الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

الْعِلْمَ، وَالْجُمْهُورُ مِنْهُمْ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ ضَرُورِيٌّ، وَذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَالْكَعْبِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالدَّقَّاقُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ نَظَرِيٌّ، وَتَوَقَّفَ الآْمِدِيُّ وَفَصَّل الْغَزَالِيُّ فَقَال: هُوَ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يُحْتَاجُ فِي حُصُولِهِ إِلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِ وَاسِطَةٍ مُفْضِيَةٍ إِلَيْهِ، مَعَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ حَاضِرَةٌ فِي الذِّهْنِ، وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ.

وَحَتَّى يُفِيدَ التَّوَاتُرُ الْعِلْمَ لاَ بُدَّ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ، بَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِينَ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُسْتَمِعِينَ، وَبَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَفِيمَا يَلِي الشُّرُوطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، أَمَّا الشُّرُوطُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا وَمُنَاقَشَتُهَا فَتَفْصِيلُهَا فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ وَعِلْمِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ.

٤ - فَالشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمُخْبِرِينَ وَهِيَ مَحَل اتِّفَاقِ الأُْصُولِيِّينَ أَرْبَعَةٌ:

أَوَّلُهَا: أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ عِلْمٍ لاَ عَنْ ظَنٍّ.

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُمْ ضَرُورِيًّا مُسْتَنِدًا إِلَى مَحْسُوسٍ.

ثَالِثُهَا: أَنْ يَسْتَوِيَ طَرَفَاهُ وَوَسَطُهُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَفِي كَمَال الْعَدَدِ.

رَابِعُهَا: الْعَدَدُ الْكَامِل الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالْمَقْصُودُ بِالْكَامِل هُوَ أَقَل عَدَدٍ يُورِثُ الْعِلْمَ أَوْ هُوَ تَعَدُّدُ النَّقَلَةِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَادَةً عَلَى

الْكَذِبِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ فَقِيل: أَقَلُّهُ خَمْسَةٌ، وَقِيل: اثْنَا عَشَرَ، وَقِيل: عِشْرُونَ. وَقِيل: أَرْبَعُونَ، وَقِيل: سَبْعُونَ، وَقِيل: ثَلاَثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَدَدُ أَهْل بَدْرٍ، وَقِيل: عَدَدُ أَهْل بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ (أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ) .

وَقِيل: لَيْسَ مَعْلُومًا لَنَا لَكِنَّا بِحُصُول الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ نَتَبَيَّنُ كَمَال الْعَدَدِ، لاَ أَنَّا بِكَمَال الْعَدَدِ نَسْتَدِل عَلَى حُصُول الْعِلْمِ.

وَضَابِطُهُ: مَا حَصَل الْعِلْمُ عِنْدَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ، وَالرَّازِيُّ، وَابْنُ الْهُمَامِ وَوَأَمِيرُ بَادْشَاهْ شَارِحُ التَّحْرِيرِ، وَسَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ صَاحِبُ (كَشْفِ الأَْسْرَارِ) .

وَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الْمُسْتَمِعِينَ فَشَرْطَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يَكُونَ السَّامِعُ عَالِمًا بِمَا أُخْبِرَ بِهِ.

ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِقَبُول الْعِلْمِ بِمَا أُخْبِرَ بِهِ.

أَقْسَامُ التَّوَاتُرِ:

٥ - التَّوَاتُرُ يَنْقَسِمُ إِلَى لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ، فَاللَّفْظِيُّ: هُوَ مَا تَوَاتَرَ لَفْظُهُ كَحَدِيثِ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا (١) ".

_________

(١) حديث: " من كذب علي متعمدا فليتوبأ مقعده من النار. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٦٠ ط السلفية)، ومسلم، (١ / ١٠ ط الحلبي) .

وَالْمَعْنَوِيُّ: هُوَ نَقْل رُوَاةِ الْخَبَرِ قَضَايَا مُتَعَدِّدَةً بَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ عَلَى جِهَةِ التَّضَمُّنِ أَوِ الاِلْتِزَامِ.

أَوْ هُوَ نَقْل جَمَاعَةٍ يَسْتَحِيل تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةً تَشْتَرِكُ فِي أَمْرٍ يَتَوَاتَرُ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، كَمَا نُقِل عَنْ شَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁، وَكَرَمِ حَاتِمٍ، وَكَأَحَادِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.

ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا كَانَ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ فَلاَ يَنْسَخُهُ إِلاَّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ مِثْلَهُ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالآْحَادِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ إِلَى مَنْعِهِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُتَوَاتِرَ قَطْعِيٌّ وَخَبَرُ الآْحَادِ ظَنِّيٌّ فَلاَ يُبْطِلُهُ؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ لاَ يُبْطِل أَقْوَى مِنْهُ، وَنَقَل صَاحِبُ الْبُرْهَانِ الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَنَقَل صَاحِبُ تَيْسِيرِ التَّحْرِيرِ جَوَازَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.

وَقَال الرَّازِيُّ فِي الْمَحْصُول: هُوَ جَائِزٌ فِي الْعَقْل غَيْرُ وَاقِعٍ فِي السَّمْعِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ.

وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَقْلًا لَوْ تَعَبَّدَ بِهِ، وَوُقُوعُهُ سَمْعًا فِي زَمَانِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ.

وَذَهَبَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ إِلَى جَوَازِ نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْمَشْهُورِ مِنَ الآْحَادِ فَقَطْ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ

حَيْثُ إِنَّهُ بَيَانٌ يَجُوزُ بِالآْحَادِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَبْدِيلٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوَاتُرُ فَيَجُوزُ بِمَا هُوَ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

٦ - ثُمَّ إِنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ كُل مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فِي أَصْلِهِ وَأَجْزَائِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّوَاتُرِ فِي مَحَلِّهِ وَوَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ.

فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ التَّوَاتُرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي مَحَلِّهِ وَوَضْعِهِ وَتَرْتِيبِهِ، بَل يَكْثُرُ فِيهَا نَقْل الآْحَادِ. قَال السُّيُوطِيّ: الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْل السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ التَّوَاتُرِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا (١) .

(وَلِلتَّفْصِيل رَاجِعِ الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ) .

_________

(١) المستصفى ١ / ١٣٦ وما بعدها، والبرهان ١ / ٥٦٧ وما بعدها، ٥٧٩، ٢ / ١٣١١، والمحصول القسم الأول من الجزء الثاني / ٣٢٣ وما بعدها، ٣٧٧، والمحصول ٢ / القسم الأول ٣٦٨، ٣٨٣، والمحصول ١ / القسم الثالث ٤٩٨، وتيسير التحرير ٣ / ٣٠ وما بعدها ٣٤، ٣٦، وكشف الأسرار ٢ / ٣٦٠ وما بعدها، والتلويح على التوضيح ٢ / ٢، ٣، ٣٦، والأحكام للآمدي ٢ / ١٨، ١٩، ٢٣، ٢٥، ٢٧، وتدريب الراوي ٣٧٤، ومسلم الثبوت ٢ / ٩، ١٣، والإتقان ١ / ٧٧ وما بعدها ط مصطفى الحلبي.

تَوَاطُؤٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّوَاطُؤُ مَصْدَرُ تَوَاطَأَ، وَأَصْل فِعْلِهِ الثُّلاَثِيِّ: وَطِئَ

وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: التَّوَافُقُ، يُقَال: تَوَاطَأْنَا عَلَى الأَْمْرِ: تَوَافَقْنَا، وَتَوَاطَئُوا عَلَيْهِ: إِذَا تَوَافَقُوا، وَحَقِيقَتُهُ كَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَطِئَ مَا وَطِئَهُ الآْخَرُ، وَالْمُتَوَاطِئُ الْمُتَوَافِقُ (١) .

وَفِي حَدِيثِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَْوَاخِرِ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّمَالُؤُ:

٢ - التَّمَالُؤُ فِي اللُّغَةِ: الاِجْتِمَاعُ وَالتَّعَاوُنُ، يُقَال: تَمَالَئُوا عَلَى الأَْمْرِ: إِذَا تَعَاوَنُوا، وَقَال ابْنُ

_________

(١) لسان العرب ٣ / ٩٤٦، تاج العروس ١ / ٤٩٥.

(٢) حديث: " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٥٦ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٢٣ ط عيسى الحلبي) .

السِّكِّيتِ: اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: يُقَال لِلْقَوْمِ إِذَا تَتَابَعُوا بِرَأْيِهِمْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَيْهِ (١) .

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَتَل سَبْعَةَ نَفَرٍ بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ غِيلَةً وَقَال: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْل صَنْعَاءَ لأَقَدْتهمْ بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَتَلْتهمْ، يَقُول: لَوْ تَضَافَرُوا عَلَيْهِ وَتَعَاوَنُوا وَتَسَاعَدُوا.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

ب - التَّضَافُرُ:

٣ - وَمَعْنَاهُ التَّعَاوُنُ وَالتَّجَمُّعُ، يُقَال تَضَافَرَ الْقَوْمُ. إِذَا تَعَاوَنُوا، وَضَافَرْتُهُ: عَاوَنْتُهُ، قَال ابْنُ سِيدَهْ: تَضَافَرَ الْقَوْمُ عَلَى الأَْمْرِ. تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ (٢) .

وَهَذِهِ الأَْلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى بَل كَالْمُتَرَادِفَةِ.

_________

(١) لسان العرب ٣ / ٥١٨، والمصباح المنير ٢ / ٥٨٠، والقاموس المحيط ١ / ٣٠، والمغرب ٤٣٢.

(٢) المصباح المنير ٢ / ٣٦٣، ولسان العرب ٢ / ٥٤٠.

ج - التَّصَادُقُ:

٤ - التَّصَادُقُ وَالْمُصَادَقَةُ وَالصَّدَاقُ وَالصَّدَاقَةُ وَالْمُخَالَّةُ بِمَعْنًى.

وَهُوَ مَصْدَرُ تَصَادَقَ، وَأَصْل فِعْلِهِ صَدَقَ، يُقَال: صَدَقَهُ النَّصِيحَةَ وَالإِْخَاءَ أَمْحَضَهُ لَهُ، وَتَصَادَقَا فِي الْحَدِيثِ وَفِي الْمَوَدَّةِ ضِدُّ تَكَاذَبَا (١) .

وَالتَّوَاطُؤُ تَوَافُقُ شَخْصَيْنِ أَوْ أَكْثَر عَلَى أَمْرٍ مَا إِمَّا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ. أَمَّا التَّصَادُقُ فَتَصْدِيقُ شَخْصٍ لآِخَرَ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَعَادَةً يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ مِنَ الآْخَرِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّوَاطُؤِ بِاخْتِلاَفِ مَا تُوُوطِئَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: الْجِنَايَاتُ، وَالشَّهَادَاتُ، وَالرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ، وَالإِْقْرَارُ بِالنَّسَبِ، وَالإِْقْرَارُ بِطَلاَقٍ سَابِقٍ، وَالْوَطْءُ فِي حَال الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول، وَالرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ.

أَوَّلًا: التَّوَاطُؤُ فِي الْجِنَايَاتِ:

٦ - التَّوَاطُؤُ فِي الْجِنَايَاتِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّفْسِ بِإِزْهَاقِهَا، أَوْ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ بِإِتْلاَفِهَا أَوِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهَا.

الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ:

٧ - إِذَا تَوَاطَأَ جَمْعٌ عَلَى قَتْل وَاحِدٍ مَعْصُومِ الدَّمِ

_________

(١) تاج العروس ولسان العرب مادة: " صدق ".

عَمْدًا عُدْوَانًا، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ يُقْتَلُونَ بِالْفَرْدِ الَّذِي تَمَّ التَّوَاطُؤُ عَلَى قَتْلِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةٍ: مِنْهَا، مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَتَل سَبْعَةً مِنْ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا وَقَال: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْل صَنْعَاءَ لَقَتَلْتهمْ جَمِيعًا (١) . وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَتَل ثَلاَثَةً قَتَلُوا رَجُلًا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَتَل جَمَاعَةً بِوَاحِدٍ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَعَ شُهْرَتِهِ فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلأَِنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ، فَوَجَبَتْ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَيُفَارِقُ الدِّيَةَ فَإِنَّهَا تَتَبَعَّضُ وَالْقِصَاصُ لاَ يَتَبَعَّضُ؛ وَلأَِنَّ الْقِصَاصَ لَوْ سَقَطَ بِالاِشْتِرَاكِ أَدَّى إِلَى التَّسَارُعِ بِالْقَتْل بِهِ، فَيُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاطِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ (٢) .

وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لاَ يُقْتَلُونَ بِهِ وَتَجِبُ عَلَيْهِمِ الدِّيَةُ، وَهَذَا قَوْل ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَرَبِيعَةَ، وَدَاوُد، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَال: وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ " وَغَيْرِهِ " أَنَّهُ يُقْتَل وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْبَاقِينَ حِصَصُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَافِئٌ لَهُ فَلاَ تُسْتَوْفَى أَبْدَالٌ بِمُبْدَلٍ وَاحِدٍ، كَمَا لاَ تَجِبُ دِيَاتٌ

_________

(١) حديث: أثر عمر " لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا " سبق تخريجه.

(٢) المغني ٧ / ٦٧١، ٦٧٢.

لِمَقْتُولٍ وَاحِدٍ؛ وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (١) وَقَال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢) فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدةٍ؛ وَلأَِنَّ التَّفَاوُتَ فِي الأَْوْصَافِ يُمْنَعُ بِدَلِيل أَنَّ الْحُرَّ لاَ يُؤْخَذُ بِالْعَبْدِ، وَالتَّفَاوُتُ فِي الْعَدَدِ أَوْلَى (٣) .

وَلَكِنْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى (قَتْل الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ) اخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيل.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُقْتَل جَمْعٌ بِمُفْرَدٍ إِنْ جَرَحَ كُل وَاحِدٍ جُرْحًا مُهْلِكًا مَعًا؛ لأَِنَّ زَهُوقَ الرُّوحِ يَتَحَقَّقُ بِالْمُشَارَكَةِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ بِخِلاَفِ الأَْطْرَافِ، وَاشْتِرَاكُ الْجَمَاعَةِ فِيمَا لاَ يَتَجَزَّأُ يُوجِبُ التَّكَامُل فِي حَقِّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيُضَافُ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَلًا كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ كَوِلاَيَةِ الإِْنْكَاحِ، فَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْبَعْضِ مُهْلِكًا، وَجُرْحُ الآْخَرِينَ غَيْرَ مُهْلِكٍ، فَالْقَوَدُ عَلَى ذِي الْجُرْحِ الْمُهْلِكِ، وَعَلَى الآْخَرِينَ التَّعْزِيرُ، وَالدِّيَةُ - فِي الظَّاهِرِ - لِتَعَمُّدِهِمْ، أَمَّا إِذَا بَاشَرَ الْقَتْل بَعْضُهُمْ وَكَانَ الآْخَرُونَ نِظَارَةً أَوْ مُغْرِينَ فَلاَ قَوَدَ وَلاَ دِيَةَ (٤) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُقْتَل الْجَمْعُ الْمُتَمَالِئُونَ عَلَى

_________

(١) سورة البقرة / ١٧٨.

(٢) سورة المائدة / ٤٥.

(٣) المغني ٧ / ٦٧١، ٦٧٢.

(٤) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٣٥٧.

قَتْل شَخْصٍ إِنْ تَمَالَئُوا بِضَرْبِهِ بِنَحْوِ سُيُوفٍ، أَوْ بِسَوْطٍ مِنْ أَحَدِهِمْ وَسَوْطٍ مِنْ آخَرَ، وَهَكَذَا حَتَّى مَاتَ فَيُقْتَلُونَ بِهِ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁، هَذَا إِذَا كَانَ جَمِيعُ الْمُتَمَالِئِينَ مُكَلَّفِينَ، فَإِنْ اشْتَرَكَ مُكَلَّفٌ مَعَ صَبِيٍّ فِي قَتْل مَعْصُومِ الدَّمِ، فَعَلَى الْمُكَلَّفِ الْقِصَاصُ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ إِنْ تَمَالآَ عَلَى قَتْلِهِ.

وَعِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إِنْ تَعَدَّدَ مَنْ بَاشَرُوا الضَّرْبَ أَوِ الْجُرْحَ الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْمَوْتُ، فَإِنْ كَانُوا تَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهِ، يُقْتَل الْجَمِيعُ بِقَتْل وَاحِدٍ إِنْ مَاتَ مَكَانَهُ، أَوْ رُفِعَ مَغْمُورًا حَتَّى مَاتَ، لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْقْوَى ضَرْبًا وَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُمَالأَةٌ عَلَى قَتْلِهِ، بِأَنْ قَصَدَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَتْلَهُ بِانْفِرَادِهِ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مَعَ غَيْرِهِ، أَوْ قَصَدَ كُلٌّ مِنْهُمْ ضَرْبَهُ بِلاَ قَصْدِ قَتْلٍ فَمَاتَ. . . قُدِّمَ الأَْقْوَى فِعْلًا حَيْثُ تَمَيَّزَتْ أَفْعَالُهُمْ فَيُقْتَل، وَيُقْتَصُّ مِمَّنْ جَرَحَ أَوْ قَطَعَ، وَيُؤَدَّبُ مَنْ لَمْ يَجْرَحْ، فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزِ الضَّرَبَاتُ بِأَنْ تَسَاوَتْ أَوْ لَمْ يُعْلَمِ الأَْقْوَى قُتِل الْجَمِيعُ إِنْ مَاتَ مَكَانَهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَإِلاَّ فَوَاحِدٌ بِقَسَامَةٍ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُقْتَل الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ وَإِنْ تَفَاضَلَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي الْعَدَدِ، وَالْفُحْشِ، وَالأَْرْشِ، حَيْثُ كَانَ لَهَا دَخْلٌ فِي الزَّهُوقِ سَوَاءٌ أَقَتَلُوهُ بِمُحَدَّدٍ، أَمْ بِمُثَقَّلٍ، أَمْ أَلْقَوْهُ مِنْ شَاهِقٍ،

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٤٥ - ٢٤٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٧ - ٢٥٨.