الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 30

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، أَوْ بِخَلْقِهِ كَنَبِيٍّ، أَوْ صَالِحٍ، أَوِ الْعَرْشِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) . عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَيَتَّضِحُ.

وَأُطْلِقَتِ الْوَسِيلَةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ. قَال النَّبِيُّ ﵊: سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِسْتِعَانَةُ:

٢ - الاِسْتِعَانَةُ لُغَةً طَلَبُ الْعَوْنِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ كَذَلِكَ. وَتَكُونُ الاِسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ وَبِغَيْرِهِ، أَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ فِي كُل خَيْرٍ، وَأَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِعَانَةٌ) (٣) .

وَالتَّوَسُّل وَالاِسْتِعَانَةُ لَفْظَانِ مُتَسَاوِيَانِ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا.

_________

(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١٣ وما بعدها، وتفسير الألوسي ٦ / ١٢٤.

(٢) حديث: " سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ". أخرجه مسلم (١ / ٢٨٩ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

(٣) الموسوعة ٤ / ١٧.

ب - الاِسْتِغَاثَةُ:

٣ - الاِسْتِغَاثَةُ طَلَبُ الْغَوْثِ وَالنَّصْرِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ كَذَلِكَ.

وَالاِسْتِغَاثَةُ غَيْرُ التَّوَسُّل؛ لأَِنَّ الاِسْتِغَاثَةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي حَال الشِّدَّةِ، وَالتَّوَسُّل يَكُونُ فِي حَال الشِّدَّةِ وَحَال الرَّخَاءِ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ إِنَّ التَّوَسُّل بِنَبِيٍّ هُوَ اسْتِغَاثَةٌ بِهِ، بَل الْعَامَّةُ الَّذِينَ يَتَوَسَّلُونَ فِي أَدْعِيَتِهِمْ بِأُمُورٍ، كَقَوْل أَحَدِهِمْ: أَتَوَسَّل إِلَيْك بِحَقِّ الشَّيْخِ فُلاَنٍ أَوْ بِحُرْمَتِهِ، أَوْ أَتَوَسَّل إِلَيْك بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ أَوْ بِالْكَعْبَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُونَهُ فِي أَدْعِيَتِهِمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَغِيثُونَ بِهَذِهِ الأُْمُورِ، فَإِنَّ الْمُسْتَغِيثَ بِالنَّبِيِّ ﷺ طَالِبٌ مِنْهُ وَسَائِلٌ لَهُ.

وَالْمُتَوَسَّل بِهِ لاَ يُدْعَى وَلاَ يُطْلَبُ مِنْهُ وَلاَ يُسْأَل، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ بِهِ، وَكُل أَحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَدْعُوِّ وَالْمَدْعُوِّ بِهِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّوَسُّل:

٤ - لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ ﷾ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَسُّل إِلَيْهِ بِالأَْعْمَال الصَّالِحَةِ مَعَ التَّقْوَى الْمُكَلَّلَةِ بِالإِْيمَانِ الصَّادِقِ فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٢)﴾ .

قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهَذَا التَّوَسُّل بِالإِْيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فَرْضٌ عَلَى كُل أَحَدٍ فِي كُل حَالٍ، بَاطِنًا

_________

(١) مجموعة الفتاوى ابن تيمية ١ / ١٠٣.

(٢) سورة المائدة / ٣٥.

وَظَاهِرًا، فِي حَيَاةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، فِي مَشْهَدِهِ وَمَغِيبِهِ، لاَ يَسْقُطُ التَّوَسُّل بِالإِْيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فِي حَالٍ مِنَ الأَْحْوَال بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَلاَ بِعُذْرٍ مِنَ الأَْعْذَارِ، وَلاَ طَرِيقَ إِلَى كَرَامَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِهِ إِلاَّ التَّوَسُّل بِالإِْيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ (١) .

وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُتَوَسِّلِينَ إِلَيْهِ بِمَا يُرْضِيهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمِ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّك كَانَ مَحْذُورًا (٢)﴾ .

وَهُنَاكَ صُوَرٌ أُخْرَى لِلتَّوَسُّل مِنْهَا: مَا هُوَ جَائِزٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ يَأْتِي بَيَانُهُ.

أَوَّلًا: التَّوَسُّل بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ لأَِيِّ شَأْنٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الأَْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ .

وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ

_________

(١) قاعدة جليلة ص٥.

(٢) سورة الإسراء / ٥٧.

(٣) سورة الأعراف / ١٨٠.

يَتَوَسَّل فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَال: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ (١) وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ: أَسْأَلُك بِكُل اسْمٍ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَك، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِك، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِك، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَل الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي (٢) .

وَمِنْهَا: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصٍّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَسْأَل، فَاسْتَرْجَعَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَيْ قَال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ثُمَّ قَال: سَمِعْت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَل اللَّهَ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ (٣) .

_________

(١) حديث كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: " يا حي يا قيوم. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٣٩ ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك. وقال: " هذا حديث غريب " ففي إسناده يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف كما في الميزان للذهبي (٤ / ٤١٨ ط الحلبي) .

(٢) حديث: " أسألك بكل اسم سميت به نفسك. . . " أخرجه أحمد (١ / ١٩٣ - الميمنية) والحاكم (١ / ٥٠٩ - ٥١٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥ / ٢٦٦ - ط المعارف) .

(٣) حديث: " من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس " أخرجه الترمذي (٥ / ١٧٩ - ط الحلبي)، وقال: " هذا حديث حسن، ليس إسناده بذاك ".

كَرَاهَةُ أَنْ يَسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ غَيْرَ الْجَنَّةِ:

٦ - لَمَّا كَانَتْ أَسْمَاؤُهُ تَعَالَى عَظِيمَةَ الْقَدْرِ وَصِفَاتُهُ جَلِيلَةً مُقَدَّسَةً نَاسَبَ أَنْ يَسْأَل بِهَا الشَّيْءَ الْعَظِيمَ كَالْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالطَّاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ خُصَّ الْوَجْهُ بِسُؤَال الْجَنَّةِ بِهِ، وَلاَ يُسْأَل بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْجَنَّةَ أَعْظَمُ مَا يَسْأَل الْمُسْلِمُ مِنْ رَبِّهِ، إِذْ هِيَ دَارُ رَحْمَتِهِ، وَمُسْتَقَرُّ رِضَاهُ وَأَمْنِهِ.

عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يُسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ (١) .

ثَانِيًا: التَّوَسُّل بِالإِْيمَانِ وَالأَْعْمَال الصَّالِحَةِ:

٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالأَْعْمَال الصَّالِحَةِ الَّتِي يَعْمَلَهَا الإِْنْسَانُ مُتَقَرِّبًا بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ ذَهَبَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى أَنَّ الْوَسِيلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٢)﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمِ الْوَسِيلَةَ (٣)﴾ تُطْلَقُ عَلَى الأَْعْمَال الصَّالِحَةِ (٤) .

_________

(١) حديث: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة " أخرجه أبو داود (٢ / ٣٠٩ - ٣١٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وضعفه عبد الحق الإشبيلي والقطان كما في فيض القدير للمناوي (٦ / ٤٥١ - ط المكتبة التجارية) .

(٢) سورة المائدة / ٣٥.

(٣) سورة الإسراء / ٥٧.

(٤) روح المعاني للآلوسي ٦ / ١٢٤، وتفسير القاسمي ٦ / ١٩٦٨.

وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١)﴾ فَقَدْ قَدَّمَ ذِكْرَ الأَْعْمَال الصَّالِحَةِ ثُمَّ تَلاَ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ.

وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢)﴾، وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُول فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٣)﴾ .

وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ الْكَرِيمَةِ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الأَْحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَال: لَقَدْ سَأَلْت اللَّهَ بِالاِسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِل بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ (٤) .

_________

(١) سورة الفاتحة / ٥ - ٦.

(٢) سورة البقرة / ١٩.

(٣) سورة آل عمران / ٥٢ - ٥٣.

(٤) حديث بريدة: " لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب " أخرجه أبو داود (٢ / ١٦٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وفي رواية: " لقد سأل الله باسمه الأعظم " وقال المنذري: " قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وهو إسناد لا مطعن فيه. مختصر أبي

وَمِنْهَا حَدِيثُ الْغَارِ الْمَرْوِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَل فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنَجِّيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. قَال رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْت لاَ أَغْبِقُ (١) قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلاَ مَالًا. فَنَأَى بِي طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْت - وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ - أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمِي، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ

قَال الآْخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَفِي رِوَايَةٍ: كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَال النِّسَاءَ فَأَرَدْتهَا عَلَى نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخِلِّي بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ

_________

(١) أغبق من الغبوق وهو الشرب بالعشي، والصبوح الشرب بالصباح.

عَلَيْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتهَا.

اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا.

وَقَال الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَْمْوَال، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَال: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْت: كُل مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَال: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْت: لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ.

فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ (١) .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ قَال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُك الْحَقُّ؛ وَلِقَاؤُك حَقٌّ، وَقَوْلُك حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ

_________

(١) حديث أبن عمر: " انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٥٠٥ - ٥٠٦ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٩٩ - ٢١٠٠ - ط الحلبي) .

حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ (١) .

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَال: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ. . فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلاَ بَطَرًا (٢) . . . " الْحَدِيثَ.

ثَالِثًا: التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ:

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الأَْحْوَال التَّالِيَةِ:

أَوَّلًا - التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ بِمَعْنَى طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَّا فِي الدُّنْيَا وَالشَّفَاعَةِ فِي الآْخِرَةِ.

أ - طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنَ النَّبِيِّ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

٨ - إِنَّ التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ قَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ، فَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ

_________

(١) حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا قام بتهجد قال: أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣ - ط السلفية) .

(٢) حديث أبي سعيد الخدري: " ما خرج رجل من بيته. . . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٥٦ - ط الحلبي) وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص٢٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال البوصيري في الزوائد: " هذا إسناده مسلسل بالضعفاء ". .

الْكِرَامُ ﵃ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ الدُّعَاءَ فِي الأُْمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ. وَقَدْ أَرْشَدَهُمُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى ذَلِكَ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١)﴾ .

وَفِي كُتُبِ السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ، فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي.

قَال: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْت صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَك، قَال: فَادْعُهُ. قَال: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ. يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْت بِك إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى. . . إِلَى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِي فَقَامَ وَقَدْ أَبْصَرَ (٢) . وَزَادَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَإِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَافْعَل مِثْل ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ رَجُلًا دَخَل الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكَتِ الأَْمْوَال وَانْقَطَعَتِ السُّبُل فَادْعُ اللَّهُ يُغِيثُنَا. فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا.

قَال أَنَسٌ: وَلاَ وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ

_________

(١) سورة النساء / ٦٤.

(٢) حديث عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ. . . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٦٩ - ط الحلبي وقال: حديث حسن صحيح.