الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سِلَعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْل التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلاَ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، ثُمَّ دَخَل رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُول اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكَتِ الأَْمْوَال وَانْقَطَعَتِ السُّبُل فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكُهَا عَنَّا
فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ عَلَى الآْكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَْوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. فَأَقْلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ (١) .
ب - طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
٩ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسُؤَال الْخَلْقِ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي الْمَحْشَرِ وَاقِعٌ لاَ مَحَالَةَ خِلاَفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
وَالشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى يَوْمَئِذٍ خُصُوصِيَّةٌ مَنَحَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِحَبِيبِهِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا لَهُ ﵊.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ ﵄ قَالاَ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ
_________
(١» حديث أنس: " اللهم أغثنا. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦١٢ - ٦١٣ - ط الحلبي) .
لَهُمُ الْجَنَّةُ. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ فَيَقُول: وَهَل أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ؟ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيل اللَّهِ. قَال: فَيَقُول إِبْرَاهِيمُ ﵇: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ إِنَّمَا كُنْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ. اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﵇ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُول: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُول عِيسَى ﵇: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَل الأَْمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ (١) . . . الْحَدِيثَ ".
وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتِك فَيَقُول: لَسْتُ لَهَا. . فَيُؤْتَى عِيسَى فَيَقُول: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأُوتِيَ، فَأَقُول: أَنَا لَهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لاَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآْنَ يُلْهِمنِيهِ اللَّهُ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَال لِي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك وَقُل يُسْمَعُ لَك وَسَل تُعْطَهُ
_________
(١) حديث أبي هريرة وحذيفة: " يجمع الله الناس يوم القيامة. . . " أخرجه مسلم (١ / ١٨٠ - ١٨١ - ط الحلبي) .
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُول: يَا رَبُّ أُمَّتِي أُمَّتِي (١) . . . الْحَدِيثَ ".
ج - التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ عَلَى مَعْنَى الإِْيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَعْنَى الإِْيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول: أَسْأَلُك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ وَيُرِيدُ: إِنِّي أَسْأَلُك بِإِيمَانِي بِهِ وَبِمَحَبَّتِهِ، وَأَتَوَسَّل إِلَيْك بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَنْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ بِلاَ نِزَاعٍ، وَإِذَا حُمِل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَلاَمُ مَنْ تَوَسَّل بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَمَاتِهِ مِنَ السَّلَفِ - كَمَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - كَانَ هَذَا حَسَنًا. وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعَوَامّ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَلاَ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى، فَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَنْكَرَ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ بِالتَّوَسُّل بِهِ التَّوَسُّل بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ بِلاَ نِزَاعٍ، ثُمَّ إِنَّ أَكْثَر النَّاسِ فِي زَمَانِنَا لاَ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَقَال الأَْلُوسِيُّ: أَنَا لاَ أَرَى بَأْسًا فِي التَّوَسُّل
_________
(١) حديث أنس بن مالك: " إذا كان يوم القيامة ماج الناس. . . . . أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٤٧٣ - ط السلفية) ومسلم (١ / ١٨٢ - ط الحلبي) .
إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَيًّا وَمَيِّتًا، وَيُرَادُ مِنَ الجَاهِ مَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، مِثْل أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَحَبَّةُ التَّامَّةُ الْمُسْتَدْعِيَةُ عَدَمَ رَدِّهِ وَقَبُول شَفَاعَتِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْل الْقَائِل: إِلَهِي أَتَوَسَّل بِجَاهِ نَبِيَّك ﷺ أَنْ تَقْضِيَ لِي حَاجَتِي. إِلَهِي اجْعَل مَحَبَّتَك لَهُ وَسِيلَةً فِي قَضَاءِ حَاجَتِي، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَقَوْلِك: إِلَهِي أَتَوَسَّل بِرَحْمَتِك أَنْ تَفْعَل كَذَا، إِذْ مَعْنَاهُ أَيْضًا إِلَهِي اجْعَل رَحْمَتَك وَسِيلَةً فِي فِعْل كَذَا، وَالْكَلاَمُ فِي الْحُرْمَةِ (أَيِ الْمَنْزِلَةِ - وَالْمُرَادُ حُرْمَةُ النَّبِيِّ) كَالْكَلاَمِ فِي الْجَاهِ (١) .
د - التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ بَعْدَ وَفَاتِهِ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَقَوْل الْقَائِل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك بِنَبِيِّك أَوْ بِجَاهِ نَبِيَّك أَوْ بِحَقِّ نَبِيَّك، عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) إِلَى جَوَازِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوَسُّل سَوَاءٌ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ (٢) .
_________
(١) قاعدة جليلة ص٦٣، ٦٤ - ٩٥، وتفسير الألوسي ٦ / ١٢٨.
(٢) شرح المواهب ٨ / ٣٠٤، والمجموع ٨ / ٢٧٤ والمدخل ١ / ٢٤٨ وما بعدها، وابن عابدين ٥ / ٢٥٤، والفتاوى الهندية ١ / ٢٦٦، ٥ / ٣١٨، وفتح القدير ٨ / ٤٩٧ - ٤٩٨، والفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٥ / ٣٦.
قَال الْقَسْطَلاَّنِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا لَمَّا سَأَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ الْعَبَّاسِيُّ - ثَانِي خُلَفَاء بَنِي الْعَبَّاسِ - يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَأَسْتَقْبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو؟
فَقَال لَهُ مَالِكٌ: وَلِمَ تَصْرِفْ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ ﵇ إِلَى اللَّهِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَل اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ.
وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فِهْرٍ فِي كِتَابِهِ " فَضَائِل مَالِكٍ " بِإِسْنَادٍ لاَ بَأْسَ بِهِ وَأَخْرَجَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ شُيُوخٍ عِدَّةٍ مِنْ ثِقَاتِ مَشَايِخِهِ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي بَيَانِ آدَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ: ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّائِرُ إِلَى مَوْقِفٍ قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَيَتَوَسَّل بِهِ وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يَقُول (الزَّائِرُ) مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعُتْبِيِّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَال: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْك يَا رَسُول اللَّهِ. سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿
_________
(١) شرح المواهب ٨ / ٣٠٤ - ٣٠٥، والمدخل ١ / ٢٤٨، ٢٥٢، ووفاء الوفاء ٤ / ١٣٧١ وما بعدها، والفواكه الدواني ٢ / ٤٦٦، وشرح أبي الحسن على رسالة القيرواني ٢ / ٤٧٨، والقوانين الفقهية ص١٤٨.
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١)﴾ وَقَدْ جِئْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إِلَى رَبِّي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُول:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ
وَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالأَْكَمُ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ
فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرْمُ.
وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: يَنْبَغِي كَوْنُ هَذَا مَقْصُورًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لأَِنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَنْ لاَ يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ الأَْوْلِيَاءِ؛ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا خُصَّ بِهِ تَنْبِيهًا عَلَى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ.
وَقَال السُّبْكِيُّ: وَيَحْسُنُ التَّوَسُّل وَالاِسْتِغَاثَةُ وَالتَّشَفُّعُ بِالنَّبِيِّ إِلَى رَبِّهِ.
وَفِي إِعَانَةِ الطَّالِبِينَ:. . . وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِيَ مُسْتَشْفِعًا بِك إِلَى رَبِّي (٢) .
مَا تَقَدَّمَ أَقْوَال الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ نَقَل قِصَّةَ الْعُتْبِيِّ مَعَ الأَْعْرَابِيِّ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى. . .
إِلَى أَنْ قَال: ثُمَّ تَأْتِيَ الْقَبْرَ فَتَقُول. . . وَقَدْ
_________
(١) سورة النساء ٦٤.
(٢) المجموع ٨ / ٢٧٤، وفيض القدير ٢ / ١٣٤ - ١٣٥ وإعانة الطالبين ٢ / ٣١٥، ومقدمة التجريد الصريح بتحقيق الدكتور مصطفى ديب البغاص.
أَتَيْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إِلَى رَبِّي. . . ".
وَمِثْلُهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ (١) .
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحَ مُتَأَخِّرُوهُمْ أَيْضًا بِجَوَازِ التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ ﷺ. قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: ثُمَّ يَقُول فِي مَوْقِفِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْك يَا رَسُول اللَّهِ. . . وَيَسْأَل اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ مُتَوَسِّلًا إِلَى اللَّهِ بِحَضْرَةِ نَبِيِّهِ ﵊.
وَقَال صَاحِبُ الاِخْتِيَارِ فِيمَا يُقَال عِنْدَ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ. . . جِئْنَاكَ مِنْ بِلاَدٍ شَاسِعَةٍ. . . وَالاِسْتِشْفَاعُ بِك إِلَى رَبِّنَا. . . ثُمَّ يَقُول: مُسْتَشْفِعِينَ بِنَبِيِّك إِلَيْك.
وَمِثْلُهُ فِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ وَالطَّحَاوِيُّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ.
وَنَصُّ هَؤُلاَءِ: عِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ. . . وَقَدْ جِئْنَاكَ سَامِعِينَ قَوْلَك طَائِعِينَ أَمْرَك مُسْتَشْفِعِينَ بِنَبِيِّك إِلَيْكَ.
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: وَيَتَوَسَّل إِلَى اللَّهِ بِأَنْبِيَائِهِ وَالصَّالِحِينَ (٢) .
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٦٨، والمبدع ٢ / ٢٠٤، والفروع ٢ / ١٥٩ والمغني مع الشرح ٣ / ٥٨٨ وما بعدها، والشرح الكبير مع المغني ٣ / ٤٩٤ - ٤٩٥، والإنصاف ٢ / ٤٥٦.
(٢) الاختيار ١ / ١٧٤ - ١٧٥، وفتح القدير ٢ / ٣٣٧ ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص٤٠٧، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ١ / ٥٦٢، والفتاوى الهندية ١ / ٢٦٦، وتحفة الأحوذي ١٠ / ٣٤ وتحفة الذاكرين للشوكاني (٣٧) .
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا يَأْتِي (١):
أ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٢)﴾ .
ب - حَدِيثُ الأَْعْمَى (٣) الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ.
فَقَدْ تَوَجَّهَ الأَْعْمَى فِي دُعَائِهِ بِالنَّبِيِّ ﵊ أَيْ بِذَاتِهِ.
ج - قَوْلُهُ ﷺ فِي الدُّعَاءِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ: اغْفِرْ لأُِمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّك وَالأَْنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي فَإِنَّك أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٤) .
د - تَوَسُّل آدَمَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلاَئِل النُّبُوَّةِ " وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَال:
_________
(١) المراجع السابقة، والمدخل ١ / ٢٤٨ وما بعدها، وشرح المواهب ٨ / ٣٠٤، وجلاء العينين ص٤٣٣ وما بعدها، وقاعدة جليلة ص٦٥ وما بعدها، وحقيقة التوسل والوسيلة ص٣٨ وما بعدها لمؤلفه موسى محمد علي، والتوسل وأنواعه وأحكامه للألباني ص٥١ وما بعدها.
(٢) سورة المائدة / ٣٥.
(٣) حديث الأعمى سبق تخريجه ف / ٨.
(٤) حديث دعاء النبي ﷺ لفاطمة بنت الأسد: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط كما في مجمع الزوائد للهيثمي (٩ / ٢٥٧ - ط القدسي)، وقال: فيه روح بن صلاح، وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
يَا رَبِّ أَسْأَلُك بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ كَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟
قَال: يَا رَبِّ إِنَّكَ لَمَّا خَلَقْتنِي رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ فَعَلِمْتُ أَنَّك لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِك إِلاَّ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْك، فَقَال اللَّهُ تَعَالَى: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، وَإِذْ سَأَلْتنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلاَ مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُك (١) .
هـ - حَدِيثُ الرَّجُل الَّذِي كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁: رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ فِي زَمَنِ خِلاَفَتِهِ، فَكَانَ لاَ يَلْتَفِتُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فِي حَاجَتِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ لِعُثْمَانِ بْنِ حُنَيْفٍ، فَقَال لَهُ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ ائْتِ الْمَسْجِدَ فَصَل، ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إِلَى رَبِّك فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي، وَتَذْكُرُ حَاجَتَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُل فَصَنَعَ
_________
(١) حديث لما اقترف آدم الخطيئة. . . . . " أخرجه الحاكم (٢ / ٦١٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وعنه البيهقي في دلائل النبوة (٥ / ٤٨٩ - ط دار الكتب العلمية) وقال البيهقي: " تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه، وهو ضعيف " وتعقب الذهبي تصحيح الحاكم في تلخيص المستدرك بقوله: " بل موضوع، وعبد الرحمن واه ".
ذَلِكَ ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، فَجَاءَ الْبَوَّابُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ وَقَال لَهُ: اُذْكُرْ حَاجَتَك، فَذَكَرَ حَاجَتَهُ فَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَال: مَا لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَاذْكُرْهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيْفٍ فَقَال لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ لِحَاجَتِي حَتَّى كَلَّمْتَهُ لِي، فَقَال ابْنُ حُنَيْفٍ، وَاَللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ وَلَكِنْ شَهِدْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ (١) . إِلَى آخِرِ حَدِيثِ الأَْعْمَى الْمُتَقَدِّمِ.
قَال المباركفوري: قَال الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي إِنْجَاحِ الْحَاجَةِ: ذَكَرَ شَيْخُنَا عَابِدٌ السِّنْدِيُّ فِي رِسَالَتِهِ وَالْحَدِيثُ - حَدِيثُ الأَْعْمَى - يَدُل عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّل وَالاِسْتِشْفَاعِ بِذَاتِهِ الْمُكَرَّمِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ. . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ فِي تُحْفَةِ الذَّاكِرِينَ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّل بِرَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى اللَّهِ ﷿ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْفَاعِل هُوَ اللَّهُ
_________
(١) حديث الرجل الذي كانت له حاجة عند عثمان بن عفان أخرجه الطبراني في معجمه الصغير (١ / ١٨٣ - ط المكتبة السلفية) وقد تكلم الذهبي في ميزان الاعتدال (٢ / ٢٦٢ - ط الحلبي) في رواية شعيب بن سعيد بما يقتضي تضعيف زيادته في هذا الحديث.