الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيَصِحُّ التَّوْكِيل فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ وَطَلاَقٍ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، كَالصُّلْحِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالضَّمَانِ، أَيْ يَصِحُّ فِيمَا لَهُ طَرَفَانِ فِيهِمَا مَعًا، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ فِي حَالَةِ طَرَفٍ وَاحِدٍ فِي ذَلِكَ الطَّرَفِ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ وُكِّل فِي بَيْعِ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ لاَ يَشْتَرِي مَال الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيل وَالْوَصِيُّ مَال الْمُوَكِّل أَوِ الْمُوصَى عَلَيْهِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ. وَالثَّانِيَةِ: أَوْ يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غَيْرُهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الأَْبُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَال وَلَدِهِ الطِّفْل. (٢)
_________
(١) القليوبي وعميرة ٢ / ٣٣٨.
(٢) المغني ٥ / ١١٧ - ١٢٢.
تَوْلِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّوْلِيَةُ لُغَةً مَصْدَرُ: وَلَّى، يُقَال: وَلَّيْتُ فُلاَنًا الأَْمْرَ جَعَلْتُهُ وَالِيًا عَلَيْهِ، وَيُقَال: وَلَّيْتُهُ الْبَلَدَ، وَعَلَى الْبَلَدِ. وَوَلَّيْتُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَيْ جَعَلْتُ وَالِيًا عَلَيْهِمَا. (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ التَّوْلِيَةُ بِإِطْلاَقَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: مُوَافِقٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَثَانِيهِمَا: تُطْلَقُ عَلَى التَّوْلِيَةِ فِي الْبَيْعِ وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُل سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ لِرَجُلٍ آخَرَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ فَإِنْ قَال: وَلَّيْتُك إِيَّاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ إِيَّاهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا أَوْ بِأَقَل؛ لأَِنَّ لَفْظَ التَّوْلِيَةِ يَقْتَضِي دَفْعَهَا إِلَيْهِ بِمِثْل مَا اشْتَرَاهَا بِهِ. (٢)
وَعَرَّفَهَا الشَّيْخُ عَمِيرَةُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: بِأَنَّهَا نَقْل جَمِيعِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُوَلَّى بِمِثْل الثَّمَنِ الْمِثْلِيِّ أَوْ عَيْنِ الْمُتَقَوِّمِ (الْقِيَمِيِّ) بِلَفْظِ وَلَّيْتُكَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. (٣)
_________
(١) المصباح المنير مادة: " ولي ".
(٢) الزاهر ص٢٢٠ ط الأوقاف - الكويت، والقليوبي وعميرة ٢ / ٢١٩ - ٢٢٠
(٣) مرادهم من جعل عين المتقوم ثمنًا أنه لا تصلح التولية بالثمن القيمي إلا للبالغ نفسه (حاشية عميرة ٢ / ٢١٩) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْشْرَاكُ:
٢ - الإِْشْرَاكُ لُغَةً: جَعْل الْغَيْرِ شَرِيكًا، وَاصْطِلاَحًا: نَقْل بَعْضِ الْمَبِيعِ إِلَى الْغَيْرِ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل (أَيْ بِمِثْل ثَمَنِ الْبَعْضِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ كُلِّهِ) .
ب - الْمُرَابَحَةُ:
٣ - الْمُرَابَحَةُ لُغَةً: الزِّيَادَةُ، وَاصْطِلاَحًا: نَقْل كُل الْمَبِيعِ إِلَى الْغَيْرِ بِزِيَادَةٍ عَلَى مِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل.
ج - الْمُحَاطَّةُ:
٤ - الْمُحَاطَّةُ لُغَةً: النَّقْصُ. وَاصْطِلاَحًا: نَقْل كُل الْمَبِيعِ إِلَى الْغَيْرِ بِنَقْصٍ عَنْ مِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ بَيْنَ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ وَبَيْنَ بَيْعِ التَّوْلِيَةِ وَجَمِيعُهَا مِنْ بُيُوعِ الأَْمَانَةِ. (١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
أَوَّلًا: التَّوْلِيَةُ (بِمَعْنَى نَصْبِ الْوُلاَةِ)
٥ - تَوْلِيَةُ إِمَامٍ عَامٍّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَفْصِل فِي أُمُورِهِمْ وَيَسُوسُهُمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، مُخَاطَبٌ بِهِ أَهْل
_________
(١) القليوبي ٢ / ٢٢٠.
الْحَل وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ حَتَّى يَخْتَارُوا الإِْمَامَ.
وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي السَّقِيفَةِ، فَقَالَتِ الأَْنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، دَفَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄. وَقَالاَ: (إِنَّ الْعَرَبَ لاَ تَدِينُ إِلاَّ لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ) . وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا، فَلَوْلاَ أَنَّ الإِْمَامَةَ وَاجِبَةٌ لَمَا سَاغَتْ تِلْكَ الْمُحَاوَرَةُ وَالْمُنَاظَرَةُ عَلَيْهَا وَلَقَال قَائِلٌ: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لاَ فِي قُرَيْشٍ وَلاَ فِي غَيْرِهِمْ.
وَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الدَّوْلَةُ فِي أُمُورِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مِنْ وُزَرَاءَ وَقُضَاةٍ وَأُمَرَاءِ الْجُيُوشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَمْرَ الدَّوْلَةِ لاَ يَصْلُحُ وَلاَ يَسْتَقِيمُ إِلاَّ بِتَوْلِيَةِ هَؤُلاَءِ وَأَمْثَالِهِمْ؛ لأَِنَّ مَا وُكِّل إِلَى الإِْمَامِ مِنْ تَدْبِيرِ الأُْمَّةِ لاَ يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَةِ جَمِيعِهِ إِلاَّ بِاسْتِنَابَةٍ. (١)
٦ - وَالإِْمَامَةُ تَنْعَقِدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا اخْتِيَارِ أَهْل الْعَقْدِ وَالْحَل، وَالثَّانِي بِعَهْدِ الإِْمَامِ مِنْ قَبْل.
وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ اخْتِيَارِ الإِْمَامِ وَمَنْ يَخْتَارُهُ وَمَا تَنْتَهِي بِهِ الإِْمَامَةُ وَمَنْ يُوَلِّيهِمُ الإِْمَامُ لِمُعَاوَنَتِهِ مِنْ وُزَرَاءَ وَغَيْرِهِمْ وَصِيَغِ تَوْلِيَتِهِمْ تَفْصِيلاَتٌ
_________
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص (٢٨) ط دار الكتب العلمية، والماوردي ص٢٢.
وَشُرُوطٌ مَحَلُّهَا (الإِْمَامَةُ الْكُبْرَى، وَقَضَاءٌ، وَوَزَارَةٌ، وَإِمَارَةٌ. إِلَخْ) .
٧ - تَوْلِيَةُ الْوُزَرَاءِ جَائِزَةٌ شَرْعًا، فَإِنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى ﵇ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَل لَهُ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِهِ ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ (١) فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي النُّبُوَّةِ فَهُوَ فِي غَيْرِهَا أَوْلَى ﴿قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَك يَا مُوسَى﴾ (٢) وَتَعْيِينُ الْوُزَرَاءِ لِمُسَاعَدَةِ الأَْمِيرِ لاَ بُدَّ مِنْهُ؛ إِذْ إِنَّ الأَْمِيرَ لاَ يَسْتَطِيعُ وَحْدَهُ مُبَاشَرَةَ جَمِيعِ الأُْمُورِ.
وَالْوَزَارَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: وَزَارَةِ تَفْوِيضٍ، وَوَزَارَةِ تَنْفِيذٍ. (٣)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَزَارَةٌ) .
تَوْلِيَةُ الْقُضَاةِ:
٨ - الْقَضَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الأَْئِمَّةِ فِي أَنَّ الْقِيَامَ بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ أَنْ لاَ يُوجَدَ غَيْرُهُ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ إِلْزَامُهُ بِتَوَلِّيهِ لِئَلاَّ تَتَعَطَّل مَصَالِحُ النَّاسِ. (٤)
أَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي يَجِبُ تَحَقُّقُهَا فِيمَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ، وَفِيمَنْ يَمْلِكُ تَوْلِيَةَ الْقَاضِي، وَفِي
_________
(١) سورة طه / ٢٩.
(٢) سورة طه / ٣٦.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٧.
(٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢.
اخْتِصَاصِ الْقَاضِي فَمَحَلُّهَا (١) (مُصْطَلَحِ قَضَاءٌ) .
الْوِلاَيَاتُ الأُْخْرَى:
٩ - عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ فِي كُل أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدَّوْلَةِ مَنْ يَقُومُ بِهَا؛ لأَِنَّ أُمُورَ الدَّوْلَةِ لاَ تَسْتَقِيمُ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِيهَا مَنْ يَقُومُ عَلَى مُبَاشَرَتِهَا.
قَال أَبُو يَعْلَى: وَمَا يَصْدُرُ عَنْ الإِْمَامِ مِنْ وِلاَيَاتِ خُلَفَائِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ عَامَّةً فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ، وَهُمُ الْوُزَرَاءُ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْتَنَابُونَ فِي جَمِيعِ النَّظَرَاتِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
الثَّانِي: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ عَامَّةً فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، وَهُمُ الأُْمَرَاءُ لِلأَْقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ. لأَِنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الأَْعْمَال عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأُْمُورِ.
الثَّالِثُ: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ خَاصَّةً فِي الأَْعْمَال الْعَامَّةِ، وَهُمْ مِثْل قَاضِي الْقُضَاةِ، وَنَقِيبِ الْجُيُوشِ، وَحَامِي الثُّغُورِ، وَمُسْتَوْفِي الْخَرَاجِ، وَجَابِي الصَّدَقَاتِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى نَظَرٍ خَاصٍّ فِي جَمِيعِ الأَْعْمَال.
الرَّابِعُ: مَنْ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ خَاصَّةً فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، وَهُمْ مِثْل قَاضِي بَلَدٍ، أَوْ إِقْلِيمٍ، أَوْ
_________
(١) تبصرة الحكام ١ / ٨ ط دار الكتب العلمية - بيروت، ومعين الحكام ص٧
مُسْتَوْفِي خَرَاجَهُ، أَوْ جَابِي صَدَقَاتِهِ، أَوْ حَامِي ثَغْرِهِ، أَوْ نَقِيبِ جُنْدِهِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَاصُّ النَّظَرِ مَخْصُوصُ الْعَمَل. وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ الْوُلاَةِ شُرُوطٌ تَنْعَقِدُ بِهَا وِلاَيَتُهُ وَيَصِحُّ مَعَهَا نَظَرُهُ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا. (١)
الأَْلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلاَيَةُ:
١٠ - وَالأَْلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلاَيَةُ ضَرْبَانِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ.
فَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ " قَدْ وَلَّيْتُك، وَقَلَّدْتُك، وَاسْتَخْلَفْتُك، وَاسْتَنَبْتُكَ ". فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ انْعَقَدَتْ بِهِ وِلاَيَةُ الْقَضَاءِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْوِلاَيَاتِ، وَلاَ يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى قَرِينَةٍ.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَقَدْ قِيل: إِنَّهَا سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ: " قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَوَكَّلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ "
فَإِنِ اقْتُرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ صَارَتْ فِي حُكْمِ الصَّرِيحِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: " فَانْظُرْ فِيمَا وَكَلْتُهُ إِلَيْكَ " وَاحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْكَ ".
فَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ مُشَافَهَةً فَقَبُولُهُ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ مُرَاسَلَةً، أَوْ مُكَاتَبَةً، جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّرَاخِي.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْقَبُول لَفْظًا، لَكِنْ وُجِدَ مِنْهُ
_________
(١) الأحكام السلطانية ص٢٨ ط دار الكتب العلمية.
الشُّرُوعُ فِي النَّظَرِ، احْتَمَل أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ مَجْرَى النُّطْقِ، وَاحْتَمَل أَنْ لاَ يَجْرِيَ؛ لأَِنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّظَرِ فَرْعٌ لِعَقْدِ الْوِلاَيَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ قَبُولُهَا. (١) وَالْكَلاَمُ عَنْ ذَلِكَ مَنْثُورٌ فِي أَبْوَابِ الْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ثَانِيًا: التَّوْلِيَةُ فِي الْبَيْعِ:
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ التَّوْلِيَةِ جَائِزٌ شَرْعًا؛ لأَِنَّ شَرَائِطَ الْبَيْعِ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ كَتَجَدُّدِ شُفْعَةٍ عَفَا عَنْهَا الشَّفِيعُ فِي الْعَقْدِ الأَْوَّل، وَبَقَاءِ الزَّوَائِدِ لِلْمُولِّي - بِكَسْرِ اللاَّمِ - وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ تَمْلِيكٌ جَدِيدٌ، وَلِتَعَامُل النَّاسِ بِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا؛ وَلأَِنَّ مَنْ لاَ يَهْتَدِي إِلَى التِّجَارَةِ يَحْتَاجُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى فِعْل الذَّكِيِّ الْمُهْتَدِي فِيهَا (٢)، وَلَمَّا أَرَادَ ﵊ الْهِجْرَةَ وَابْتَاعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعِيرَيْنِ، قَال ﵊ وَلِّنِي أَحَدَهُمَا، فَقَال لَهُ هُوَ لَك بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَقَال ﵊:
_________
(١) الأحكام السلطانية ص٦٤ ط دار الكتب العلمية.
(٢) فتح القدير ٥ / ٢٥٣ ط بولاق، وتبيين الحقائق ٤ / ٧٣ - ٧٦، والبناية ٦ / ٤٨٦، والدسوقي ٣ / ١٥٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٥٥، والشرح الصغير ٣ / ٢١١ ومغني المحتاج ٢ / ٧٦، وأسنى المطالب ٢ / ٩١، ونهاية المحتاج ٤ / ١٠٤، والروضة ٣ / ٥٢٥، والمغني ٤ / ٢٠٧، وكشاف القناع ٣ / ٢٢٩.
أَمَّا بِغَيْرِ شَيْءٍ فَلاَ، فَوَجَبَ الْقَوْل بِجَوَازِهَا. (١)
مَا تَصِحُّ فِيهِ التَّوْلِيَةُ:
١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْلِيَةِ فِي بَيْعِ الْمَنْقُول الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ وَجَعَلُوهُ كَالْبَيْعِ الْمُسْتَقِل. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ التَّوْلِيَةُ فِي الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. أَنَّهُ قَال: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ، إِلاَّ أَنْ يُشْرِكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ أَوْ يُقِيلَهُ (٣) .
وَشَرْطُهَا قَبْل قَبْضِهِ: اسْتِوَاءُ الْعَقْدَيْنِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَأَجَلِهِ أَوْ حُلُولِهِ وَكَوْنُ الثَّمَنِ عَيْنًا.
_________
(١) حديث: " لما أراد ﵊ الهجرة وابتاع أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعيرين. . . . . " أورده الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٣١ ط المجلس العلمي) بغير سند وقال: غريب ولم ينسبه إلى كتاب معين، ثم ذكر رواية البخاري (فتح الباري ٦ / ٢٣١ ط. السلفية) بلفظ قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين - قال رسول الله ﷺ: بالثمن.
(٢) البدائع ٥ / ١٨٠، وابن عابدين ٤ / ١٦٢، والشرح الكبير للدردير ٣ / ١٥٢، وروضة الطالبين ٣ / ٢٥ ط المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج ٢ / ٧٦.
(٣) حديث: " من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه ويستوفيه إلا أن يشرك فيه أو يوليه أو يقيله " أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨ / ٤٩ - ط المجلس العلمي) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن مرسلًا.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَتَجُوزُ التَّوْلِيَةُ فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ قَبْل الْقَبْضِ فِيمَا عَدَا الْمَكِيل وَالْمَوْزُونَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَحْتَاجُ فِي قَبْضِهِ إِلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ. (١)
مَا يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ:
١٣ - أ - اشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ الأَْوَّل مَعْلُومًا لِلْمُشْتَرِي الثَّانِي لأَِنَّ الْعِلْمَ بِالثَّمَنِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ؛ وَلأَِنَّ بَيْعَ التَّوْلِيَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى أَسَاسِ الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ الثَّمَنَ الأَْوَّل فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ فِي الْمَجْلِسِ وَيَرْضَى بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى افْتَرَقَ الْعَاقِدَانِ عَنِ الْمَجْلِسِ بَطَل الْعَقْدُ لِتَقَرُّرِ الْفَسَادِ. (٢)
١٤ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ وَلاَّهَا لِشَخْصٍ بِمَا اشْتَرَاهَا بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا لَهُ وَلاَ ثَمَنَهَا أَوْ ذَكَرَ لَهُ أَحَدَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإِْلْزَامِ، وَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَأَى وَعَلِمَ الثَّمَنَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا، أَوْ حَيَوَانًا. وَإِنْ عَلِمَ حِينَ التَّوْلِيَةِ بِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ - الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ - دُونَ الآْخَرِ ثُمَّ عَلِمَ بِالآْخَرِ
_________
(١) الشرح الصغير ٣ / ٢١٠ - ٢١٢، وبلغة السالك ٢ / ٥٧، والمغني ٤ / ١٢٨.
(٢) البدائع ٥ / ٢٢٠، وفتح القدير ٥ / ٢٥٦، وتبيين الحقائق ٤ / ٧٧ - ٧٩، ومغني المحتاج ٢ / ٧٦، وروضة الطالبين ٣ / ٥٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٢٩، والمغني ٤ / ٢١١، والمقنع ٢ / ٥٢