الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
أَوْ فِي بَحْرٍ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ فَيَجِبُ لَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ؛ وَلأَِنَّهُ شُرِعَ لِحَقْنِ الدِّمَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عِنْدَ الاِشْتِرَاكِ لاَُتُّخِذَ ذَرِيعَةً إِلَى سَفْكِهَا؛ وَلِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁.
أَمَّا مَنْ لَيْسَ لِجُرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ دَخْلٌ فِي الزَّهُوقِ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ فَلاَ يُعْتَبَرُ. وَلَوْ ضَرَبُوهُ بِسِيَاطٍ، أَوْ عَصًا خَفِيفَةٍ فَقَتَلُوهُ وَضَرْبُ كُلٍّ مِنْهُمْ لاَ يَقْتُل، قُتِلُوا إِنْ تَوَاطَئُوا أَيِ اتَّفَقُوا عَلَى ضَرْبِهِ. وَكَانَتْ جُمْلَةُ السِّيَاطِ بِحَيْثُ يُقْصَدُ بِهَا الْهَلاَكُ (١) . وَإِنْ وَقَعَ مُصَادَفَةً وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُتَأَخِّرُ ضَرْبَ غَيْرِهِ، فَالدِّيَةُ تَجِبُ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الضَّرَبَاتِ إِنْ عُلِمَ يَقِينًا، فَإِنْ جُهِل أَوْ شُكَّ فِيهِ فَالتَّوْزِيعُ عَلَى الرُّءُوسِ كَالتَّوْزِيعِ فِي الْجِرَاحِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرِ التَّوَاطُؤُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالضَّرَبَاتِ الْمُهْلِكِ كُلٍّ مِنْهَا لَوِ انْفَرَدَ؛ لأَِنَّهَا قَاتِلَةٌ فِي نَفْسِهَا وَيُقْصَدُ بِهَا الْهَلاَكُ مُطْلَقًا، وَالضَّرْبُ الْخَفِيفُ لاَ يَظْهَرُ فِيهِ قَصْدُ الإِْهْلاَكِ مُطْلَقًا إِلاَّ بِالْمُوَالاَةِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْمُوَاطِئُ مِنْ جَمْعٍ.
وَلَوْ ضَرَبَ اثْنَانِ شَخْصًا بِسِيَاطٍ أَوْ عَصًا خَفِيفَةٍ فَقَتَلُوهُ، وَضَرْبُ أَحَدِهِمَا يَقْتُل، وَضَرْبُ الآْخَرِ لاَ يَقْتُل، فَإِنْ سَبَقَ الضَّرْبُ الَّذِي يَقْتُل
_________
(١) ذلك ما جاء في شرح المنهج، وفي نهاية المحتاج أن في القصاص أوجها أصحها الوجوب في هذه الحالة، وفيها كذلك أن ضرب كل منهم لو كان قاتلا لو انفرد وجب عليهم القود جزما.
كَخَمْسِينَ سَوْطًا مَثَلًا، ثُمَّ تَبِعَهُ الضَّرْبُ الَّذِي لاَ يَقْتُل كَسَوْطَيْنِ حَالَةَ أَلَمِهِ مِنْ ضَرْبِ الأَْوَّل، وَكَانَ الضَّارِبُ الثَّانِي عَالِمًا بِضَرْبِ الأَْوَّل اُقْتُصَّ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ فَلاَ قِصَاصَ، وَعَلَى الأَْوَّل مِنْهُمَا حِصَّةُ ضَرْبِهِ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَعَلَى الثَّانِي كَذَلِكَ مِنْ دِيَةِ شِبْهِهِ بِاعْتِبَارِ الضَّرَبَاتِ.
وَإِنْ سَبَقَ الضَّرْبُ الَّذِي لاَ يَقْتُل، ثُمَّ تَبِعَهُ الَّذِي يَقْتُل حَال الأَْلَمِ، وَلاَ تَوَاطُؤَ، فَلاَ قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَل يَجِبُ عَلَى الضَّارِبِ الأَْوَّل حِصَّةُ ضَرْبِهِ مِنْ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَعَلَى الثَّانِي حِصَّةُ ضَرْبِهِ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ بِاعْتِبَارِ الضَّرَبَاتِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا قَتَلُوا وَاحِدًا فَعَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقِصَاصُ، إِذَا كَانَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوِ انْفَرَدَ بِفِعْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: - بَعْدَ ذَلِكَ - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةَ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلاَ يُعْتَبَرُ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ التَّسَاوِي فِي سَبَبِهِ، فَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ جُرْحًا، وَالآْخَرُ مِائَةً فَمَاتَ، كَانَا
_________
(١) نهاية المحتاج ٧ / ٢٦١، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٢٥ - ٢٦.
سَوَاءً فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ؛ لأَِنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي يُفْضِي إِلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنِ الْمُشْتَرِكِينَ إِذْ لاَ يَكَادُ جُرْحَانِ يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُل وَجْهٍ، وَلَوِ احْتُمِل التَّسَاوِي لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ وَلاَ يُكْتَفَى بِاحْتِمَال الْوُجُودِ، بَل الْجَهْل بِوُجُودِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ؛ وَلأَِنَّ الْجُرْحَ الْوَاحِدَ قَدْ يَمُوتُ مِنْهُ دُونَ الْمِائَةِ؛ وَلأَِنَّ الْجِرَاحَ إِذَا أَفَضْت إِلَى قَتْل النَّفْسِ سَقَطَ اعْتِبَارُهَا، فَكَانَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ كَحُكْمِ الْوَاحِدِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ كُلَّهَا فَمَاتَ وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ (١) .
الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ:
٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي جُرْحٍ أَوْ جِنَايَةٍ عَلَى طَرَفٍ مُوجِبَيْنِ لِلْقِصَاصِ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ فَقَالاَ: هَذَا هُوَ السَّارِقُ وَأَخْطَأْنَا فِي الأَْوَّل فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الثَّانِي وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ الأَْوَّل، وَقَال: لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا؛ وَلأَِنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْقِصَاصِ فَتُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالأَْنْفُسِ.
وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ إِذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ فِعْل أَحَدِهِمْ عَنْ فِعْل الآْخَرِ، كَأَنْ يَضَعُوا سَيْفًا عَلَى يَدِ شَخْصٍ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهِ
_________
(١) المغني ٧ / ٦٧١ ٦٧٢.
حَتَّى تَبِينُ يَدُهُ، فَإِنْ قَطَعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَانِبٍ، أَوْ ضَرَبَ كُل وَاحِدٍ ضَرْبَةً فَلاَ قِصَاصَ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَقْطَعِ الْيَدَ، وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تُقْطَعُ الْيَدَانِ، أَوِ الأَْيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ؛ لاِنْعِدَامِ الْمُمَاثَلَةِ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ فِي الأَْطْرَافِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْقِيمَةِ بِخِلاَفِ النَّفْسِ، فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهَا الْمُسَاوَاةُ فِي الْعِصْمَةِ.
وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ وَجْهًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لاَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الأَْطْرَافَ لاَ تُؤْخَذُ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتٌ مِنْ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَمُتِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ تَمَالُؤٌ مِنْهُمْ، فَيُقْتَصُّ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ فِعْلِهِ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزِ الْجِنَايَاتُ مَعَ عَدَمِ التَّمَالُؤِ فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ جَمِيعِ الْجِنَايَاتِ، وَأَمَّا إِنْ تَمَالَئُوا اُقْتُصَّ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِ الْجَمِيعِ تَمَيَّزَتِ الْجِنَايَاتُ أَمْ لاَ (٣) .
ثَانِيًا - تَوَاطُؤُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى طَلاَقٍ فِي وَقْتٍ سَابِقٍ:
٩ - إِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ الْمُعْتَدَّةِ وَأَسْنَدَ هَذَا الطَّلاَقَ إِلَى وَقْتٍ سَابِقٍ عَلَى وَقْتِ الإِْقْرَارِ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ. فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ:
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٢٥، والمغني ٧ / ٦٧٤ - ٦٧٦.
(٢) الدر المختار ٥ / ٣٥٨، والمغني ٧ / ٦٧٤.
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٥.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَقَرَّ بِطَلاَقِهَا مُنْذُ زَمَانٍ مَاضٍ فَإِنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ وَتَعْتَدُّ مِنْ وَقْتِ الإِْقْرَارِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ صَدَّقَتْهُ أَمْ كَذَّبَتْهُ، أَمْ قَالَتْ لاَ أَدْرِي نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ أَيِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى الطَّلاَقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَقَرَّ صَحِيحٌ بِطَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ مُتَقَدِّمٍ عَلَى وَقْتِ إِقْرَارِهِ، وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ، اسْتَأْنَفَتِ امْرَأَتُهُ الْعِدَّةَ مِنْ وَقْتِ إِقْرَارِهِ، فَيُصَدَّقُ فِي الطَّلاَقِ لاَ فِي إِسْنَادِهِ لِلْوَقْتِ السَّابِقِ، وَلَوْ صَدَّقَتْهُ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إِسْقَاطِ الْعِدَّةِ وَهِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْعِدَّةُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي أَسْنَدَتِ الْبَيِّنَةُ الطَّلاَقَ فِيهِ. وَالْمَرِيضُ كَالصَّحِيحِ فِي هَذَا عِنْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرِيضِ بَيِّنَةٌ وَرِثَتْهُ أَبَدًا إِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَلَمْ يَقْصِدْ إِنْشَاءَ طَلاَقٍ بَل قَصَدَ الإِْخْبَارَ بِالطَّلاَقِ أَمْسِ فِي هَذَا النِّكَاحِ، وَصَدَّقَتْهُ تُحْسَبُ عِدَّتُهَا مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ (٣) .
وَيُفْهَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ مِثْل مَا قَال الشَّافِعِيَّةُ (٤) .
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٦١٠.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٧.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ٣١٤ - ٣١٥.
(٤) شرح منتهى الإرادات ٣ / ١٨٨.
ثَالِثًا - التَّوَاطُؤُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ إِذَا انْقَضَتْ فَقَال الزَّوْجُ: كُنْت رَاجَعْتهَا فِي الْعِدَّةِ وَصَدَّقَتْهُ فَهِيَ رَجْعَةٌ؛ لأَِنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لاَ يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُ فِي الْحَال، فَكَانَ مُتَّهَمًا، إِلاَّ أَنَّهُ بِالتَّصْدِيقِ تَرْتَفِعُ التُّهْمَةُ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ لاَ تَثْبُتُ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ خَبَرٌ، وَالْخَبَرُ مُجَرَّدُ دَعْوَى تَمَلُّكِ بُضْعِهَا أَوْ مَنْفَعَتِهِ بَعْدَ ظُهُورِ انْقِطَاعِ مِلْكِهِ، وَمُجَرَّدُ دَعْوَى مِلْكٍ فِي وَقْتٍ لاَ يَمْلِكُ إِنْشَاءَهُ فِيهِ لاَ يَجُوزُ قَبُولُهَا مَعَ إِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ فِيهِ إِنْشَاؤُهُ كَأَنْ يَقُول فِي الْعِدَّةِ: كُنْت رَاجَعْتُك أَمْسِ ثَبَتَتْ وَإِنْ كَذَّبَتْهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مُتَّهَمًا فِيهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ يُنْشِئَهُ فِي الْحَال، أَوْ يَجْعَل ذَلِكَ إِنْشَاءً إِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ تَحْتَمِلُهُ (١) .
تَوَاعُدٌ
اُنْظُرْ: وَعْدٌ
_________
(١) فتح القدير ٤ / ١٨ - ١٩، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٣، ومغني المحتاج ٣ / ٣٤٠ - ٣٤١، والمغني ٧ / ٢٩٥.
تَوَافُقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلتَّوَافُقِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ: مِنْهَا: الاِتِّفَاقُ وَالتَّظَاهُرُ وَعَدَمُ الاِخْتِلاَفِ، يُقَال: وَافَقَهُ مُوَافَقَةً وَوِفَاقًا وَاتَّفَقَ مَعَهُ وَتَوَافَقَا.
وَالْوَفْقُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا قَدْرُ الْكِفَايَةِ. يُقَال: حَلُوبَتُهُ وَفْقَ عِيَالِهِ. أَيْ لَهَا لَبَنٌ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ لاَ فَضْل فِيهِ (١) .
٢ - وَتَوَافُقُ الْعَدَدَيْنِ فِي اصْطِلاَحِ الْمُحَاسِبِينَ وَالْفَرْضِيِّينَ: أَنْ لاَ يَعُدَّ (أَيْ لاَ يُغْنِي) أَقَلُّهُمَا الأَْكْثَرَ لَكِنْ يَعُدُّهُمَا عَدَدٌ ثَالِثٌ غَيْرُ الْوَاحِدِ كَالثَّمَانِيَةِ مَعَ الْعِشْرِينَ. فَإِنَّ الثَّمَانِيَةَ لاَ تَعُدُّ الْعِشْرِينَ لَكِنْ تَعُدُّهُمَا الأَْرْبَعَةُ، فَإِنَّهَا تَعُدُّ الثَّمَانِيَةَ بِمَرَّتَيْنِ وَالْعِشْرِينَ بِخَمْسِ مَرَّاتٍ فَهُمَا مُتَوَافِقَانِ بِالرُّبُعِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَدَدَ الْعَادَّ لَهُمَا مُخْرِجٌ جُزْءَ ذَلِكَ الْوَفْقِ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا عَدَّهُمَا الأَْرْبَعَةُ وَهِيَ مَخْرَجُ الرُّبُعِ كَانَا مُتَوَافِقَيْنِ بِهِ. وَكَذَلِكَ يَعُدُّهُمَا اثْنَانِ فَيَتَوَافَقَانِ بِالنِّصْفِ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ الثَّمَانِيَةُ وَالْعَشَرَةُ يَعْدُهُمَا اثْنَانِ (٢) .
_________
(١) تاج العروس، ولسان العرب، ومختار الصحاح مادة: " وفق ".
(٢) شرح السراجية ٢٠٤ - ٢٠٥، ورد المحتار على الدر المختار ٥ / ٥١٦، ومنهاج الطالبين وحاشية القليوبي عليه ٣ / ١٥٣، والتعريفات للجرجاني ص٦٩، والتعريفات الفقهية للمجددي البركتي. الرسالة الرابعة ٢٣٩.
وَالتَّوَافُقُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ هُوَ أَحَدُ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ هِيَ: التَّمَاثُل، وَالتَّدَاخُل، وَالتَّبَايُنُ، وَالتَّوَافُقُ، وَهِيَ لَيْسَتْ بَابًا مِنْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ بَل مِنْ مَحْضِ مَسَائِل الْحِسَابِ مُنْفَصِلٍ عَنْ مَسَائِل الْفَرَائِضِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا فِي تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ عَلَى أَعْدَادِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِلاَ كَسْرٍ (١) . وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قِسْمَةُ التَّرِكَاتِ) .
_________
(١) شرح السراجية ص٢٠١.
تَوْبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّوْبَةُ فِي اللُّغَةِ الْعَوْدُ وَالرُّجُوعُ، يُقَال: تَابَ إِذَا رَجَعَ عَنْ ذَنْبِهِ وَأَقْلَعَ عَنْهُ. وَإِذَا أُسْنِدَ فِعْلُهَا إِلَى الْعَبْدِ يُرَادُ بِهِ رُجُوعُهُ مِنَ الزَّلَّةِ إِلَى النَّدَمِ، يُقَال: تَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً وَمَتَابًا: أَنَابَ وَرَجَعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَإِذَا أُسْنِدَ فِعْلُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يُسْتَعْمَل مَعَ صِلَةِ (عَلَى) يُرَادُ بِهِ رُجُوعُ لُطْفِهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْمَغْفِرَةِ لَهُ، يُقَال: تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: غَفَرَ لَهُ وَأَنْقَذَهُ مِنَ الْمَعَاصِي (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ التَّوْبَةُ هِيَ: النَّدَمُ وَالإِْقْلاَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْصِيَةٌ لاَ؛ لأَِنَّ فِيهَا ضَرَرًا لِبَدَنِهِ وَمَالِهِ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهَا إِذَا قَدَرَ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب وتاج العروس مادة " توب " ودستور العلماء ١ / ٣٦٢، ٣٦٣.
(٢) سورة التوبة / ١١٨.
(٣) تفسير روح المعاني للألوسي ٢٨ / ١٥٨، وبلغة السالك ٤ / ٧٣٨، والفواكه الدواني ١ / ٨٨، والكليات لأبي البقاء ٢ / ٩٦، والجمل ٥ / ٣٨٧، وكشاف القناع ١ / ٤١٨، والمغني ٩ / ٢٠٠.
وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا الرُّجُوعُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُعْوَجِّ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ (١) .
وَعَرَّفَهَا الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهَا: الْعِلْمُ بِعَظَمَةِ الذُّنُوبِ، وَالنَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ فِي الْحَال وَالاِسْتِقْبَال وَالتَّلاَفِي لِلْمَاضِي، وَهَذِهِ التَّعْرِيفَاتُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ لَفْظًا هِيَ مُتَّحِدَةٌ مَعْنًى. وَقَدْ تُطْلَقُ التَّوْبَةُ عَلَى النَّدَمِ وَحْدَهُ إِذْ لاَ يَخْلُو عَنْ عِلْمٍ أَوْجَبَهُ وَأَثْمَرَهُ وَعَنْ عَزْمٍ يَتْبَعُهُ (٢)، وَلِهَذَا قَال النَّبِيُّ ﷺ النَّدَمُ تَوْبَةٌ (٣) وَالنَّدَمُ تَوَجُّعُ الْقَلْبِ وَتَحَزُّنُهُ لِمَا فَعَل وَتَمَنِّي كَوْنَهُ لَمْ يَفْعَل (٤) .
قَال ابْنُ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةَ: التَّوْبَةُ فِي كَلاَمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا تَتَضَمَّنُ الإِْقْلاَعَ عَنِ الذَّنْبِ فِي الْحَال وَالنَّدَمَ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي وَالْعَزْمَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَل، تَتَضَمَّنُ أَيْضًا الْعَزْمَ عَلَى فِعْل الْمَأْمُورِ وَالْتِزَامِهِ، فَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ: الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْتِزَامِ فِعْل مَا يَجِبُ وَتَرْكِ مَا يَكْرَهُ؛ وَلِهَذَا عَلَّقَ ﷾ الْفَلاَحَ الْمُطْلَقَ عَلَى التَّوْبَةِ (٥) حَيْثُ قَال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦) .
_________
(١) القليوبي ٤ / ٢٠١، والآداب الشرعية ١ / ٩٨.
(٢) إحياء علوم الدين للغزالي ٤ / ٣.
(٣) حديث: " الندم توبة ". أخرجه أحمد في المسند (٥ / ١٩٤، ٣٥٦٨. ط دار المعارف) وصحح إسناده أحمد شاكر.
(٤) تفسير الألوسي ٢٨ / ١٥٨، والجمل ٥ / ٣٨٧، والإحياء للغزالي ٤ / ٣.
(٥) مدارج السالكين ١ / ٣٠٥.
(٦) سورة النور / ٣١.