الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

بِالسَّاجِ وَحَسَّنَهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ نَقَشَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَالَغَ فِي عِمَارَتِهِ وَتَزْيِينِهِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ وِلاَيَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ قَبْل خِلاَفَتِهِ، وَذُكِرَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنْفَقَ فِي عِمَارَةِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَفِي تَزْيِينِهِ مِثْل خَرَاجِ الشَّامِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَرُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد ﵉ بَنَى مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَالَغَ فِي تَزْيِينِهِ. (١)

قَال فِي الْفَتْحِ: وَأَوَّل مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي أَوَاخِرِ عَهْدِ الصَّحَابَةِ، وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّعْظِيمِ لِلْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يَقَعِ الصَّرْفُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَقَال ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا شَيَّدَ النَّاسُ بُيُوتَهُمْ وَزَخْرَفُوهَا نَاسَبَ أَنْ نَصْنَعَ ذَلِكَ بِالْمَسَاجِدِ صَوْنًا لَهَا عَنِ الاِسْتِهَانَةِ. (٢)

ح - تَطْيِيبُ الْمَسَاجِدِ:

١٤ - تَطْيِيبُ الْمَسَاجِدِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. قَال الزَّرْكَشِيُّ: يُسْتَحَبُّ تَجْمِيرُ (٣) الْمَسْجِدِ بِالْبَخُورِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُجَمِّرِ يُجَمِّرُ الْمَسْجِدَ

_________

(١) القرطبي ١٢ / ٢٦٦ - ٢٦٧

(٢) فتح الباري الجزء ٣ / ١٠٩، ونيل الأوطار ٢ / ١٥٠

(٣) تجمير المسجد / تبخيره بالطيب

إِذَا قَعَدَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ تَجْمِيرَ الْمَسَاجِدِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ السَّلَفِ تَخْلِيقَ (١) الْمَسَاجِدِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالطِّيبِ، وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِعْلُهُ، وَقَال الشَّعْبِيُّ: هُوَ سُنَّةٌ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ طَلاَ حِيطَانَهَا بِالْمِسْكِ (٢) .

ط - التَّوسِعَةُ فِي الْمَسْكَنِ:

١٥ - أَجَازَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْبِنَاءَ الرَّفِيعَ كَالْقُصُورِ وَنَحْوِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَْرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَْرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٣)

وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤) ذُكِرَ أَنَّ ابْنًا لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بَنَى دَارًا وَأَنْفَقَ فِيهَا مَالًا كَثِيرًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَال: مَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُل بِنَاءً يَنْفَعُهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَال: إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ (٥) .

_________

(١) تطييبها بالخلوق

(٢) أعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص٣٣٨.

(٣) سورة الأعراف / ٧٤

(٤) سورة الأعراف / ٣٢

(٥) الحديث: " إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه ". سبق تخريجه ف / ٥

وَمِنْ آثَارِ النِّعْمَةِ الْبِنَاءُ الْحَسَنُ وَالثِّيَابُ الْحَسَنَةُ. وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ. (١)

_________

(١) تفسير القرطبي ٧ / ٢٣٩

تَوَقُّفٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّوَقُّفُ فِي اللُّغَةِ: التَّلَوُّمُ وَالتَّلَبُّثُ وَالتَّمَكُّثُ. يُقَال: تَوَقَّفَ عَنِ الأَْمْرِ إِذَا أَمْسَكَ عَنْهُ وَامْتَنَعَ وَكَفَّ. وَتَوَقَّفَ فِي الأَْمْرِ تَمَكَّثَ وَانْتَظَرَ وَلَمْ يُمْضِ فِيهِ رَأْيًا. (١)

وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ التَّوَقُّفَ بِمَعْنَى عَدَمِ إِبْدَاءِ قَوْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الاِجْتِهَادِيَّةِ لِعَدَمِ ظُهُورِ وَجْهِ الصَّوَابِ فِيهَا لِلْمُجْتَهِدِ. (٢)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

أَوَّلًا: التَّوَقُّفُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:

بَحَثَ الأُْصُولِيُّونَ التَّوَقُّفَ فِي مَسَائِل، مِنْهَا:

أ - التَّوَقُّفُ بَعْدَ نَسْخِ الْوُجُوبِ:

٢ - اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الأُْصُول عَلَى أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بِنَصٍّ دَالٍّ عَلَى الْجَوَازِ، كَنَسْخِ وُجُوبِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَوْ دَالٍّ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ كَنَسْخِ

_________

(١) المصباح المنير ولسان العرب، وتاج العروس ومتن اللغة والمعجم الوسيط مادة: " وقف "

(٢) ابن عابدين ٣ / ١٠٨، ١٠٩، ومسلم الثبوت ١ / ١٠٣،٢٦٧

التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يُعْمَل بِمُقْتَضَى النَّصِّ النَّاسِخِ مِنَ الْجَوَازِ أَوِ التَّحْرِيمِ:

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ مِنْ غَيْرِ إِبَانَةِ الْجَوَازِ أَوِ التَّحْرِيمِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: حُكْمُهُ التَّوَقُّفُ إِلَى قِيَامِ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى الْجَوَازِ أَوِ التَّحْرِيمِ؛ لأَِنَّ دَلِيل الْجَوَازِ الْمُقَارِنَ لِلْحَرَجِ فِي التَّرْكِ - وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ - زَال بِالنَّسْخِ، فَلاَ يَبْقَى دَلِيلٌ لِلْجَوَازِ أَوْ عَدَمِ الْجَوَازِ، فَنَتَوَقَّفُ إِلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِ الأَْمْرَيْنِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ مِنْ غَيْرِ إِبَانَةِ الْجَوَازِ وَالتَّحْرِيمِ بَقِيَ الْجَوَازُ بِالنَّصِّ الْمَنْسُوخِ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَتَضَمَّنُ الْجَوَازَ، فَإِنَّهُ جَوَازٌ مَعَ الْحَرَجِ فِي التَّرْكِ، وَالنَّاسِخُ لاَ يُنَافِيهِ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْجَوَازِ وَانْتَفَى الْحَرَجُ فِي التَّرْكِ. (١)

ب - التَّوَقُّفُ عَنِ الْعَمَل بِالْعَامِّ قَبْل الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ:

٣ - قَال بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَل بِالْعَامِّ قَبْل الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ؛ لأَِنَّ الْعَامَّ قَطْعِيُّ الدَّلاَلَةِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ الْحُكْمُ قَطْعًا، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ احْتِمَال

_________

(١) مسلم الثبوت مع المستصفى ١ / ١٠٣، ١٠٤.

الْمُعَارِضِ، كَمَا لاَ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْخَاصِّ عَلَى عَدَمِ احْتِمَال النَّسْخِ وَالتَّأْوِيل.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَكَمَ بِالدِّيَةِ فِي الأَْصَابِعِ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِكِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁، وَتَرَكَ الْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ، وَلَمْ يَبْحَثْ عَنِ الْمُخَصِّصِ. وَلَمْ يُنْقَل عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَطُّ التَّوَقُّفُ فِي الْعَامِّ إِلَى الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ، وَلاَ إِنْكَارُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِالْعَامِّ قَبْل الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ.

وَقَال بَعْضُهُمْ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْعَمَل بِالْعَامِّ قَبْل الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ؛ لأَِنَّ كُل عَامٍّ يَحْتَمِل التَّخْصِيصَ، وَلاَ حُجَّةَ مَعَ الاِحْتِمَال الْمُعَارِضِ.

هَذَا وَقَدْ وَفَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرَّأْيَيْنِ فَقَال: " إِنَّ الْعَامِّيَّ يَلْزَمُهُ الْعَمَل بِعُمُومِ الْعَامِّ كَمَا سَمِعَ، وَأَمَّا الْفَقِيهُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ فَيَقِفُ سَاعَةً لاِسْتِكْشَافِ هَذَا الاِحْتِمَال بِالنَّظَرِ فِي الأَْشْبَاهِ مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً لِلْعَمَل بِهِ إِنْ عَمِل، لَكِنْ يَقِفُ احْتِيَاطًا حَتَّى لاَ يَحْتَاجَ إِلَى نَقْضِ مَا أَمْضَاهُ ". (١)

ج - التَّوَقُّفُ فِي أَنَّ الأَْمْرَ لِلْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي:

٤ - صَرَّحَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ مِنْهُمُ الْجُوَيْنِيُّ بِأَنَّ

_________

(١) مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت بذيل المستصفى ١ / ٢٦٧

الأَْمْرَ الْمُطْلَقَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ إِلَى ظُهُورِ الدَّلاَئِل، وَمَعْنَى التَّوَقُّفِ أَنَّا لاَ نَدْرِي أَنَّ أَوَّل الْوَقْتِ يَتَعَيَّنُ لِلاِمْتِثَال فَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ، أَوْ يَسُوغُ لِلْمُكَلَّفِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ فِي أَوَّل الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ فَلاَ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ. (١)

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

ثَانِيًا: التَّوَقُّفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

بَحَثَ الْفُقَهَاءُ التَّوَقُّفَ فِي مَسَائِل، مِنْهَا:

أ - تَوَقُّفُ الْخَصْمِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى أَوْ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ:

٥ - إِنْ تَوَقَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى لِلتَّرَوِّي أَوْ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ إِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ لاَ يُعْتَبَرُ نُكُولًا مَا لَمْ يَحْكُمُ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ. (٢)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى، نُكُولٌ) .

ب - تَوَقُّفُ الْقَاضِي عَنِ الْحُكْمِ:

٦ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ الشُّهُودُ عَنِ الشَّهَادَةِ قَبْل الْحُكْمِ

_________

(١) إرشاد الفحول ص١٠٠، ١٠١، وشرح البدخشي مع حاشية الأسنوي ٢ / ٤٤ - ٤٧

(٢) ابن عابدين ٤ / ٤٢٤، وتبصرة الحكام ١ / ٢٧٣، وبلغة السالك ٤ / ٣١٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٣٦، والمغني ٩ / ٢٣٥

امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِهَا، وَلاَ تُقْبَل لَوْ أَعَادُوهَا. (١) أَمَّا إِذَا سَأَلُوا الْحَاكِمَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ، ثُمَّ إِذَا قَالُوا لَهُ: اُحْكُمْ فَلَهُ الْحُكْمُ إِنْ أَعَادُوا الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبِغَيْرِ إِعَادَةٍ لَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)

وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَشْكَل الْحُكْمُ عَلَى الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ وَلاَ يَحْكُمُ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَتَى أَوْقَعَ الْحُكْمَ تَفَاقَمَ الأَْمْرُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ وَعَظُمَ الأَْمْرُ وَخُشِيَتِ الْفِتْنَةُ. (٣)

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل وَالْخِلاَفِ فِيهَا فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى، شَهَادَةٌ، قَضَاءٌ) .

ج - تَوَقُّفُ أَثَرِ الْعَقْدِ:

٧ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَكُونُ مُنْعَقِدًا لَكِنْ يَتَوَقَّفُ أَثَرُهُ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، كَالْقَبْضِ أَوِ الإِْجَازَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ - وَهُوَ مَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ لاَ بِوَصْفِهِ - بَيْعٌ حَقِيقَةً وَمُنْعَقِدٌ وَإِنْ تَوَقَّفَ حُكْمُهُ أَيِ الْمِلْكِ عَلَى الْقَبْضِ. (٤)

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٣٩٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٤٥، ٢٤٦، والقليوبي ٤ / ٣٣٢، وكشاف القناع ٦ / ٤٤٢

(٢) القليوبي ٤ / ٣٣٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٣١٠، وكشاف القناع ٦ / ٤٤٢

(٣) التاج والإكليل بهامش الحطاب ٦ / ١٣٣

(٤) ابن عابدين ٤ / ٤، وتبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ٤٤، وفتح القدير ١ / ٤٣

وَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفَ - وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، كَبَيْعِ الصَّبِيِّ وَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ الْحُكْمَ بِلاَ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبْضِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ)، لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الإِْجَازَةِ، (١) كَمَا فُصِّل فِي مُصْطَلَحِ: (الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ) .

د - التَّوَقُّفُ فِي الْفَتْوَى:

٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي آدَابِ الْفَتْوَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَأَمَّل فِي الْمَسْأَلَةِ تَأَمُّلًا شَافِيًا، وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ حُكْمَهَا يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابُ، وَيَكُونَ تَوَقُّفُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّهْلَةِ الَّتِي لاَ يَعْلَمُ حُكْمَهَا كَالصَّعْبَةِ لِيَعْتَادَهُ. (٢)

وَلاَ يَجُوزُ التَّسَاهُل فِي الْفَتْوَى، كَأَنْ يَتَسَرَّعَ وَلاَ يَتَثَبَّتَ فِي الْفَتْوَى قَبْل اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا مِنَ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ. قَال الْحَطَّابُ: مَنْ عُرِفَ بِالتَّسَاهُل فِي الْفَتْوَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَفْتَى، وَرُبَّمَا يَكُونُ التَّسَاهُل بِإِسْرَاعِهِ وَعَدَمِ تَثَبُّتِهِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ السُّرْعَةَ بَرَاعَةٌ، وَالْبُطْءَ عَجْزٌ؛ وَلأَنْ يُبْطِئَ وَلاَ يُخْطِئَ أَجْمَل بِهِ مِنْ أَنْ يَضِل وَيُضِل. (٣)

وَقَدْ رَوَى النَّوَوِيُّ عَنِ السَّلَفِ وَفُضَلاَءِ الْخَلَفِ التَّوَقُّفَ عَنِ الْفُتْيَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِل،

_________

(١) البدائع ٥ / ١٤٨، والدسوقي ٣ / ١٠، ومغني المحتاج ٢ / ١٥، والمغني مع الشرح ٤ / ٢٧٤

(٢) المجموع النووي ١ / ٤٨، ٤٩

(٣) مواهب الجليل للحطاب ١ / ٣٢

كَمَا نُقِل عَنِ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا عَنِ الإِْجَابَةِ فِي مَسَائِل كَثِيرَةٍ. (١)

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِكُل مُفْتٍ أَنْ لاَ يَسْتَنْكِفَ مِنَ التَّوَقُّفِ فِيمَا لاَ وُقُوفَ لَهُ عَلَيْهِ، إِذِ الْمُجَازَفَةُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَحْرِيمِ الْحَلاَل وَضِدِّهِ ". (٢)

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (فَتْوَى) .

تَوْقِيتٌ

اُنْظُرْ: تَأْقِيتِ.

_________

(١) المجموع للنووي ١ / ٤٨، ٤٩، ٥٠

(٢) ابن عابدين ١ / ١٠٨، ١٠٩، والمراجع السابقة.