الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
فَإِنْ بَلَغُوا هَذَا الْعَدَدَ لَمْ يَحِل لَهُمُ الْفِرَارُ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمِثْلَيْنِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ:. . وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ (١) فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْل الْعِلْمِ خَصَّصُوا هَذَا الْعَدَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عُمُومِ الآْيَةِ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ إِذَا بَلَغُوا اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، وَمَا لَمْ يَكُنِ الْعَدُوُّ بِمَحَل مَدَدِهِ وَلاَ مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِلاَّ جَازَ، وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُهُمْ مَحَل الْحُرْمَةِ أَيْضًا: فِيمَا إِذَا كَانَ فِي الاِثْنَيْ عَشَرَ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذَلِكَ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتُلُونَهُمْ جَازَ الْفِرَارُ. (٣)
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: فِي الْخَانِيَّةِ: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرُّوا إِذَا كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَر لِقَوْلِهِ ﷺ: لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ. . وَالْحَاصِل: أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُغْلَبُ لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَفِرَّ، وَلاَ بَأْسَ لِلْوَاحِدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلاَحٌ أَنْ يَفِرَّ مِنِ اثْنَيْنِ لَهُمَا سِلاَحٌ، وَيُكْرَهُ لِلْوَاحِدِ الْقَوِيِّ أَنْ يَفِرَّ مِنَ
_________
(١) حديث: " ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٤٣ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٥٣، ورد المحتار على الدر المختار ٣ / ٢٢٤، وتفسير القرطبي ٧ / ٣٨٢.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ٢٥٤، وحاشية الزرقاني على خليل ٣ / ١١٥.
الْكَافِرَيْنِ، وَالْمِائَةُ مِنَ الْمِائَتَيْنِ فِي قَوْل مُحَمَّدٍ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنَ الثَّلاَثَةِ وَالْمِائَةُ مِنَ الثَّلاَثِمِائَةِ. (١)
وَاسْتُثْنِيَ مِنَ الْحُكْمِ بِتَحْرِيمِ التَّوَلِّي عِنْدَ الزَّحْفِ - بِنَصِّ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ - الْمُتَحَرِّفُ لِقِتَالٍ وَهُوَ: الَّذِي يُظْهِرُ الْهَزِيمَةَ وَيَنْصَرِفُ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ فَيَكْمُنُ وَيَهْجُمُ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَنْصَرِفُ مِنْ مَضِيقٍ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إِلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَال. . وَذَلِكَ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ وَفُنُونِ الْقِتَال فَلاَ وِزْرَ فِيهِ وَلاَ حُرْمَةَ.
وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَتِ الآْيَةُ مِنْ تَحْرِيمِ التَّوَلِّي عِنْدَ الزَّحْفِ الْمُتَحَيِّزَ إِلَى فِئَةٍ وَهُوَ: الَّذِي يَنْصَرِفُ عَنِ الْعَدُوِّ بِنِيَّةِ الذِّهَابِ إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ وَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْقِتَال، وَلاَ حُرْمَةَ عَلَى مَنْ يَنْصَرِفُ بِنِيَّةِ التَّحَيُّزِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ التَّحَرُّفِ أَوِ التَّحَيُّزِ: كَوْنَ الْمُتَحَرِّفِ أَوِ الْمُتَحَيِّزِ غَيْرَ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالإِْمَامِ، وَأَمَّا هُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا التَّحَرُّفُ وَلاَ التَّحَيُّزُ لِحُصُول الْخَلَل وَالْمَفْسَدَةِ بِهِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى الْمُتَحَرِّفِ وَالْمُتَحَيِّزِ مَنْ عَجَزَ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ لَهُ الاِنْصِرَافَ بِكُل حَالٍ. (٢)
وَالْفِرَارُ - التَّوَلِّي - الْمُحَرَّمُ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِظَاهِرِ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٣ / ٢٢٤.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٥٤، والقليوبي وعميرة ٤ / ٢١٩، والمفردات في غريب القرآن ١٣٦.
الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَإِجْمَاعِ الأَْكْثَرِ مِنَ الأَْئِمَّةِ لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. . . وَفِيهِ وَالتَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ (١) وَهِيَ كَبِيرَةٌ تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ بِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (جِهَادٌ، سَيْرٌ) .
ثَانِيًا: تَوَلِّي الْقَضَاءِ:
٤ - تَوَلِّي الْقَضَاءِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ:
فَيَكُونُ وَاجِبًا: إِنْ كَانَ مَنْ يَتَوَلاَّهُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ دُونَ غَيْرِهِ لاِنْفِرَادِهِ بِشُرُوطِهِ، فَحِينَئِذٍ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ التَّقَلُّدُ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِخْلاَءً لِلْعَالَمِ عَنِ الْفَسَادِ؛ وَلأَِنَّ الْقَضَاءَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلاَ يُوجَدُ سِوَاهُ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَغُسْل الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ، وَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
وَيَكُونُ مَنْدُوبًا: لِصَاحِبِ عِلْمٍ خَفِيٍّ لاَ يَعْرِفُهُ النَّاسُ، وَوُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَاضِي، وَذَلِكَ لِيُشْهِرَ عِلْمَهُ لِلنَّاسِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ.
وَيَكُونُ حَرَامًا: لِفَاقِدِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، رُوِيَ
_________
(١) حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات ". أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٨١ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٩٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) حاشية الزرقاني ٣ / ١١٥، وتفسير القرطبي ٧ / ٣٨٠ - ٣٨٢.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا قَضَى بَيْنَ النَّاسِ بِجَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ (١)؛ وَلأَِنَّ مَنْ لاَ يُحْسِنُهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْعَدْل فِيهِ فَيَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ فَيَدْفَعُهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَيَكُونُ مَكْرُوهًا: لِمَنْ يَخَافُ الْعَجْزَ عَنْهُ وَلاَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الْحَيْفَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ تَوَلِّيهِ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمُ الدُّخُول فِيهِ مُخْتَارًا لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ (٢) .
وَيَكُونُ مُبَاحًا: لِلْعَدْل الْمُجْتَهِدِ الصَّالِحِ لِلْقَضَاءِ الَّذِي يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ فَرْضَهُ وَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ مِثْلِهِ. (٣)
وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْوِلاَيَاتِ كَالْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ، وَمَا يَتَّصِل بِشُرُوطِ مَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ أَوْ نَحْوَهُ مِنَ الْوِلاَيَاتِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ، وَإِمَامَةٌ) إِلَخْ.
ثَالِثًا: تَوَلِّي الْمَرْأَةِ عَقْدَ النِّكَاحِ:
٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَلاَ غَيْرَهَا، أَيْ لاَ وِلاَيَةَ لَهَا
_________
(١) حديث: " القضاة ثلاثة ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٤ - ط الحلبي)، والحاكم (٤ / ٩٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) حديث: " من ولي القضاء. . . . " أخرجه أبو داود ٤ / ٤ تحقيق عزت عبيد دعاس، والحاكم ٤ / ٩١ وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) فتح القدير ٦ / ٣٦٢ - ٣٦٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٢، والقليوبي وعميرة ٤ / ٢٩٥ - ٢٩٦، والمغني ٩ / ٣٥ - ٣٦.
فِي عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى نَفْسِهَا وَلاَ غَيْرِهَا بِالْوِلاَيَةِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كُلٌّ مِنَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ وَأَنَّهُ الْقَوْل الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ أَخِيرًا عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ (١) وَمِنَ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْوَلِيِّ الذُّكُورَةُ، فَإِنْ تَوَلَّتِ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ ﵃، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٢) أَيْ قَائِمُونَ بِمَصَالِحِهِنَّ، وَمِنْهَا وِلاَيَةُ تَزْوِيجِهِنَّ كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ تَنْكِيرُ الْوَلِيِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ذُكُورَتِهِ، وَإِرَادَةُ التَّغْلِيبِ فِيهِ مَدْفُوعَةٌ بِحَدِيثِ: لاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلاَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا (٣) .
_________
(١) حديث: " لا نكاح إلا بولي. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٩٨ - ط الحلبي)، والحاكم (٢ / ١٧٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي موسى الأشعري، وقال الحاكم: " وقد صحت الروايات فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ﵅ ".
(٢) سورة النساء / ٣٤.
(٣) حديث: " لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها. . . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٠٦ - ط الحلبي)، والدارقطني (٣ / ٢٢٧ - ط دار المحاسن) وفي إسناده راوٍ فيه مقال كما قال البوصيري في زوائد ابن ماجه، ولكنه قد تربع عند الدارقطني (٣ / ٢٢٨) .
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ (١) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الأُْولَى عَنْهُ وَهِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ: تَجُوزُ مُبَاشَرَةُ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ عَقْدَ نِكَاحِهَا وَنِكَاحَ غَيْرِهَا مُطْلَقًا إِلاَّ أَنَّهُ خِلاَفُ الْمُسْتَحَبِّ.
وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ لِلْفَتْوَى: إِنْ عَقَدَتْ مَعَ كُفْءٍ جَازَ وَمَعَ غَيْرِهِ لاَ يَصِحُّ.
وَنُقِل عَنْ أَبِي يُوسُفَ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ، اُخْتُلِفَ فِي تَرْتِيبِهَا، فَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَال: لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا إِذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مِنَ الْكُفْءِ لاَ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا مِنَ الْكُفْءِ وَغَيْرِهِ.
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ هُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ إِلاَّ بِوَلِيٍّ، وَكَذَا الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٨١، والقليوبي وعميرة ٣ / ٢٢١، والمغني ٦ / ٤٤٩، وحديث: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٤٧ - ط الميمنية)، وأبو داود (٢ / ٥٦٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه الترمذي (٣ / ٣٩٩ - ط الحلبي) .
قَال: وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ الأَْخِيرُ.
قَال الْكَمَال: وَرَجَحَ قَوْل الشَّيْخَيْنِ (الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ) وَهُوَ أَنَّ قَوْل أَبِي يُوسُفَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ هُوَ عَدَمُ الْجَوَازِ؛ لأَِنَّ الطَّحَاوِيَّ وَالْكَرْخِيَّ أَقْوَمُ وَأَعْرَفُ بِمَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ: الأُْولَى: انْعِقَادُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ إِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ وَإِلاَّ بَطَل، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا كَانَ كُفْئًا وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ يُجَدِّدُ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِيَةُ: رُجُوعُهُ إِلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَاسْتَدَلاَّ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمِ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)،
وَهَذِهِ الآْيَاتُ تُصَرِّحُ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ الْمَذْكُورَ فِيهَا مَنْسُوبٌ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَمَنْ قَال لاَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ فَقَدْ رَدَّ نَصَّ الْكِتَابِ.
_________
(١) سورة البقرة / ٢٣٤.
(٢) سورة البقرة / ٢٣٢.
(٣) سورة البقرة / ٢٣٠.
وَاسْتَدَل بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا (١) وَبِأَنَّهَا حُرَّةٌ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ فَتَكُونُ لَهَا الْوِلاَيَةُ عَلَى نَفْسِهَا كَالْغُلاَمِ وَلِتَصَرُّفِهَا فِي الْمَال؛ وَبِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ صَحَّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِنْشَاءُ الْعَقْدِ لَمَا صَحَّ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نِكَاحٌ) .
رَابِعًا: تَوَلِّي طَرَفَيِ الْعَقْدِ:
أ - فِي النِّكَاحِ:
٦ - يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَتَوَلَّى شَخْصٌ طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَاحِدٌ بِإِيجَابٍ يَقُومُ مَقَامَ الْقَبُول فِي خَمْسِ صُوَرٍ، كَأَنْ كَانَ وَلِيًّا، أَوْ وَكِيلًا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ أَصِيلًا مِنْ جَانِبٍ وَوَكِيلًا، أَوْ وَلِيًّا مِنْ آخَرَ، أَوْ وَلِيًّا مِنْ جَانِبٍ وَكِيلًا مِنْ آخَرَ. (٣)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لاِبْنِ عَمِّ الْمَرْأَةِ إِذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا، وَعَيَّنَ نَفْسَهُ لِمُوَكِّلَتِهِ وَرَضِيَتْ بِهِ، أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَزَوَّجْتُك بِكَذَا مِنَ الْمَهْرِ وَلاَ يَحْتَاجُ لِقَبُولٍ بَعْدَ هَذَا؛ لِتَوَلِّي ابْنِ الْعَمِّ الإِْيجَابَ وَالْقَبُول، عَلَى أَنْ تَرْضَى الزَّوْجَةُ بِالْمَهْرِ الَّذِي سَمَّاهُ وَيَشْهَدُ عَدْلاَنِ عَلَى
_________
(١) حديث: " الأيم أحق بنفسها من وليها. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٣٧ ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٢) فتح القدير ٣ / ١٥٧، وتبيين الحقائق ٢ / ١١٧.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٢٦.
تَزْوِيجِهَا لِنَفْسِهِ، وَمِثْل ابْنِ الْعَمِّ الْحَاكِمُ وَالْوَصِيُّ وَالْكَافِل وَوَلِيُّ الإِْسْلاَمِ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَدِّ تَوَلِّي طَرَفَيْ عَقْدِ تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الآْخَرِ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الأَْصَحِّ لِقُوَّةِ وِلاَيَةِ الْجَدِّ، وَالثَّانِي: لاَ يَصِحُّ لأَِنَّ خِطَابَ الإِْنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ لاَ يَنْتَظِمُ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ غَيْرِ الْجَدِّ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلاَ يُزَوِّجُ وَاحِدٌ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ مَوْلِيَتَهُ لِنَفْسِهِ بِتَوَلِّيهِ الطَّرَفَيْنِ بَل يُزَوِّجُهُ بِهَا نَظِيرُهُ فِي دَرَجَتِهِ وَيَقْبَل هُوَ لِنَفْسِهِ فَلاَ وِلاَيَةَ بِهِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ زَوَّجَهَا لَهُ الْقَاضِي. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِل لَهُ نِكَاحُهَا وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ، أَوِ الْمَوْلَى، أَوِ الْحَاكِمُ، أَوِ السُّلْطَانُ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَفِي تَوَلِّيهِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَال لأُِمِّ حَكِيمٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَك إِلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: قَدْ تَزَوَّجْتُك (٣)، وَلأَِنَّهُ يَمْلِكُ الإِْيجَابَ وَالْقَبُول فَجَازَ أَنْ يَتَوَلاَّهُمَا.
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٢.
(٢) القليوبي وعميرة ٣ / ٢٣٢.
(٣) حديث: " أثر عبد الرحمن بن عوف. . . " أخرجه البخاري تعليقًا (الفتح ٩ / ١٨٨ - ط السلفية) وعزاه لابن سعد في طبقاته وابن حجر في الفتح وفي التغليق (٣ / ٤١٦ - ط المكتب الإسلامي) .
الثَّانِيَةُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ وَلَكِنْ يُوَكِّل رَجُلًا يُزَوِّجُهُ إِيَّاهَا بِإِذْنِهَا؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَمَرَ رَجُلًا زَوَّجَهُ امْرَأَةً الْمُغِيرَةُ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ؛ وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالإِْذْنِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ كَالْبَيْعِ. (١)
ب - فِي الْبَيْعِ:
٧ - صَحَّحَ بَعْضُهُمْ تَوَلِّيَ طَرَفَيِ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْعُقُودِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ بَاعَ الْوَصِيُّ أَوِ اشْتَرَى مَال الْيَتِيمِ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ وَصِيَّ الْقَاضِي لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّ الأَْبِ جَازَ لِشَرْطِ مَنْفَعَةٍ ظَاهِرَةٍ لِلصَّغِيرِ وَهِيَ قَدْرُ النِّصْفِ زِيَادَةً أَوْ نَقْصًا، وَقَالاَ: لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَبَيْعُ الأَْبِ مَال صَغِيرٍ مِنْ نَفْسِهِ جَائِزٌ بِمِثْل الْقِيمَةِ وَبِمَا يُتَغَابَنُ فِيهِ وَهُوَ الْيَسِيرُ، وَإِلاَّ لاَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَنْقُول. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَمَنْعُ بَيْعِ الْوَكِيل مَا وُكِّل عَلَى بَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَلَوْ سَمَّى لَهُ الثَّمَنَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لاِحْتِمَال الرَّغْبَةِ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى، فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُهَا فِيهِ أَوِ اشْتَرَاهُ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ جَازَ. (٣)
_________
(١) المغني ٦ / ٤٦٩ - ٤٧١.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٤٥٣.
(٣) حاشية الزرقاني ٦ / ٨٣.