الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّنْفِيل، إلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَإِنَّهُ قَال: لاَ نَفْل بَعْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لاَ تَنْفِيل إلاَّ إذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ بِأَنْ كَثُرَ الْعَدُوُّ وَقَل الْمُسْلِمُونَ وَاقْتَضَى الْحَال بَعْثَ السَّرَايَا وَحِفْظَ الْمَكَامِنِ؛ لِذَلِكَ نَفَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ دُونَ بَعْضٍ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ هُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْجِهَادِ (٢) .
٤ - وَلِلتَّنْفِيل صُوَرٌ ثَلاَثٌ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَبْعَثَ الإِْمَامُ أَمَامَ الْجَيْشِ سَرِيَّةً تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَيَجْعَل لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا يَغْنَمُونَ، كَالرُّبُعِ أَوِ الثُّلُثِ.
ثَانِيَتُهَا: أَنْ يُنَفِّل الإِْمَامُ أَوِ الأَْمِيرُ بَعْضَ أَفْرَادِ الْجَيْشِ لِمَا أَبْدَاهُ فِي الْقِتَال مِنْ شَجَاعَةٍ وَإِقْدَامٍ، أَوْ أَيِّ عَمَلٍ مُفِيدٍ فَاقَ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ شَرْطٍ.
ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَقُول الإِْمَامُ: مَنْ قَامَ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ كَذَا كَهَدْمِ سُوَرٍ أَوْ نَقْبِ جِدَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكُل هَذِهِ الصُّوَرِ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٠٢، وروضة الطالبين ٦ / ٣٦٨، والزرقاني ٣ / ١٢٨، جواهر الإكليل ١ / ٢٦١.
(٢) فتح القدير ٥ / ٢٤٩، وابن عابدين ٣ / ٢٣٨.
الْفُقَهَاءِ (١) .
وَكَرِهَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ الصُّورَةَ الأَْخِيرَةَ:
قَالُوا: لأَِنَّ ذَلِكَ يَصْرِفُ نِيَّةَ الْمُجَاهِدِينَ لِقِتَال الدُّنْيَا، وَيُؤَدِّي إلَى التَّحَامُل عَلَى الْقِتَال، وَرُكُوبِ الْمَخَاطِرِ، وَقَال عُمَرُ الْفَارُوقُ ﵁: لاَ تُقَدِّمُوا جَمَاجِمَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحُصُونِ، لَمُسْلِمٌ أَسْتَبْقِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِصْنٍ أَفْتَحُهُ وَقَالُوا: يَنْفُذُ الشَّرْطُ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا، إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ الإِْمَامُ قَبْل حَوْزِ الْمَغْنَمِ (٢) .
مَحَل التَّنْفِيل:
٥ - يَجُوزُ التَّنْفِيل مِنْ بَيْتِ الْمَال الَّذِي عِنْدَ الإِْمَامِ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ: أَنْ يَكُونَ النَّفَل مَعْلُومًا نَوْعًا، وَقَدْرًا، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّل مِمَّا سَيَغْنَمُ مِنَ الأَْعْدَاءِ وَتُغْتَفَرُ الْجَهَالَةُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ (٣) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ النَّفَل إِذَا كَانَ مِنَ الْغَنِيمَةِ.
فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَكُونُ النَّفَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْل
_________
(١) المغني ٨ / ٣٧٩ ٣٨١، وروضة الطالبين ٦ / ٣٦٩، والقليوبي ٣ / ١٩٣، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٨، وفتح القدير ٥ / ٢٤٩.
(٢) حاشية الزرقاني ٣ / ١٢٨.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٨، وروضة الطالبين ٦ / ٣٦٩، والمغني ٨ / ٣٨٣.
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (١) . وَاسْتَدَل بِحَدِيثِ: لاَ نَفْل إلاَّ بَعْدَ الْخُمُسِ (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ إذَا نَفَل الإِْمَامُ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَال، أَمَّا إذَا نَفَل بَعْدَ الإِْحْرَازِ فَلاَ يُنَفِّل إلاَّ مِنَ الْخُمُسِ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْخُمُسِ (٤) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَهُوَ حَظُّ الإِْمَامِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَهُمْ: يَكُونُ مِنْ أَصْل الْغَنِيمَةِ (٥) .
وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَقُول: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، قَالُوا: وَمَا نُقِل أَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ فَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ (٦) .
قَدْرُ النَّفَل:
٦ - لَيْسَ لِلنَّفَل حَدٌّ أَدْنَى فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُنَفِّل الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ أَوْ أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَلاَّ يُنَفِّل أَصْلًا. هَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَلَفُوا:
_________
(١) المغني ٨ / ٣٨٤.
(٢) حديث: " لا تقل إلا بعد الخمس " أخرجه أبو داود (٣ / ١٨٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث معن بن يزيد، وإسناده حسن.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٤١، وفتح القدير ٥ / ٢٥٠.
(٤) الزرقاني ٣ / ١٢٨ وما بعدها، وبداية المجتهد ١ / ٤١٣.
(٥) القليوبي ٣ / ١٩٣.
(٦) القليوبي ٣ / ١٩٣، ورضة الطالبين ٦ / ٣٧٠، والمغني ٨ / ٣٨٠.
هَل لِلتَّنْفِيل حَدٌّ أَعْلَى؟ .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلتَّنْفِيل حَدٌّ أَعْلَى، فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُنَفِّل السَّرِيَّةَ كُل مَا تَغْنَمُهُ، أَوْ بِقَدْرٍ مِنْهُ، كَأَنْ يَقُول: مَا أَصَبْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ أَوْ لَكُمْ ثُلُثُهُ أَوْ رُبُعُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ، أَوْ قَبْلَهُ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقُول ذَلِكَ لِلْعَسْكَرِ كُلِّهِ، وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُول ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ أَيْضًا (١) .
وَلَيْسَ لِلتَّنْفِيل حَدٌّ أَعْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بَل هُوَ مَوْكُولٌ بِاجْتِهَادِ الإِْمَامِ وَتَقْدِيرِهِ حَسَبَ قِيمَةِ الْعَمَل وَخَطَرِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّل الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إذَا نَفَّل (٢) .
وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ مَوْكُولٌ لاِجْتِهَادِ الإِْمَامِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ تَنْفِيل أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ نَفْل النَّبِيِّ ﷺ: لَمْ يَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ (٤) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٤٠، والقليوبي ٣ / ١٩٣.
(٢) حديث حبيب بن مسلمة أن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس إذا نفل، أخرجه أبو داود (٣ / ١٨٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.
(٣) نهاية المحتاج ٦ / ١٤٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٠٢، والقليوبي ٣ / ١٩٣.
(٤) المغني ٨ / ٣٨٠.
وَقْتُ التَّنْفِيل:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ التَّنْفِيل يَكُونُ قَبْل إِصَابَةِ الْمَغْنَمِ، أَمَّا بَعْدَ إِصَابَةِ الْمَغْنَمِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَخُصَّ الْبَعْضَ بِبَعْضِ مَا أَصَابُوهُ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ قَدْ تَأَكَّدَ بِالإِْصَابَةِ وَالإِْحْرَازِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلإِْمَامِ أَنْ يُنَفِّل بَعْدَ الإِْحْرَازِ مِنَ الْخُمُسِ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَقَّ لِلْغَانِمِينَ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُنَفَّلُونَ مِنْ أَصْنَافِ الْخُمُسِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ نَفَل إلاَّ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ (١)
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ١٠٢، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٦، وابن عابدين ٣ / ٢٣٨، وفتح القدير ٥ / ٢٥٠، وبداية المجتهد ١ / ٤١٤.
تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْقِيحُ: التَّهْذِيبُ وَالتَّمْيِيزُ.
وَالْمَنَاطُ: الْعِلَّةُ (١) .
وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: هُوَ النَّظَرُ وَالاِجْتِهَادُ فِي تَعْيِينِ مَا دَل النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، بِحَذْفِ مَا لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الاِعْتِبَارِ مِمَّا اُقْتُرِنَ بِهِ مِنَ الأَْوْصَافِ، كُل وَاحِدٍ بِطَرِيقِهِ - وَذَلِكَ مِثْل قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلأَْعْرَابِيِّ الَّذِي قَال: هَلَكْتُ يَا رَسُول اللَّهِ - مَا صَنَعْتَ؟، قَال: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: أَعْتِقْ رَقَبَةً (٢)، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى كَوْنِ الْوِقَاعِ عِلَّةً لِلْعِتْقِ، وَالتَّعْلِيل بِالْوِقَاعِ وَإِنْ كَانَ مُومًى إلَيْهِ بِالنَّصِّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُفْتَقَرُ فِي مَعْرِفَتِهِ عَيْنًا إلَى حَذْفِ كُل مَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الأَْوْصَافِ عَنْ
_________
(١) مختار الصحاح، والمصباح المنير، ولسان العرب، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢٢١.
(٢) حديث: " أعتق رقبة " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٥١٤ ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
دَرَجَةِ الاِعْتِبَارِ بِالرَّأْيِ وَالاِجْتِهَادِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ كَوْنَهُ أَعْرَابِيًّا، وَكَوْنَهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا، وَأَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَذَلِكَ الشَّهْرَ بِخُصُوصِهِ، وَذَلِكَ الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ، وَكَوْنَ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً وَامْرَأَةً مُعَيَّنَةً لاَ مَدْخَل لَهُ فِي التَّأْثِيرِ بِمَا يُسَاعِدُ مِنَ الأَْدِلَّةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَتَعَدَّى إِلَى كُل مَنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا، وَهُوَ مُكَلَّفٌ صَائِمٌ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - إلْغَاءُ الْفَارِقِ:
٢ - إِلْغَاءُ الْفَارِقِ هُوَ بَيَانُ عَدَمِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ فِي الْقِيَاسِ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِمَا اشْتَرَكَا فِيهِ. وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الأَْمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ الثَّابِتَةِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْل فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (٢) فَالْفَارِقُ بَيْنَ الأَْمَةِ وَالْعَبْدِ هُوَ الأُْنُوثَةُ وَلاَ تَأْثِيرَ لَهَا فِي مَنْعِ السِّرَايَةِ، فَتَثْبُتُ السِّرَايَةُ فِيهَا لِمَا شَارَكَتْ فِيهِ الْعَبْدَ أَيْ لِلْوَصْفِ الَّذِي شَارَكَتْ فِيهِ الْعَبْدَ وَهُوَ الرِّقِّيَّةُ (٣) .
_________
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣ / ٦٣، وروضة الناظر ١٤٦، ١٤٧، والمستصفى ٢ / ٢٣١.
(٢) حديث: " من أعتق شركا له في عبد. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٥٠ - ١٥١ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٨٦ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.
(٣) جمع الجوامع ٢ / ٢٩٣.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَنَّ إِلْغَاءَ الْفَارِقِ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ لِلْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُل الإِْلْحَاقُ بِمُجَرَّدِ الإِْلْغَاءِ، أَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ فَفِيهِ اجْتِهَادٌ فِي تَعْيِينِ الْبَاقِي مِنَ الأَْوْصَافِ لِلْعِلِّيَّةِ، قَال الْبُنَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: لاَ يَلْزَمُ مِنَ الْقَطْعِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ الْقَطْعُ بِعِلِّيَّةِ الْبَاقِي بَعْدَ الْفَارِقِ الْمُلْغَى؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَمْرًا آخَرَ وَرَاءَهُمَا ثُمَّ قَال: وَالْحَاصِل أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ: كَوْنَ الْفَارِقِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِلِّيَّةِ، وَكَوْنَ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ الْفَارِقِ هُوَ الْعِلَّةُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الأَْوَّل ثُبُوتُ الثَّانِي (١) .
غَيْرَ أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّوْكَانِيِّ لِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ يَكَادُ يَكُونُ هُوَ تَعْرِيفُ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، مَعَ ذِكْرِ نَفْسِ الْمِثَال، وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ.
قَال الشَّوْكَانِيُّ فِي تَعْرِيفِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ: مَعْنَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالأَْصْل بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، بِأَنْ يُقَال: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ إلاَّ كَذَا، وَذَلِكَ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجِبِ لَهُ، كَقِيَاسِ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ، فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلاَّ الذُّكُورَةَ وَهُوَ مُلْغًى بِالإِْجْمَاعِ إِذْ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ (٢) .
_________
(١) حاشية البناني على جمع الجوامع ٢ / ٢٩٣.
(٢) إرشاد الفحول للشوكاني ص٢٢١، ٢٢٢.
ب - السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ:
٣ - السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ حَصْرُ الأَْوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأَْصْل الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَإِبْطَال مَا لاَ يَصْلُحُ مِنْهَا لِلْعِلِّيَّةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لَهَا، كَأَنْ يَحْصُرَ أَوْصَافَ الْبُرِّ فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَيْهِ فِي الطَّعْمِ وَغَيْرِهِ، وَيُبْطِل مَا عَدَا الطَّعْمَ بِطَرِيقِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الطَّعْمُ لِلْعِلِّيَّةِ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَبَيْنَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، أَنَّ الْوَصْفَ فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِهِ فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ أَنَّ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ زَعَمَ أَنَّ مَسْلَكَ " تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ " هُوَ مَسْلَكُ " السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ " فَلاَ يَحْسُنُ عَدُّهُ نَوْعًا آخَرَ.
وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ظَاهِرًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِي دَلاَلَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ إِمَّا اسْتِقْلاَلًا أَوِ اعْتِبَارًا، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ، لاَ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ دُونَ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ بَل قَال أَبُو حَنِيفَةَ:
_________
(١) جمع الجوامع ٢ / ٢٧٠.
(٢) هامش جمع الجوامع ٢ / ٢٩٢.
(٣) إرشاد الفحول ص٢٢٢.
لاَ قِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَأَثْبَتَ هَذَا النَّمَطَ مِنَ التَّصَرُّفِ وَسَمَّاهُ اسْتِدْلاَلًا.
يَقُول الْغَزَالِيُّ: فَمَنْ جَحَدَ هَذَا الْجِنْسَ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ لَمْ يَخْفَ فَسَادُ كَلاَمِهِ.
وَقَدْ نَازَعَ الْعَبْدَرِيُّ الْغَزَالِيَّ بِأَنَّ الْخِلاَفَ فِيهِ ثَابِتٌ بَيْنَ مَنْ يُثْبِتُ الْقِيَاسَ وَيُنْكِرُهُ لِرُجُوعِهِ إلَى الْقِيَاسِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) المستصفى ٢ / ٢٣٣، والأحكام للآمدي ٣ / ٦٣، وإرشاد الفحول ص٢٢٢.