الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَفَى الْحَمْل بِاللِّعَانِ وَوَضَعَتِ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ أَوْ تَوَائِم انْتَفَوْا بِاللِّعَانِ جَمِيعًا، سَوَاءٌ وُلِدُوا مُتَعَاقِبِينَ أَوْ تَخَلَّلَتْ بَيْنَهُمْ فَتْرَةٌ تَقِل عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لأَِنَّهُ لاَعَنَ عَنِ الْحَمْل، وَالْحَمْل اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ (١) .
فِي الإِْرْثِ:
٦ - تَطَرَّقَ عُلَمَاءُ الْفَرَائِضِ فِي أَبْوَابِ إِرْثِ الْحَمْل إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ تَتَعَلَّقَانِ بِالتَّوَائِمِ:
الأُْولَى: افْتِرَاضُ الْحَمْل بِأَنَّهُ تَوْأَمَانِ أَوْ تَوَائِمُ عَمَلًا بِالأَْحْوَطِ فِي حَقِّهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي يُفْتَرَضُ مِنَ التَّوَائِمِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ تَوْأَمَيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ؛ لأَِنَّ وِلاَدَةَ التَّوْأَمَيْنِ كَثِيرَةٌ وَمُعْتَادَةٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا نَادِرٌ، فَلاَ يُوقَفُ لِمَا زَادَ شَيْءٌ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ - إِنَّ الْحَمْل لاَ يَتَقَدَّرُ بِعَدَدٍ وَلاَ يَتَحَدَّدُ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ، فَيُوقَفُ الْمَال كُلُّهُ إِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُحْجَبَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ بِالتَّوَائِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُمْكِنِ حَجْبُهُمْ وَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ الْمُقَدَّرَةِ أُعْطِيَ لَهُمْ حَظُّهُمْ مِنَ التَّرِكَةِ،
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ٣٥٩.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا حَتَّى تَضَعَ الْحَامِل (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي الْمَرْجُوحِ يُوقَفُ نَصِيبُ أَرْبَعَةِ أَوْلاَدٍ ذُكُورٍ.
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِرْثٌ) .
الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: إِذَا وَلَدَتِ الْحَامِل بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ تَوْأَمَيْنِ فَاسْتَهَل أَحَدُهُمَا وَمَاتَا وَلَمْ يُعْلَمِ الْمُسْتَهِل بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ، أَوْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، لاَ يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا فَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا:
فَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: ذَهَبَ الْفَرَضِيُّونَ إِلَى أَنْ تُعْمَل الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْحَالَيْنِ وَيُعْطَى كُل وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الاِحْتِمَال (٢) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِرْثٌ) .
فِي الْعِدَّةِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْحَامِل بِانْفِصَال جَمِيعِ الْوَلَدِ إِذَا كَانَ الْحَمْل وَاحِدًا وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ إِذَا كَانَ الْحَمْل اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَر.
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٨، وحاشبة ابن عابدين ٣ / ٣٣٢، والمغني لابن قدامة ٦ / ٣١٣.
(٢) المغني لابن قدامة ٦ / ٣١٨.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ عِدَّتَهَا لاَ تَنْقَضِي إِلاَّ بِوَضْعِ آخِرِ التَّوَائِمِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَكُونُ وَاضِعَةً لِحَمْلِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ كُلُّهُ، وَالْحَمْل اسْمٌ لِلْجَمِيعِ.
وَذَهَبَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو قِلاَبَةَ إِلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِأَوَّل التَّوَائِمِ، وَلَكِنَّهَا لاَ تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَضَعَ الأَْخِيرَ مِنَ التَّوَائِمِ (١) .
فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَيْنِ أَوْ أَجِنَّةً فَفِي كُل وَاحِدٍ غُرَّةٌ لأَِنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهِ.
وَإِنْ أَلْقَتْهُمْ أَحْيَاءَ فِي وَقْتٍ يَعِيشُونَ فِي مِثْلِهِ، ثُمَّ مَاتُوا فَفِي كُل وَاحِدٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ حَيًّا فَمَاتَ، وَبَعْضُهُمْ مَيِّتًا، فَفِي الْحَيِّ دِيَةٌ، وَفِي الْمَيِّتِ غُرَّةٌ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا إِذَا مَاتَ عَاجِلًا بَعْدَ الضَّرْبِ، لأَِنَّ مَوْتَهُ بِالْفَوْرِ يَدُل عَلَى أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبِ الْجَانِي.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا مَاتَتِ الأُْمُّ الْمَضْرُوبَةُ ثُمَّ خَرَجَا مَيِّتَيْنِ، أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مَيِّتًا قَبْل مَوْتِ الأُْمِّ، ثُمَّ خَرَجَ الآْخَرُ مَيِّتًا بَعْدَ مَوْتِهَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٠، ٢ / ٦٠٤، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨٧، والقوانين الفقهية ص٢٤١، وحاشية الباجوري ٢ / ١٧٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٤٧٤.
شَيْءٌ فِي الَّذِي خَرَجَ بَعْدَ مَوْتِ الأُْمِّ، وَهُوَ مَيِّتٌ؛ لأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى أَعْضَاءِ الأُْمِّ، وَسَقَطَ ضَمَانُ أَعْضَائِهَا بِمَوْتِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ غُرَّتَيْنِ فِي اللَّذَيْنِ خَرَجَا مَيِّتِينَ بَعْدَ مَوْتِ الأُْمِّ، وَكَذَلِكَ فِي الَّذِي خَرَجَ مِنْهُمَا بَعْدَ مَوْتِهَا؛ لأَِنَّهُ جَنِينٌ خَرَجَ بِجِنَايَةٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَاَلَّذِي خَرَجَ قَبْل مَوْتِ الأُْمِّ؛ وَلأَِنَّهُ آدَمِيٌّ مَوْرُوثٌ فَلاَ يَدْخُل فِي ضَمَانِ أُمِّهِ كَمَا لَوْ خَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
وَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَسْقَطَ أَجِنَّةً خَطَأً.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْجَانِي عَنْ كُل جَنِينٍ مِنَ التَّوَائِمِ؛ لأَِنَّهُ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢)
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنْ لاَ كَفَّارَةَ فِي الأَْجِنَّةِ إِنْ خَرَجُوا أَمْوَاتًا، وَلَكِنْ يُنْدَبُ لِلْجَانِي أَنْ يُكَفِّرَ (٣) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٧، والقوانين الفقهية ٣٥٢، والدسوقي ٤ / ٢٦٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ٨٠٢، ٨٠٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٣، ١٠٤.
(٢) سورة النساء / ٩٢.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٨، والمغني لابن قدامة ٧ / ٨١٥.
تَوًى
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّوَى وِزَانُ الْحَصَى، مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْهَلاَكُ، يُقَال تَوَى يَتْوَى كَرَضِي يَرْضَى أَيْ هَلَكَ، وَأَتْوَاهُ اللَّهُ فَهُوَ تَوٌّ. قَال فِي اللِّسَانِ: التَّوَى بِالْقَصْرِ. وَقَدْ يُمَدُّ فَيُقَال: تَوَاءُ.
وَجَاءَ فِي اللِّسَانِ أَنَّ التَّوَى الْهَلاَكُ، وَذَهَابُ مَالٍ لاَ يُرْجَى مِنْ تَوَى الْمَال يَتْوَى تَوًى (١) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْمَعْنَى نَفْسِهِ، أَيِ الْهَلاَكِ، وَذَهَابِ الْمَال (٢) . وَقَدْ عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَحْثِ الْحَوَالَةِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ بِجُحُودِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ مَوْتِهِ مُفْلِسًا كَمَا سَيَأْتِي (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
بَحَثَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ التَّوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا:
_________
(١) المصباح المنير ولسان العرب، في المادة، تاج العروس ١٠ / ٥٤ ط القاهرة.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٩٢، والمقنع ٢ / ٢٧٦، والمغني ٦ / ٣٨٧، والمغرب للمطرزي.
(٣» ابن عابدين ٤ / ٢٩٢، ٢٩٣، والعناية بهامش فتح القدير ٦ / ٣٥٢.
الْحَوَالَةُ، الْوَدِيعَةُ، وَالرَّهْنُ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
أَوَّلًا - التَّوَى فِي الْحَوَالَةِ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا تَوَى حَقُّ الْمُحَال بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ إِفْلاَسِهِ فَهَل لِلْمُحَال حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل أَمْ لاَ؟
فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَال الشَّخْصُ آخَرَ عَلَى ثَالِثٍ بِشُرُوطِ الإِْحَالَةِ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيل، وَلاَ حَقَّ لِلْمُحَال فِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل بِأَيِّ وَجْهٍ، حَتَّى إِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْمُحَال بِهِ مِنْهُ بِفَلَسٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَجَحْدٍ، أَوْ مَطْلٍ، أَوْ مَوْتٍ؛ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ تَنْقُل الدَّيْنَ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بِعَدَمِ رُجُوعِ الْمُحَال وَإِنْ شَرَطَ يَسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ عِنْدَ التَّعَذُّرِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ أَصْلًا (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِعَدَمِ رُجُوعِ الْمُحَال وَلَوْ كَانَتِ الْحَوَالَةُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ بِرِضَاهُ، إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ يَسَارَ الْمُحَال عَلَيْهِ (٣) .
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مَا إِذَا كَانَ يَعْلَمُ الْمُحِيل فَقَطْ (دُونَ الْمُحَال) بِإِفْلاَسِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَفِي هَذِهِ
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٠٨، والقليوبي ٢ / ٣١٨، ٣١٩، وكشاف القناع ٣ / ٣٨٣.
(٢) الجمل على شرح المنهج ٣ / ٣٧٥.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٣٨٣، ٣٨٤.
الصُّورَةِ يَرْجِعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل؛ لأَِنَّهُ غَرَّهُ (١) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ لِلْمُحَال حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل فِي حَالَةِ التَّوَى، حَيْثُ قَالُوا: لاَ يَرْجِعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل إِلاَّ بِالتَّوَى، بِأَنْ يَجْحَدَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَيَحْلِفَ وَلاَ بَيِّنَةَ لِلْمُحِيل وَلاَ لِلْمُحَال، أَوْ أَنْ يَمُوتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ بِأَنْ يُفَلِّسَهُ الْحَاكِمُ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْلِيسَ الْقَاضِي يَصِحُّ عِنْدَهُمَا وَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حَوَالَةٌ) .
ثَانِيًا - التَّوَى فِي الْوَدِيعَةِ:
٣ - الأَْصْل فِي الْوَدِيعَةِ أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا الْوَدِيعُ عَنْ مَكَانٍ عَيَّنَهُ رَبُّ الْوَدِيعَةِ لِحِفْظِهَا، فَإِذَا حَفِظَهَا الْوَدِيعُ فِي مَكَان عَيَّنَهُ الْمُودِعُ، وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّهُ مُمْتَثِلٌ لأَِمْرِهِ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي مَالِهِ.
وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا سَيْلًا وَتَوًى - أَيْ هَلاَكًا - فَأَخْرَجَهَا مِنْهُ إِلَى حِرْزِهَا فَتَلِفَتْ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا، لأَِنَّ نَقْلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِحِفْظِهَا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا.
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٣٢٨.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٩٣.
وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فَنَقَلَهَا عَنِ الْحِرْزِ إِلَى مَا دُونَهُ ضَمِنَهَا، لأَِنَّهُ خَالَفَهُ فِي الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَدِيعَةٌ) .
ثَالِثًا - التَّوَى فِي الرَّهْنِ:
٤ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَضْعُ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَيَتِمُّ بِقَبْضِهِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا هَلَكَ فَهَل يَهْلِكُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ أَوِ الرَّاهِنِ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ: (رَهْنٌ) .
لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ الْعَدْل الْمُسَلَّطُ عَلَى بَيْعِهِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ رَهْنًا؛ لأَِنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَصَارَ ثَمَنُهُ هُوَ الرَّهْنُ؛ لأَِنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَقْبُوضًا أَمْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ حَتَّى لَوْ تَوَى عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَيَهْلِكُ بِالأَْقَل مِنْ قَدْرِ الثَّمَنِ وَمِنَ الدَّيْنِ؛ لِبَقَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ فِي الثَّمَنِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمَبِيعِ الْمَرْهُونِ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (رَهْنٌ) .
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٤٩٥ وما بعدها، والمهذب ١ / ٣٦٧، والمغني لابن قدامة ٦ / ٣٨٧، والمقنع ٢ / ١٧٦.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٣٢٥، والبناية على الهداية ٩ / ١٠٨ والبدائع ٦ / ١٤٩.
تَوَاتُرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّوَاتُرُ فِي اللُّغَةِ: التَّتَابُعُ، وَقِيل: هُوَ تَتَابُعُ الأَْشْيَاءِ، وَبَيْنَهَا فَجَوَاتٌ وَفَتَرَاتٌ. وَالْمُتَوَاتِرُ: الشَّيْءُ يَكُونُ هُنَيْهَةً ثُمَّ يَجِيءُ الآْخَرُ، فَإِذَا تَتَابَعَتْ فَلَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً إِنَّمَا هِيَ مُتَدَارِكَةٌ وَمُتَتَابِعَةٌ. وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ لُغَةً: أَنْ يُحَدِّثَهُ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ (١) .
وَلِلْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ عِدَّةُ تَعَارِيفَ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي الأَْلْفَاظِ إِلاَّ أَنَّهَا مُتَّفِقَةً فِي الْمَعْنَى.
فَعَرَّفَهُ صَاحِبُ الْمَحْصُول بِأَنَّهُ: خَبَرُ أَقْوَامٍ بَلَغُوا فِي الْكَثْرَةِ إِلَى حَيْثُ حَصَل الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ. وَقَال صَاحِبُ كَشْفِ الأَْسْرَارِ: هُوَ خَبَرُ جَمَاعَةٍ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ. وَعَرَّفَهُ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ بِأَنَّهُ: خَبَرُ جَمَاعَةٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ، لاَ بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ.
وَقَال صَاحِبُ دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ: التَّوَاتُرُ هُوَ إِخْبَارُ قَوْمٍ دَفْعَةً أَوْ مُتَفَرِّقًا بِأَمْرٍ لاَ يُتَصَوَّرُ عَادَةً
_________
(١) لسان العرب مادة: " وتر ".
تَوَاطُؤُهُمْ وَتَوَافُقُهُمْ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ.
وَالْفُقَهَاءُ لاَ يَقْصُرُونَ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ بَل قَدْ يَعُدُّونَهُ إِلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَمَا سَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الآْحَادُ:
٢ - الآْحَادُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ أَحَدٍ. وَالأَْحَدُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: وَهُوَ الْفَرْدُ الَّذِي لَمْ يَزَل وَحْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ آخَرُ. وَالأَْحَدُ: بِمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَوَّل الْعَدَدِ. وَخَبَرُ الآْحَادِ فِي الاِصْطِلاَحِ: خَبَرٌ لاَ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ ". وَقِيل " مَا يُفِيدُ الظَّنَّ (٢) ". فَالنِّسْبَةُ بَيْنَ التَّوَاتُرِ وَالآْحَادِ التَّضَادُّ وَخَبَرُ الآْحَادِ يَشْمَل الْمَشْهُورَ، وَالْعَزِيزَ وَالْغَرِيبَ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي عِلْمِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - اتَّفَقَ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ
_________
(١) المحصول الجزء الثاني - القسم الأول / ٣٢٣، وكشف الأسرار ٢ / ٣٦٠، وتيسير التحرير ٣ / ٣٠، والأحكام للآمدي ٢ / ١٤، والكليات ٢ / ٩٧ فصل التاء، والتعريفات ٧٠، ودستور العلماء ١ / ٣٦٤ باب التاء مع الواو.
(٢) لسان العرب مادة: " أحد "، وتيسير التحرير ٣ / ٣٧.