِيعَ وَيُجِيزُونَ تَمْلِيكَهُ قَبْل الْقَبْضِ لاِنْتِفَاءِ غَرَرِ الاِنْفِسَاخِ (٤) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ تَمْلِيكِ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ بِالْبَيْعِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَمْلِيكِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْل الْقَبْضِ بِمَا رَوَاهُ

_________

(١) حديث: " نهى عن بيع الطعام قبل قبضه " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٤٩ - ط السلفية) . من حديث ابن عباس ﵁ بلفظ " أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض ".

(٢) حديث بعث عتاب بن أسيد إلى مكة أخرجه البيهقي (٥ / ٣١٣ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث يعلى بن أمية بلفظ " استعمل النبي ﷺ عتاب بن أسيد على مكة، فقال: إني قد أمرتك على أهل الله ﷿ بتقوى الله ﷿، ولا يأكل أحد منهم من ربح ما لم

(٣) المغني لابن قدامة ٤ / ١٢٧ ط الرياض، وروضة الطالبين ٣ / ٥٠٦، ودرر الحكام ١ / ٢٠١، ٢٠٢.

(٤) درر الحكام ١ / ٢٠١.

أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ (١) ".

وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ تَعَبُّدِيٌّ فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُ الطَّعَامِ عِنْدَهُمْ.

وَقِيل: إِنَّهُ مَعْقُول الْمَعْنَى؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ لَهُ غَرَضٌ فِي ظُهُورِهِ، فَلَوْ أُجِيزَ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ لَبَاعَ أَهْل الأَْمْوَال بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ ظُهُورٍ بِخِلاَفِ مَا إِذَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ الْكَيَّال وَالْحَمَّال، وَيَظْهَرُ لِلْفُقَرَاءِ فَتَقْوَى بِهِ قُلُوبُ النَّاسِ لاَ سِيَّمَا فِي زَمَنِ الْمَسْغَبَةِ وَالشِّدَّةِ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ تَحْتَ عُنْوَانِ (بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ) .

تَمْلِيكُ الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَاةِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ:

٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - أَنَّ الأَْعْيَانَ الْمُشْتَرَاةَ يَجُوزُ تَمْلِيكُهَا بِغَيْرِ الْبَيْعِ قَبْل قَبْضِهَا، وَالْحَنَفِيَّةُ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ تَمْلِيكَ مَنَافِعِ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ بِالإِْجَارَةِ؛ لأَِنَّ الْمَنَافِعَ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْقُول فَيُمْنَعُ جَوَازُ تَمْلِيكِهَا قَبْل الْقَبْضِ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى

_________

(١) حديث: " من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يكتاله " أخرجه مسلم (٣ / ١١٦٠ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.

(٢) القوانين الفقهية ص١٧١ ط دار القلم، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٥١ ط الحلبي.

(٣) شرح المجلة للأتاسي ٢ / ١٧٣، ١٧٤، وبدائع الصنائع ٥ / ١٨٠ ط الجمالية، والفروق للقرافي ٣ / ٢٧٩، والقوانين الفقهية ص١٧٠، ومغني المحتاج ٢ / ٦٩.

عَدَمِ جَوَازِ تَمْلِيكِ الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ بِالْهِبَةِ وَالإِْجَارَةِ (١) . وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ الْقَوْل فِيمَا يَصِحُّ مِنْ تَصَرُّفَاتٍ فِي الْبَيْعِ قَبْل الْقَبْضِ. يُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَفِي مُصْطَلَحِ: (قَبْضٌ) .

تَمْلِيكُ الاِنْتِفَاعِ:

٧ - تَمْلِيكُ الاِنْتِفَاعِ عِبَارَةٌ عَنِ الإِْذْنِ لِلشَّخْصِ فِي أَنْ يُبَاشِرَ الاِنْتِفَاعَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ كَالإِْذْنِ فِي سُكْنَى الْمَدَارِسِ، وَالرُّبُطِ، وَالْمَجَالِسِ، وَالْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ، وَالأَْسْوَاقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَلِمَنْ أُذِنَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَيَمْتَنِعَ فِي حَقِّهِ أَنْ يُؤَاجِرَ أَوْ يَمْلِكَ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُعَاوَضَاتِ أَوْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ الْبَيْتَ الْمَوْقُوفَ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل ر: انْتِفَاعٌ.

تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ:

٨ - تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الإِْذْنِ لِلشَّخْصِ فِي أَنْ يُبَاشِرَ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ أَوْ يُمَكِّنَ غَيْرَهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ كَالإِْجَارَةِ. فَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَارًا كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَسْكُنَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ،

_________

(١) الأشباه والنظائر ص٤٥٦ ط دار الكتب العلمية، ومغني المحتاج ٦٩٢ وكشاف القناع ٣ / ٢٤١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٨٧ ط عالم الكتب.

(٢) تهذيب الفروق ١ / ١٩٣، وانظر: الفروق: للقرافي ١ / ١٨٧.

وَأَنْ يَتَصَرَّفَ فِي هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ فِي أَمْلاَكِهِمْ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَلَكَهُ، فَهُوَ تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ حَسْبَمَا تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الإِْجَارَةِ. فَمَنِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا مُدَّةً مُعَيَّنَةً، كَانَتْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ فِي تَمَلُّكِ الْمُدَّةِ مِلْكًا عَلَى الإِْطْلاَقِ يَتَصَرَّفُ كَمَا يَشَاءُ بِجَمِيعِ الأَْنْوَاعِ السَّائِغَةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ مَا دَامَتِ الْعَيْنُ لاَ تَتَأَثَّرُ بِاخْتِلاَفِ الْمُسْتَعْمِل، وَيَكُونُ تَمْلِيكُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ كَتَمْلِيكِ الأَْعْيَانِ (١) .

وَلِلتَّوَسُّعِ فِي ذَلِكَ (ر: مَنْفَعَةٌ) .

انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ:

٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَمُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَبِكُل لَفْظٍ وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فِي الْحَال لِقَوْلِهِ ﷺ: مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ (٢) حَيْثُ وَرَدَ فِي النِّكَاحِ؛ وَلأَِنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ فَأُطْلِقَ عَلَى النِّكَاحِ، وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ (٣) .

_________

(١) الفروق للقرافي ١ / ١٨٧، وتهذيب الفروق بهامش الفروق ١ / ١٩٣، والموسوعة الفقهية ٦ / ٢٩٩.

(٢) حديث: " ملكتكها بما معك من القرآن " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٧٥ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٤١ - ط الحلبي) من حديث سهل بن سعد الساعدي. واللفظ لمسلم.

(٣) البناية شرح الهداية ٤ / ١٩ - ٢١، والزيلعي ٢ / ٩٦، ٩٧، وفتح القدير ٢ / ٣٤٦، ٣٤٧ ط الأميرية، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٧.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ عَدَمَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ (١) قَالُوا: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ التَّزْوِيجُ أَوِ الإِْنْكَاحُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُمَا تَعَبُّدًا وَاحْتِيَاطًا، لأَِنَّ النِّكَاحَ يَنْزِعُ إِلَى الْعِبَادَاتِ لِوُرُودِ النَّدْبِ فِيهِ، وَالأَْذْكَارُ فِي الْعِبَادَاتِ تُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظَيِ التَّزْوِيجِ وَالإِْنْكَاحِ (٢) .

_________

(١) حديث: " اتقوا الله في النساء. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٩ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٤٠ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٠٧، والإنصاف ٨ / ٤٥ ط دار إحياء التراث العربي.

تَمَوُّلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّمَوُّل فِي اللُّغَةِ: اتِّخَاذُ الْمَال، يُقَال: تَمَوَّل فُلاَنٌ مَالًا إِذَا اتَّخَذَ قَنِيَّةً. وَمَال الرَّجُل يُمَوِّل وَيَمَال مَوْلًا وَمُؤَوَّلًا إِذَا صَارَ ذَا مَالٍ

وَفِي الْحَدِيثِ: مَا جَاءَك مِنْهُ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ عَلَيْهِ فَخُذْهُ وَتَمَوَّلْهُ - أَيِ اجْعَلْهُ لَك مَالًا، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ

وَالْمَال فِي اللُّغَةِ: مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مَا مَلَكْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الأَْشْيَاءِ.

وَشَرْعًا: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهِ (١)،

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (مَالٌ) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّمَلُّكُ:

٢ - التَّمَلُّكُ وَالْمَلْكُ وَالْمُلْكُ وَالْمِلْكُ فِي اللُّغَةِ: احْتِوَاءُ الشَّيْءِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الاِسْتِبْدَادِ بِهِ.

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " مول ". وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٠، والمنثور في القواعد ٣ / ٢٢٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣٢٧، وكشاف القناع ٣ / ١٥٢، والمبدع ٤ / ٩.

وَعَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ: اتِّصَالٌ شَرْعِيٌّ بَيْنَ الإِْنْسَانِ وَبَيْنَ شَيْءٍ يَكُونُ مُطْلَقًا لِتَصَرُّفِهِ فِيهِ وَحَاجِزًا عَنْ تَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ (١) "

ب - الاِخْتِصَاصُ:

٣ - الاِخْتِصَاصُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْفِرَادُ بِالشَّيْءِ دُونَ الْغَيْرِ.

قَال صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ: لِلاِخْتِصَاصِ إِطْلاَقَانِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

أ - فَهُوَ يُطْلَقُ فِي الأَْعْيَانِ الَّتِي لاَ تَقْبَل التَّمَوُّل كَالنَّجَاسَاتِ مِنَ الْكَلْبِ وَالزَّيْتِ النَّجَسِ وَالْمَيِّتِ وَنَحْوِهَا.

ب - وَيُطْلَقُ فِيمَا يَقْبَل التَّمَوُّل وَالتَّمَلُّكَ مِنَ الأَْعْيَانِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لإِرْصَادِهِ لِجِهَةٍ نَفْعُهَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، كَالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ.

وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ فَقَدِ اخْتَصَّ بِهِ. فَالاِخْتِصَاصُ أَعَمُّ مِنَ التَّمَوُّل وَالتَّمَلُّكِ.

قَال الزَّرْكَشِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالاِخْتِصَاصِ: أَنَّ الْمِلْكَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْعْيَانِ

_________

(١) لسان العرب مادة: " ملك "، فتح القدير ٥ / ٤٥٥، مواهب الجليل ٤ / ٢٢٣ وما بعدها، الفروق للقرافي ٣ / ٢٠٨، والمنثور في القواعد ٣ / ٢٢٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣١٦، والتعريفات للجرجاني ص٢٢٨، ٢٢٩، وتهذيب الفروق ٣ / ٢٣٤.

وَالْمَنَافِعِ، وَالاِخْتِصَاصَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ، وَبَابُ الاِخْتِصَاصِ أَوْسَعُ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٤ - الأَْعْيَانُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

ضَرْبٍ لاَ يَقْبَل التَّمَوُّل، فَلاَ يَعْتَبِرُهُ الشَّارِعُ مَالًا، وَإِنْ تَمَوَّلَهُ النَّاسُ، وَيَبْطُل بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ إِنْ جُعِل عِوَضًا فِيهَا

وَضَرْبٍ يَقْبَل التَّمَوُّل، وَيَكُونُ مَالًا شَرْعًا بِتَمَوُّل النَّاسِ لَهُ، وَتَنْعَقِدُ بِهِ الْمُعَاوَضَاتُ وَجَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ.

٥ - وَقَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَال إِلَى مُتَقَوِّمٍ، وَغَيْرِ مُتَقَوِّمٍ. فَالْمُتَقَوِّمُ عِنْدَهُمْ: هُوَ الْمَال الَّذِي أَبَاحَ الشَّارِعُ الاِنْتِفَاعَ بِهِ، وَغَيْرُ الْمُتَقَوِّمِ: هُوَ الْمَال الَّذِي لَمْ يُبِحِ الشَّارِعُ الاِنْتِفَاعَ بِهِ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، فَالْمَال أَعَمُّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُتَقَوِّمِ.

وَيَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ الَّذِي لَمْ يُبِحِ الشَّارِعُ الاِنْتِفَاعَ بِهِ خَارِجٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا أَسَاسًا.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَنَافِعِ وَالْحُقُوقِ هَل تُتَمَوَّل أَمْ لاَ؟ أَيْ هَل هِيَ مِنْ قَبِيل الْمَال أَمْ لاَ؟

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ تَمَوُّلِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الأَْشْيَاءِ مَنَافِعُهَا لاَ ذَوَاتُهَا.

_________

(١) لسان العرب، وتاج العروس مادة: " خصص "، الكليات ١ / ٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٤، والمنثور في القواعد ٣ / ٤٣٤، والفروق للقرافي ٣ / ٢١٠١، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣١٦.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَالِيَّتِهَا، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيل الْمِلْكِ لاَ الْمَال؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَصَرَّفَ فِيهِ بِوَصْفِ الاِخْتِصَاصِ، وَالْمَال مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدَّخَرَ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ وَقْتَ الْحَاجَةِ.

٦ - وَثَمَرَةُ الْخِلاَفِ تَظْهَرُ فِي مَسَائِل كَثِيرَةٍ: مِنْهَا فِي الإِْجَارَةِ: فَإِنَّهَا تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ مَالًا حَتَّى تُورَثَ.

وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لاَ تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ وَتَظَل بَاقِيَةً حَتَّى تَنْتَهِيَ الْمُدَّةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ، فَتُورَثُ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ: (مَالٌ) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣، ١٠٠ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ٢، ٣، ٤١٤، والمنثور في القواعد ٣ / ٢٢٢، والفروق للقرافي ٣ / ٢٣٦ وما بعدها، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣٢٧، وكشاف القناع ٣ / ١٥٢.