الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

تَوْقِيفٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّوْقِيفُ مَصْدَرُ وَقَّفَ بِالتَّشْدِيدِ

وَالتَّوْقِيفُ: الاِطِّلاَعُ عَلَى الشَّيْءِ، يُقَال: وَقَفْتُهُ عَلَى ذَنْبِهِ: أَطْلَعْتُهُ عَلَيْهِ، وَوَقَّفْتُ الْقَارِئَ تَوْقِيفًا: إِذَا أَعْلَمْتُهُ مَوَاضِعَ الْوُقُوفِ.

وَتَوْقِيفُ النَّاسِ فِي الْحَجِّ: وُقُوفُهُمْ بِالْمَوَاقِفِ.

وَالتَّوْقِيفُ كَالنَّصِّ (نَصُّ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقُ بِبَعْضِ الأُْمُورِ) يُقَال: أَسْمَاءُ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ. (١)

وَيُسْتَعْمَل التَّوْقِيفُ أَيْضًا بِمَعْنَى مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ.

وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَمَّا وَرَدَ فِي اللُّغَةِ. (٢)

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - التَّوْقِيفُ فِي إِثْبَاتِ الأَْسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى.

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، والمغرب وترتيب القاموس المحيط والمعجم الوسيط مادة: " وقف "

(٢) المواقف ص٣٣٣، ومسلم الثبوت ٢ / ١١، وشرح جوهرة التوحيد ص٩٠ والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ١٧٩، والأم ٥ / ٢٦٩ - ٢٧١، والمهذب ٢ / ٢٦، والسراجية ص٣١٧.

قَال صَاحِبُ شَرْحِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ: اخْتَارَ جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ، وَكَذَا صِفَاتُهُ، فَلاَ تُثْبِتُ لَهُ اسْمًا وَلاَ صِفَةً إِلاَّ إِذَا وَرَدَ بِذَلِكَ تَوْقِيفٌ مِنَ الشَّارِعِ.

وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى جَوَازِ إِثْبَاتِ مَا كَانَ اللَّهُ مُتَّصِفًا بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يُوهِمْ نَقْصًا وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ مِنَ الشَّارِعِ، وَمَال إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ،

وَفَصَّل الْغَزَالِيُّ فَجَوَّزَ إِطْلاَقَ الصِّفَةِ، وَهِيَ مَا دَل عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الذَّاتِ، وَمَنَعَ إِطْلاَقَ الاِسْمِ وَهُوَ مَا دَل عَلَى نَفْسِ الذَّاتِ.

وَالْمُخْتَارُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.

٣ - وَفِي الْمَوَاقِفِ فِي عِلْمِ الْكَلاَمِ: تَسْمِيَتُهُ تَعَالَى بِالأَْسْمَاءِ تَوْقِيفِيَّةٌ أَيْ يَتَوَقَّفُ إِطْلاَقُهَا عَلَى الإِْذْنِ فِيهِ، وَذَلِكَ لِلاِحْتِيَاطِ احْتِرَازًا عَمَّا يُوهِمُ بَاطِلًا لِعِظَمِ الْخَطَرِ فِي ذَلِكَ.

وَاَلَّذِي وَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ فِي الْمَشْهُورِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا. (١)

وَقَال ابْنُ كَثِيرٍ: لِيُعْلَمْ أَنَّ الأَْسْمَاءَ الْحُسْنَى غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، بِدَلِيل مَا رَوَاهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَا أَصَابَ أَحَدًا هَمٌّ وَلاَ حُزْنٌ قَطُّ. فَقَال: اللَّهُمَّ

_________

(١) شرح جوهرة التوحيد ص٨٩ - ٩٠ ط دار الكتب العلمية، والمواقف ص٣٣٣ ط عالم الكتب

إِنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك، نَاصِيَتِي بِيَدِك مَاضٍ فِيَّ حُكْمُك، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُك، أَسْأَلُك بِكُل اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَل الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا فَقِيل يَا رَسُول اللَّهِ: أَلاَ نَتَعَلَّمَهَا؟ فَقَال: بَلَى. يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا (١) .

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الإِْمَامُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِمِثْلِهِ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ الإِْمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي كِتَابِهِ الأَْحْوَذِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَمَعَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَلْفَ اسْمٍ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (٢)

التَّوْقِيفُ فِي تَرْتِيبِ آيِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَسُوَرِهِ:

٤ - جَاءَ فِي مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: أَجْمَعَ أَهْل الْحَقِّ أَيْ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ آيِ كُل سُورَةٍ تَوْقِيفِيٌّ أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِأَمْرِ الرَّسُول ﷺ وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَتَوَاتَرَ بِلاَ شُبْهَةٍ عَنْهُ ﷺ.

_________

(١) حديث: " ما أصاب أحدا هم. . . . " أخرجه أحمد (١ / ٣٩١ ط المكتب الإسلامي) وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠ / ١٣٦ ط دار الكتاب العربي) .

(٢) تفسير ابن كثير عند الآية ١٨٠ من سورة الأعراف.

وَفِي الإِْتْقَانِ: الإِْجْمَاعُ وَالنُّصُوصُ الْمُتَرَادِفَةُ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الآْيَاتِ تَوْقِيفِيٌّ لاَ شُبْهَةَ فِي ذَلِكَ. أَمَّا الإِْجْمَاعُ فَنَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ، وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي مُنَاسَبَاتِهِ، وَعِبَارَتُهُ تَرْتِيبُ الآْيَاتِ فِي سُوَرِهَا وَاقِعٌ بِتَوْقِيفِهِ ﷺ وَأَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ فِي هَذَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

ثُمَّ قَال صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: أَمَّا تَرْتِيبُ السُّوَرِ فِيمَا بَيْنَهَا، فَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ.

وَقِيل: هَذَا التَّرْتِيبُ بِاجْتِهَادٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَاسْتَدَل عَلَيْهِ ابْنُ فَارِسٍ بِاخْتِلاَفِ الْمَصَاحِفِ فِي تَرْتِيبِ السُّوَرِ. فَمُصْحَفُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَانَ عَلَى تَرْتِيبِ النُّزُول، وَمُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى غَيْرِ هَذَا، وَالْحَقُّ هُوَ الأَْوَّل.

ثُمَّ قَال: إِنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ الْمُتَوَارَثَ الْمُتَوَاتِرَ بِلاَ شُبْهَةٍ فِيمَا بَيْنَ الآْيَاتِ وَالسُّوَرِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا. (١)

وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا إِلاَ أَنَّهُ قَال فِي آخِرِ كَلاَمِهِ، وَتَرْتِيبُ بَعْضِهَا بَعْدَ بَعْضٍ لَيْسَ هُوَ أَمْرًا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، بَل أَمْرٌ رَاجِعٌ إِلَى اجْتِهَادِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ؛ وَلِهَذَا كَانَ لِكُل مُصْحَفٍ تَرْتِيبٌ، وَلَكِنْ تَرْتِيبُ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ أَكْمَل. (٢) (ر: الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ) .

_________

(١) مسلم الثبوت ٢ / ١١ - ١٢، والإتقان للسيوطي ١ / ٦٠ - ٦٢، والفواكه الدواني ١ / ٧٧

(٢) البرهان في علوم القرآن ١ / ٢٦٢ ط دار المعرفة بيروت

التَّوْقِيفُ فِي مُقَدَّرَاتِ الشَّرِيعَةِ:

٥ - ذَكَرَ السُّيُوطِيّ فِي الأَْشْبَاهِ أَنَّ مُقَدَّرَاتِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدِهَا: مَا يُمْنَعُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَالْحُدُودِ، وَفُرُوضِ الْمَوَارِيثِ.

الثَّانِي: مَا لاَ يُمْنَعُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَالثَّلاَثِ فِي الطَّهَارَةِ.

الثَّالِثِ: مَا يُمْنَعُ فِيهِ الزِّيَادَةُ دُونَ النُّقْصَانِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ بِثَلاَثٍ، وَإِمْهَال الْمُرْتَدِّ ثَلاَثًا.

الرَّابِعِ عَكْسُهُ: كَالثَّلاَثِ فِي الاِسْتِنْجَاءِ، وَالتَّسْبِيعِ فِي الْوُلُوغِ، وَالطَّوَافِ، وَالْخَمْسِ فِي الرَّضَاعِ، وَنُصُبِ الزَّكَاةِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالسَّرِقَةِ. (١)

وَهَذَا التَّفْصِيل لِلشَّافِعِيَّةِ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَسَائِل خِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ.

التَّوْقِيفُ بِمَعْنَى مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِي الْمُدَّعَى بِهِ:

٦ - اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ التَّوْقِيفَ بِمَعْنَى مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِي الْمُدَّعَى بِهِ. يَقُول ابْنُ فَرْحُونَ فِي التَّبْصِرَةِ:

تَوْقِيفُ الْمُدَّعَى بِهِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: تَوْقِيفُ الْعَقَارِ وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: دُورٍ، وَأَرَاضٍ، وَالتَّوْقِيفُ لاَ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْخَصْمِ فِي الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ، وَلاَ يُعْقَل عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْغَيْرِ

_________

(١) الأشباه للسيوطي ٤٢١ - ٤٢٢.

فِيهِ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ سَبَبٌ يُقَوِّي الدَّعْوَى كَشَهَادَةِ الْعَدْل أَوْ لَطْخٍ (الشُّهُودُ غَيْرُ الْعُدُول) فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالاِعْتِقَال فِي الرُّبَاعِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

الأَْوَّل: عِنْدَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ الظَّاهِرَةِ أَوْ ظُهُورِ اللَّطْخِ فَيُرِيدُ الْمُدَّعِي تَوْقِيفَهُ لِيُثْبِتَهُ، فَالتَّوْقِيفُ هُنَا بِأَنْ يُمْنَعَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا يُفِيتُهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، أَوْ يُخْرِجُهُ بِهِ عَنْ حَالِهِ، كَالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ عَنْهُ.

الثَّانِي: بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةٍ، قَاطِعَةٍ وَيَدَّعِيَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ مَدْفَعًا فِيمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي، فَيُضْرَبُ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ الآْجَال. فَيُوقَفُ الْمُدَّعَى بِهِ حِينَئِذٍ بِأَنْ تُرْفَعَ يَدُ الأَْوَّل عَنْهُ، فَإِذَا كَانَتْ دَارًا اُعْتُقِلَتْ بِالْقَفْل، أَوْ أَرْضًا مُنِعَ مِنْ حَرْثِهَا، أَوْ حَانُوتًا لَهُ خَرَاجٌ وُقِفَ الْخَرَاجُ. (١)

النَّوْعُ الثَّانِي: تَوْقِيفُ الْحَيَوَانِ - فَمَنِ ادَّعَى دَابَّةً بِيَدِ رَجُلٍ وَأَرَادَ تَوْقِيفَهَا لِيَأْتِيَ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ بُعْدٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَى مِنَ الْبَيِّنَةِ بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَقَفَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَهُ يَمِينٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي إِنْكَارِ دَعْوَاهُ؛ لأَِنَّهُ يَقُول: لاَ عِلْمَ عِنْدِي مِمَّا تَقُول. فَإِنْ ظَنَّ بِهِ عِلْمَ ذَلِكَ حَلَفَ. (٢)

_________

(١) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ١ / ١٧٩ ط دار المعرفة.

(٢) المرجع السابق ١ / ١٨٠.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَوْقِيفُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، كَاللَّحْمِ وَرُطَبِ الْفَوَاكِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ شَهِدَ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، وَقَال عِنْدِي شَاهِدٌ آخَرُ أَوْ أَتَى بِلَطْخٍ وَادَّعَى بَيِّنَةً قَاطِعَةً، فَإِنَّهُ يُؤَجَّل أَجَلًا لاَ يَفْسُدُ فِي مِثْلِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ، وَإِلاَّ خُلِّيَ بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَتَاعِهِ. (١)

وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مَنْقُولًا وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنَ الْقَاضِي أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَلَمْ يَكْتَفِ بِإِعْطَاءِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَبِنَفْسِ الْمُدَّعَى بِهِ - فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا فَالْقَاضِي لاَ يُجِيبُهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَجَابَهُ.

وَلَوْ ادَّعَى عَقَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً لاَ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالْوَضْعِ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَلاَ بِالْكَفِيل بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَرْضًا فِيهَا شَجَرٌ فِيهِ ثَمَرٌ فَيُوضَعُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ. (٢)

وَإِذَا تَنَازَعَ شَخْصَانِ فِي عَقَارٍ، وَلَمْ يُثْبِتْ أَحَدٌ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كَوْنَهُ ذَا الْيَدِ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِطَلَبِ الآْخَرِ عَلَى عَدَمِ كَوْنِ خَصْمِهِ ذَا الْيَدِ فِي ذَلِكَ الْعَقَارِ، فَإِنْ نَكَلاَ عَنِ الْيَمِينِ يَثْبُتُ كَوْنُهُمَا ذَوِي الْيَدِ فِي ذَلِكَ الْعَقَارِ وَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ.

وَإِنْ نَكَل أَحَدُهُمَا وَحَلَفَ الآْخَرُ، يَحْكُمُ بِكَوْنِ الْحَالِفِ ذَا الْيَدِ مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ الْعَقَارِ، وَيُعَدُّ الآْخَرُ خَارِجًا.

_________

(١) التبصرة ١ / ١٨١.

(٢) شرح المجلة المادة ١٨١٦ للأتاسي ٦ / ٩٤.

وَإِنْ حَلَفَا مَعًا فَلاَ يُحْكَمُ لأَِحَدٍ مِنْهُمَا بِكَوْنِهِ ذَا الْيَدِ، وَيُوقَفُ الْعَقَارُ الْمُدَّعَى بِهِ إِلَى ظُهُورِ حَقِيقَةِ الْحَال. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَيْنًا فِي يَدِهِ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ أَوْ حَاضِرَةٌ لَكِنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَخَافَ مِنْ نَقْلِهَا، أَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا أَوْ أَعْيَانًا حَاضِرَةً مِنْ عَقَارٍ وَغَيْرِهِ فَأَنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَخِيفَ مِنْ إِقْرَارِهِ بِمَا هُوَ فِي يَدِهِ لأَِوْلاَدِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، وَجَرَى هَذَا فِي بَلَدٍ قَدْ عَمَّ هَذَا بَيْنَهُمْ، وَاشْتُهِرَ هَذَا فِيمَا لَدَيْهِمْ، وَهَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَشْهَرُ مِنْ غَيْرِهِ فِي فِعْل هَذَا فَالْتَمَسَ الْمُدَّعِي الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ خِلاَفًا، وَرَأَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ - أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحِيلَةِ وَاسْتَمَرَّتْ لَهُ عَادَةٌ بِهَا حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَرَأَى غَيْرُهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ هَذَا كَالْمُفْلِسِ إِذَا أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ وَتَحَقَّقَ أَنَّ خَرْجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فَوَاتُ مَالِهِ، وَهُنَاكَ يَتَعَيَّنُ ضَرْبُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ عَلَى الأَْصَحِّ، فَهَذَا قَرِيبُ الشَّبَهِ بِهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا: إِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ مَجْهُولَيْنِ وَطَلَبَ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الدَّاخِل وَبَيْنَهُ إِلَى أَنْ يُزَكِّيَ بَيِّنَتَهُ هَل يُجَابُ إِلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. (٢)

_________

(١) المادة ١٧٥٥ من المجلة وشرحها من درر الحكام ٤ / ٤٦٥.

(٢) أدب القضاء ٢٦٨، ٢٧٠ وتنظر الروضة ١٢ / ٥١.

وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِالتَّوْقِيفِ فِي الدَّعْوَى. (١)

وَمِنْ ذَلِكَ تَوْقِيفُ مَال الْغَائِبِ وَالْيَتِيمِ. (٢)

وَكَذَلِكَ تَوْقِيفُ قَسْمِ التَّرِكَةِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا بِسَبَبِ الْحَمْل أَوِ الْفَقْدِ (ر: إِرْثٌ) .

تَوْقِيفُ الْمُولِي:

٧ - مَنْ آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ وَمَضَتْ مُدَّةُ الإِْيلاَءِ (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل تَطْلُقُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؟ أَمْ يَقِفُهُ الْقَاضِي، فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ؟ .

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ يَقِفُهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الأَْرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ، وَلاَ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ بِنَفْسِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، قَال أَحْمَدُ: فِي الإِْيلاَءِ يُوقَفُ، عَنِ الأَْكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عُمَرَ شَيْءٌ يَدُل عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَجَعَل يُثْبِتُ حَدِيثَ عَلِيٍّ، وَبِهِ قَال ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَقَال سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: كَانَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُوقِفُونَ فِي الإِْيلاَءِ، وَقَال سُهَيْل بْنُ أَبِي صَالِحٍ: سَأَلْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَكُلُّهُمْ يَقُول: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيُوقَفُ، فَإِنْ فَاءَ

_________

(١) المغني ٩ / ٢٨٧ - ٢٨٨.

(٢) التبصرة ١ / ١٨٢.

وَإِلاَّ طَلَّقَ، وَبِهَذَا قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُوسٌ. وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .

وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَيْئَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِذِكْرِهِ الْفَيْئَةَ بَعْدَهَا بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، ثُمَّ قَال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)

وَلَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى عَزْمٍ عَلَيْهِ. (٣)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ؛ لأَِنَّهُ بِالإِْيلاَءِ عَزَمَ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ إِيفَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ وَأَكَّدَ الْعَزْمَ بِالْيَمِينِ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَفِئْ إِلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفَيْءِ فَقَدْ حَقَّقَ الْعَزْمَ الْمُؤَكَّدَ بِالْيَمِينِ بِالْفِعْل، فَتَأَكَّدَ الظُّلْمُ فِي حَقِّهَا، فَتَبِينُ مِنْهُ عُقُوبَةً لَهُ جَزَاءً عَلَى ظُلْمِهِ وَمَرْحَمَةً عَلَيْهَا، وَلاَ يُوقَفُ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَالْوَقْفُ يُوجِبُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا. (٤)

_________

(١) سورة البقرة / ٢٢٦.

(٢) سورة البقرة ٢٢٧.

(٣) المغني ٧ / ٣١٨ - ٣١٩، وبداية المجتهد ٢ / ١٠٨ نشر مكتبة الكليات الأزهرية، والأم ٥ / ٢٦٩ - ٢٧١.

(٤) البدائع ٣ / ١٧٦