الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

تَوَكُّلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّوَكُّل فِي اللُّغَةِ: إِظْهَارُ الْعَجْزِ وَالاِعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ وَالتَّفْوِيضُ وَالاِسْتِسْلاَمُ، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْوَكَالَةُ. يُقَال: وَكَّل أَمْرَهُ إِلَى فُلاَنٍ أَيْ فَوَّضَهُ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ وَوَثِقَ بِهِ، وَاتَّكَل عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ كَذَلِكَ. وَالتَّوَكُّل أَيْضًا قَبُول الْوَكَالَةِ، يُقَال وَكَّلْتُهُ تَوْكِيلًا فَتَوَكَّل. (١)

وَفِي الشَّرِيعَةِ يُطْلَقُ التَّوَكُّل عَلَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَالإِْيقَانِ بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ، وَاتِّبَاعٍ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ فِي السَّعْيِ فِيمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنَ الأَْسْبَابِ. (٢)

حُكْمُ التَّوَكُّل:

٢ - التَّوَكُّل بِمَعْنَى الثِّقَةِ بِاَللَّهِ، وَالاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي كُل الأُْمُورِ وَاجِبٌ، وَمَأْمُورٌ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَفِي سُنَّةِ الرَّسُول ﷺ:

قَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

_________

(١) لسان العرب، ومتن اللغة، والمصباح المنير مادة: " وكل "، وإحياء علوم الدين ٢ / ٦٥.

(٢) تفسير القرطبي في تفسير آية ١٢٢ من سورة آل عمران ٤ / ١٨٩.

الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١) وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ بِالتَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ، وَقَال: تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَال مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٣) .

٣ - أَمَّا التَّوَكُّل بِمَعْنَى جَعْل الْغَيْرِ وَكِيلًا عَنْهُ يَتَصَرَّفُ فِي شُؤُونِهِ فِيمَا يَقْبَل النِّيَابَةَ، فَهُوَ جَائِزٌ وَيَأْتِي بَحْثُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَةٌ) .

٤ - وَأَمَّا التَّوَكُّل بِمَعْنَى: الاِعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةِ بِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي كُل الأُْمُورِ: فَهُوَ مِنْ أَعْمَال الْقَلْبِ كَالإِْيمَانِ، وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَالتَّفَكُّرِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ ﷾، وَمَحَبَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَالتَّطَهُّرِ مِنَ الرَّذَائِل الْبَاطِنَةِ كَالْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ، وَالرِّيَاءِ فِي الْعَمَل، لاَ يَدْخُل فِي مَبَاحِثِ الْفِقْهِ. وَمَوْطِنُهُ الأَْصْلِيُّ: كُتُبُ التَّوْحِيدِ، وَعِلْمُ الأَْخْلاَقِ. (٤)

التَّوَكُّل لاَ يَتَنَافَى مَعَ الأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ:

٥ - ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، وَمُحَقِّقُو الصُّوفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ لاَ يَتَنَافَى مَعَ السَّعْيِ وَالأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ مِنْ مَطْعَمٍ، وَمَشْرَبٍ، وَتَحَرُّزٍ مِنَ الأَْعْدَاءِ وَإِعْدَادِ الأَْسْلِحَةِ، وَاسْتِعْمَال مَا تَقْتَضِيهِ سُنَّةُ اللَّهِ الْمُعْتَادَةُ، مَعَ الاِعْتِقَادِ أَنَّ الأَْسْبَابَ

_________

(١) سورة آل عمران / ١٥٩.

(٢) سورة آل عمران / ١٢٢.

(٣) سورة يونس / ٨٤.

(٤) نهاية المحتاج ٢ / ١٠٦ - ١٠٧ ط مصطفى البابي الحلبي بمصر.

وَحْدَهَا لاَ تَجْلُبُ نَفْعًا، وَلاَ تَدْفَعُ ضَرًّا، بَل السَّبَبُ (الْعِلاَجُ) وَالْمُسَبَّبُ (الشِّفَاءُ) فِعْل اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكُل مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ، وَقَال سَهْلٌ: مَنْ قَال: التَّوَكُّل يَكُونُ بِتَرْكِ الْعَمَل، فَقَدْ طَعَنَ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. (١)

وَقَال الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ التَّوَكُّل أَنْ يُهْمِل الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ كَمَا يَقُول بَعْضُ الْجُهَّال وَإِلاَّ كَانَ الأَْمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ مُنَافِيًا لِلأَْمْرِ بِالتَّوَكُّل. بَل التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ: أَنْ يُرَاعِيَ الإِْنْسَانُ الأَْسْبَابَ الظَّاهِرَةَ وَلَكِنْ لاَ يُعَوِّل بِقَلْبِهِ عَلَيْهَا، بَل يُعَوِّل عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. (٣)

وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّل الصَّحِيحَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ. وَبِدُونِهِ تَكُونُ دَعْوَى التَّوَكُّل جَهْلًا بِالشَّرْعِ وَفَسَادًا فِي الْعَقْل.

وَقِيل لأَِحْمَد: مَا تَقُول فِيمَنْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ وَقَال لاَ أَعْمَل شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ رِزْقِي. فَقَال أَحْمَدُ: هَذَا رَجُلٌ جَهِل الْعِلْمَ، أَمَا سَمِعَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: جُعِل رِزْقِي تَحْتَ ظِل رُمْحِي (٤) .

_________

(١) تفسير القرطبي ٤ / ١٨٩ في تفسير آية ١٢٢ من آل عمران.

(٢) سورة آل عمران / ١٥٩.

(٣) تفسير الرازي ٩ / ٦٨ الآية ١٥٩ من آل عمران.

(٤) حديث: " وجعل رزقي تحت ظل رمحي " وهو جزء من حديث أوله " بعثت بين يدي الساعة بالسيف. . . " أخرجه أحمد (٧ / ١٤٢ / ٥١١٤ ط دار المعارف وصححه أحمد شاكر) .

وَقَال عُمَرُ ﵁: لاَ يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُول اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لاَ تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً. (١) وَقَدْ تَوَاتَرَ الأَْمْرُ بِالأَْخْذِ بِالأَْسْبَابِ فِي الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ الرَّسُول ﷺ.

أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ نَاقَتَهُ وَقَال: أَأَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّل، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّل؟ فَقَال ﷺ: اعْقِلْهَا، وَتَوَكَّل (٢) .

وَقَال ﷺ: لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ (٣) .

وَقَال تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾ (٤) وَالْغَنِيمَةُ اكْتِسَابٌ، وَقَال تَعَالَى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَْعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُل بَنَانٍ﴾ (٥) وَالضَّرْبُ عَمَلٌ، وَقَال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٦) وَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا

_________

(١) إحياء علوم الدين ٢ / ٦٣.

(٢) حديث: " أعقلها وتوكل ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٨ ط مصطفى الحلبي) من حديث أنس بن مالك وحسنه.

(٣) حديث: " لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه ". أخرجه البخاري (٣ / ٣٣٥ ط السلفية)، ومسلم ٢ / ٧٢١ ط عيسى الحلبي من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.

(٤) سورة الأنفال / ٦٩.

(٥) سورة الأنفال / ١٢.

(٦) سورة الملك / ١٥.

الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١)، وَقَال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل﴾ (٢) .

وَأَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِالتَّدَاوِي: وَقَال تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ مَعَهُ الشِّفَاءَ (٣) .

وَقَال شَارِحُ ثُلاَثِيَّاتِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: وَصَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: بِالْعُبُودِيَّةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ لاَ يُنَافِي التَّوَكُّل: أَيْ تَدَاوَوْا وَلاَ تَعْتَمِدُوا فِي الشِّفَاءِ عَلَى التَّدَاوِي. بَل كُونُوا مُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ ﷾، فَالتَّدَاوِي لاَ يُنَافِي التَّوَكُّل، كَمَا لاَ يُنَافِيهِ رَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَتَجَنُّبُ الْمُهْلِكَاتِ، وَالدُّعَاءُ بِطَلَبِ الْعَافِيَةِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، وَقَال: وَفِي الأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ إِثْبَاتٌ لِلأَْسْبَابِ، وَأَنَّهَا لاَ تُنَافِي التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَلاَ تَشْفِي بِذَوَاتِهَا بَل بِمَا قَدَّرَ اللَّهُ فِيهَا. (٤)

وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ: التَّوَكُّل بِتَرْكِ الأَْعْمَال الْوَهْمِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄

_________

(١) سورة النساء / ٧١.

(٢) سورة الأنفال / ٦٠.

(٣) حديث: " تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع معه الشفاء ". أخرجه أبو داود (٤ / ١٩٢ - ١٩٣ ط عزت عبيد الدعاس)، والترمذي (٤ / ٣٨٣ ط مصطفى الحلبي) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢ / ١١٣٧ ط عيسى الحلبي) .

(٤) شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢ / ٦٣٦ - ٦٣٧.

: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَدْخُل الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَقَال: الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (١) .

وَقَال ﵊: لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (&# x٦٦٢ ;) . وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّوَكُّل يَكُونُ مَعَ السَّعْيِ؛ لأَِنَّهُ ذَكَرَ لِلطَّيْرِ عَمَلًا وَهُوَ الذَّهَابُ صَبَاحًا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، وَهِيَ فَارِغَةُ الْبُطُونِ، وَالرُّجُوعُ وَهِيَ مُمْتَلِئَتُهَا.

تُوَلَةٌ

اُنْظُرْ: تَعْوِيذَةٌ.

_________

(١) حديث: " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب. . . " أخرجه البخاري (١١ / ٤٠٥ - ٤٠٦ ط السلفية)، ومسلم (١ / ١٩٩ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس.

(٢) حديث: " لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم. . . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٥٧٣ ط مصطفى الحلبي) وقال: حسن صحيح وأخرجه ابن ماجه (٢ / ١٣٩٤ ط، عيسى الحلبي) وأحمد (١ / ٢٤٣ - ٢٠٥ ط دار المعارف وقال أحمد شاكر إسناده صحيح) من حديث عمر بن الخطاب واللفظ لابن ماجه.

تَوَلِّي

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّوَلِّي: مَصْدَرُ تَوَلَّى، وَأَصْلُهُ الثُّلاَثِيُّ: وَلِيَ.

وَالتَّوَلِّي يَأْتِي فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: النُّصْرَةُ: وَيُقَال تَوَلَّيْتُ فُلاَنًا أَيِ اتَّخَذْتُهُ وَلِيًّا. (١)

وَالاِتِّبَاعُ وَالرِّضَا، يُقَال: تَوَلَّيْتُهُ: أَطَعْتُهُ. (٢)

وَالتَّقَلُّدُ. (٣) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَل عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤) .

قَال أَبُو الْعَالِيَةِ: إِنْ تَوَلَّيْتُمِ الْحُكْمَ فَجُعِلْتُمْ حُكَّامًا أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ بِأَخْذِ الرُّشَا. (٥)

وَفِعْل الْمَرْءِ الشَّيْءَ بِنَفْسِهِ. قَال تَعَالَى: ﴿

_________

(١) القاموس المحيط ٤ / ٤٠٤، ولسان العرب ٣ / ٩٨٦، والكليات ٢ / ٩٧.

(٢) تفسير القرطبي ١٠ / ١٧٦.

(٣) القاموس المحيط ٤ / ٤٠٤، ولسان العرب ٣ / ٩٨٧.

(٤) سورة محمد / ٢٢.

(٥) تفسير القرطبي ١٦ / ٢٤٥.

وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ وَلِيَ وِزْرَ الإِْفْكِ وَإِشَاعَتِهِ. (١)

وَالرُّجُوعُ وَالإِْدْبَارُ وَالإِْعْرَاضُ وَالإِْقْبَال: يُقَال: تَوَلَّى إِلَيْهِ أَيْ أَقْبَل، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّل﴾ (٢) .

وَتَوَلَّى إِذَا عُدِّيَ بِعَنْ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا اقْتَضَى مَعْنَى الإِْعْرَاضِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَوَل عَنْهُمْ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٤) .

وَالتَّوَلِّي قَدْ يَكُونُ بِالْجِسْمِ وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الإِْصْغَاءِ وَالاِئْتِمَارِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٥) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ.

وَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ فِي تَعَابِيرِ الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّوَلِّي بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهِ وَمَعَانِيهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَتَوَلِّي الْقَضَاءِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ، وَتَوَلِّي الْمَرْأَةِ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَتَوَلِّي

_________

(١) سورة النور / ١١، ولسان العرب ٣ / ٩٨٨.

(٢) سورة القصص / ٢٤، والكليات ٢ / ٩٧.

(٣) سورة الصافات / ١٧٤.

(٤) سورة آل عمران / ٦٣.

(٥) سورة الأنفال / ٢٠، وانظر المفردات في غريب القرآن.

الشَّخْصِ الْوَاحِدِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ، وَتَوَلِّي الصَّالِحِينَ وَتَوَلِّي الْفَاسِقِينَ.

أَوَّلًا: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ:

٣ - الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا، وَأَصْلُهُ الاِنْدِفَاعُ عَلَى الأَْلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُل مَاشٍ فِي الْحَرْبِ إِلَى الآْخَرِ زَاحِفًا. (١)

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٢) إِلَى أَنَّ التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ قِتَال الْكُفَّارِ حَرَامٌ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي حَضَرَ صَفَّ الْقِتَال أَنْ يَنْصَرِفَ إِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَتَدَانَى الصَّفَّانِ؛ لِقَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمِ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) نَهَى اللَّهُ تَعَالَى فِي الآْيَتَيْنِ الأُْولَيَيْنِ - فِي الذِّكْرِ هُنَا - عَنِ الْفِرَارِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَمَرَ فِي الآْيَةِ الأَْخِيرَةِ بِالثَّبَاتِ عِنْدَ قِتَالِهِمْ،

_________

(١) تفسير القرطبي ٧ / ٣٨٠.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٥٤، والزرقاني ٣ / ١١٥، والقليوبي ٤ / ٢١٩، والمغني ٨ / ٣٤٦، وكشاف القناع ٣ / ٤٧.

(٣) سورة الأنفال / ١٥، ١٦.

(٤) سورة الأنفال / ٤٥.

فَالْتَقَى الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ عَلَى سَوَاءٍ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ عَلَى الْوُقُوفِ لِلْعَدُوِّ وَالتَّجَلُّدِ لَهُ. (١)

وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ وَالتَّوَلِّي. إِذَا لَمْ يَزِدِ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿. . . فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. .﴾ (٢)

فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَحْرُمِ الْفِرَارُ، وَالصَّبْرُ أَحْسَنُ، فَقَدْ وَقَفَ جَيْشُ مُؤْتَةَ وَهُمْ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ فِي مُقَابَلَةِ مِائَتَيْ أَلْفٍ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ الْفِرَارِ الْعَدَدَ لاَ الْقُوَّةَ وَالْعُدَّةَ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا مَال إِلَيْهِ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى اعْتِبَارِ الْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا انْصِرَافُ مِائَةٍ مِنَّا ضُعَفَاءُ عَنْ مِائَتَيْنِ إِلاَّ وَاحِدًا أَقْوِيَاءَ، أَوْ مِائَةُ فَارِسٍ مِنْ مِائَةِ فَارِسٍ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ مَا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ النَّجْدَةِ وَالْبَسَالَةِ ضِعْفُ مَا عِنْدَهُمْ.

وَعَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ لاَ يَحِل فِرَارُ مِائَةٍ مَثَلًا إِلاَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ. (٣)

وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ حَالَةً أُخْرَى يَحْرُمُ فِيهَا الْفِرَارُ، وَهِيَ مَا إِذَا بَلَغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفًا،

_________

(١) تفسير القرطبي ٨ / ٢٣.

(٢) سورة الأنفال / ٦٦.

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٢٥٤ والقليوبي وعميرة ٤ / ٢١٩، وتفسير القرطبي ٧ / ٣٨٠ - ٣٨١.