الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة ﵂ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْهَا (١) .
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَعْدَ التَّنْعِيمِ الْحُدَيْبِيَةَ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَمَّ بِالاِعْتِمَارِ مِنْهَا فَصَدَّهُ الْكُفَّارُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَأَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّ أَفْضَل جِهَاتِ الْحِل التَّنْعِيمُ فَالإِْحْرَامُ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ أَفْضَل مِنَ الإِْحْرَامِ لَهَا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَذَلِكَ لأَِمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يَذْهَبَ بِأُخْتِهِ عَائِشَةَ إلَى التَّنْعِيمِ لِتُحْرِمَ مِنْهُ (٣) . وَالدَّلِيل الْقَوْلِيُّ مُقَدَّمٌ - عِنْدَهُمْ - عَلَى الدَّلِيل الْفِعْلِيِّ (٤) .
قَال الطَّحَاوِيُّ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لاَ مِيقَاتَ لِلْعُمْرَةِ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ إلاَّ التَّنْعِيمُ
_________
(١) حديث: " أمر أم المؤمنين عائشة أن تعتمر من التنعيم ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٨٦ ط السلفية) .
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٤٥٧، ومواهب الجليل ٣ / ٣٨ نشر مكنية النجاح ليبيا، وحاشية الصاوي بهامش الشرح الصغير ٢ / ١٩ ط المعارف بمصر، وروضة الطالبين ٣ / ٤٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٥٥، والإنصاف ٤ / ٥٤، ٥٥ ط دار إحياء التراث العربي، والفروع لابن مفلح ٣ / ٢٧٩ ط عالم الكتب. وحديث: " هم النبي ﷺ بالاعتمار من الحديبية فصده الكفار " أخرجه البخاري (٧ / ٤٥٣ ط السلفية) .
(٣) حديث: " أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يذهب بأخته عائشة إلى. . . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٨١ - ط الحلبي) .
(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٥٥ ط بولاق، والبناية ٣ / ٤٥٩، والإنصاف ٤ / ٥٤، والتنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعي ص٥٧ مصطفى الحلبي ١٣٧٠ هـ.
وَلاَ يَنْبَغِي مُجَاوَزَتُهُ كَمَا لاَ يَنْبَغِي مُجَاوَزَةُ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي لِلْحَجِّ (١) . قَال ابْنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَِهْل مَكَّةَ التَّنْعِيمَ (٢) .
ثُمَّ قَال الطَّحَاوِيُّ: وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: مِيقَاتُ الْعُمْرَةِ الْحِل وَإِنَّمَا أَمَرَ عَائِشَة بِالإِْحْرَامِ مِنَ التَّنْعِيمِ لأَِنَّهُ كَانَ أَقْرَب الْحِل إلَى مَكَّةَ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِهَا أَنَّهَا قَالَتْ: فَكَانَ أَدْنَانَا مِنَ الْحَرَمِ التَّنْعِيمُ فَاعْتَمَرْتُ مِنْهُ. قَال فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّنْعِيمَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ. أَيْ فِي الإِْجْزَاءِ (٣) .
تَنَفُّلٌ
اُنْظُرْ: نَافِلَةٌ.
_________
(١) نيل الأوطار ٥ / ٢٦ ط دار الجيل، وعمدة القاري ١٠ / ١٢٠ ط المنيرية، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٥٩.
(٢) حديث ابن سيرين: " وقت رسول الله ﷺ. . . . " أخرجه أبو داود في المراسيل كما في تحفة الإشراف للمزي (١٣ / ٣٥٧ - ط الدار القيمة) ونقل أبو داود عن سفيان أنه قال: " هذا حديث لا يعرف ".
(٣) نيل الأوطار ٥ / ٢٦، وشرح معاني الآثار للطحاوي ٢ / ٢٤٠.
تَنْفِيذٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْفِيذُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الشَّيْءِ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ.
يُقَال: نَفَذَ السَّهْمُ فِي الرَّمِيَّةِ تَنْفِيذًا: أَخْرَجَ طَرَفَهُ مِنَ الشِّقِّ الآْخَرِ. وَنَفَذَ الْكِتَابُ أَرْسَلَهُ: وَنَفَذَ الْحَاكِمُ الأَْمْرَ أَجْرَاهُ وَقَضَاهُ (١) .
وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالنَّفَاذُ تَرَتُّبُ الآْثَارِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْحُكْمِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ " تَنْفِيذٍ " عَلَى إحَاطَةِ الْحَاكِمِ عِلْمًا بِحُكْمٍ أَصْدَرَهُ حَاكِمٌ آخَرُ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ، وَيُسَمَّى اتِّصَالًا. وَيُتَجَوَّزُ بِذِكْرِ (الثُّبُوتِ) (وَالتَّنْفِيذِ) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا هَذَا غَالِبًا (٢) .
٢ - وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفَاذِ الْحُكْمِ أَوِ الْعَقْدِ وَتَنْفِيذِهِمَا هُوَ: أَنَّ النَّفَاذَ صِحَّةُ الْعَقْدِ أَوِ الْحُكْمِ وَتَرَتُّبُ آثَارِهِ الْخَاصَّةِ مِنْهُ، كَوُجُوبِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَانْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي،
_________
(١) تاج العروس ولسان العرب مادة: " نفذ ".
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٩٧، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٨٨.
وَالثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ. أَمَّا التَّنْفِيذُ فَهُوَ الْعَمَل بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ أَوِ الْحُكْمِ وَإِمْضَاؤُهُ بِتَنْفِيذِ عُقُوبَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ مِنَ الْعَاقِدِ طَوْعًا أَوْ بِإِلْزَامٍ مِنَ الْحَاكِمِ. قَال الْفُقَهَاءُ: إنَّ التَّنْفِيذَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، إنَّمَا هُوَ عَمَلٌ بِحُكْمٍ سَابِقٍ وَإِجَازَةٌ لِلْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْحُكْمَ بِالْمَحْكُومِ بِهِ تَحْصِيل الْحَاصِل وَهُوَ مَمْنُوعٌ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقَضَاءُ:
٣ - الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ (٢)، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّك أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ (٣)﴾ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالتَّنْفِيذِ أَنَّ التَّنْفِيذَ يَأْتِي بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَالْقَضَاءُ سَبَبٌ لَهُ
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ، أَوِ الْوَرَثَةِ تَنْفِيذُ وَصَايَا الْمَيِّتِ بِشُرُوطِهَا، وَعَلَى الْحَاكِمِ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ تَنْفِيذُ الْعُقُوبَاتِ عَلَى مَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ،
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٢٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٨٧، والمغني ٩ / ٧٦.
(٢) تاج العروس.
(٣) سورة الإسراء / ٢٣.
وَعَلَى مَنِ الْتَزَمَ حُقُوقًا مَالِيَّةً بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ أَلْزَمَهُ الشَّارِعُ حَقًّا تَنْفِيذُ مَا لَزِمَهُ مِنْ حُقُوقٍ، وَعَلَى الْحَاكِمِ التَّنْفِيذُ جَبْرًا عَلَى مَنِ امْتَنَعَ عَنِ التَّنْفِيذِ طَوْعًا إذَا طَلَبَ صَاحِبُ الْحَقِّ حَقَّهُ.
مَنْ يَمْلِكُ التَّنْفِيذَ:
٥ - يَخْتَلِفُ مَنْ لَهُ سُلْطَةُ التَّنْفِيذِ بِاخْتِلاَفِ الْحَقِّ الْمُرَادِ تَنْفِيذُهُ:
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الْمُنَفَّذُ عُقُوبَةً كَالْحَدِّ، وَالتَّعَازِيرِ وَالْقِصَاصِ، فَلاَ يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ إلاَّ بِإِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. لأَِنَّ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى الاِجْتِهَادِ، وَالْحَيْطَةِ، وَلاَ يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ وَالْخَطَأُ، فَوَجَبَ تَفْوِيضُهُ إلَى نَائِبِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ؛ وَلأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَكَذَا خُلَفَاؤُهُ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِيفَاءٌ) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُل مُسْلِمٍ، تَنْفِيذُ الْعُقُوبَةِ حَال مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ لأَِنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْكُل مَأْمُورٌ بِهِ (٢) .
أَمَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ الْمُنَفَّذُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَالِيَّةِ، فَالتَّنْفِيذُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، فَإِذَا امْتَنَعَ بِلاَ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ نَفَّذَهُ الْحَاكِمُ بِقُوَّةِ الْقَضَاءِ بِنَاءً
_________
(١) مطالب أولي النهى ٦ / ١٥٩، وروضة الطالبين ٩ / ١٢٢١، ١٠ / ١٠٢، والخرشي ٨ / ٢٤، وابن عابدين ٣ / ١٨١.
(٢) ابن عابدين ٣ / ١٨١.
عَلَى طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (اسْتِيفَاءٌ - وَحِسْبَةٌ) .
الأَْمْرُ بِتَنْفِيذِ حُكْمِ الْقَاضِي:
٦ - إذَا طُلِبَ مِنَ الْقَاضِي تَنْفِيذُ حُكْمٍ أَصْدَرَهُ هُوَ نَفَّذَهُ وُجُوبًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَ ذَاكِرًا أَنَّهُ حُكْمُهُ. أَمَّا إذَا نَسِيَ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ أَنَّهُ حُكْمُهُ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ تَنْفِيذِهِ لِمَا حَكَمَ بِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ تَنْفِيذُهُ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُهُ، أَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا أَنَّهُ حُكْمُهُ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعِلْمِ وَالإِْحَاطَةِ بِالتَّذَكُّرِ فَلاَ يَرْجِعُ إلَى الظَّنِّ؛ وَلإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ فِي الْخَطِّ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُهُ لَزِمَهُ قَبُولُهَا، وَإِمْضَاءُ الْحُكْمِ، وَقَالُوا: لأَِنَّهُ لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قُبِل، فَكَذَلِكَ هُنَا (٢) .
الأَْمْرُ بِتَنْفِيذِ حُكْمِ قَاضٍ آخَرَ.
٧ - إذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ نَفَّذَهُ، وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، أَوْ رَأَى أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ
_________
(١) المحلي شرح المنهاج ٤ / ٣٠٤، ٣٠٥، وروضة الطالبين ١١ / ١٥٧.
(٢) المغني ٩ / ٧٦ - ٧٧، والخرشي ٧ / ١٦٩.
مِنْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَجِبُ نَقْضُهُ، كَأَنْ خَالَفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) .
تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ:
٨ - الْوَصِيَّةُ بِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ وَتَنْفِيذُهَا وَاجِبٌ عَلَى الْوَصِيِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. فَإِذَا أَوْصَى إلَى اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ أَثْبَتَ الاِسْتِقْلاَل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الاِنْفِرَادُ بِالتَّنْفِيذِ. أَمَّا إذَا شَرَطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى التَّنْفِيذِ فَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ، فَإِنِ انْفَرَدَ لَمْ يَصِحَّ التَّنْفِيذُ، وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِل عَلَى التَّعَاوُنِ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَقِل بِالتَّصَرُّفِ دُونَ صَاحِبِهِ (٢) .
أَمَّا الْوَصَايَا الَّتِي يَجُوزُ تَنْفِيذُهَا وَاَلَّتِي لاَ يَجُوزُ تَنْفِيذُهَا، وَشُرُوطُ الْمُوصِي وَالْوَصِيِّ فَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَى مُصْطَلَحِ " وَصِيَّةٌ ".
تَنْفِيذُ حُكْمِ قَاضِي الْبُغَاةِ:
٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّوْا قَاضِيًا مِنْهُمْ، فَرُفِعَ حُكْمُهُ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل نَفَّذَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يُنَفَّذُ مِنْ أَحْكَامِ قَاضِي أَهْل الْعَدْل بِشُرُوطٍ هِيَ:
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٢٤ - ٣٢٥. وروضة الطالبين ١١ / ١٥٢، والخرشي ٧ / ١٦٦، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٩٨.
(٢) روضة الطالبين ٦ / ٣١٨، والدسوقي ٤ / ٤٥٥، والمغني ٦ / ١٤٢، والاختيار ٥ / ٦٧.
أ - أَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ غَيْرُ ظَاهِرِ الْبُطْلاَنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ فَلاَ يُنَفِّذُ أَحْكَامُ قَاضِيهِمْ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ فَيَتَعَقَّبُ أَحْكَامَهُ، فَمَا وَجَدَ مِنْهَا صَوَابًا مَضَى، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ رُدَّ.
ب - أَلاَّ يَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُونَ دِمَاءَ أَهْل الْعَدْل وَأَمْوَالَهُمْ، فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ لاَ تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ.
ج - أَلاَّ يُخَالِفَ نَصًّا، أَوْ إجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا (١) .
هَذَا مُجْمَل آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي تَنْفِيذِ حُكْمِ قَاضِي الْبُغَاةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: بُغَاةٌ.
تَنْفِيذُ حُكْمِ الْمَرْأَةِ:
١٠ - لاَ يَصِحُّ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ: لِقَوْلِهِ ﷺ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (٢)
وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهَا (٣)، لأَِنَّ التَّنْفِيذَ فَرْعُ صِحَّةِ الْحُكْمِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٥٣، وابن عابدين ٤ / ٣٠٧، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٠٤، والمغني ٨ / ١١٩ - ١٢٠، وكشاف القناع ٦ / ١٦٦.
(٢) حديث: " لن يفلح قوم. . . . " أخرجه البخاري من حديث أبي بكرة (فتح الباري ٨ / ١٢٦ ط السلفية) .
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ١٢٩، وتحفة المحتاج ٨ / ٣١١، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٤٠، وكشاف القناع ٦ / ٢٩٤.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ، مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ، فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهَا، وَهِيَ مَا عَدَا الْقَوَدِ، وَالْحَدِّ، فَإِذَا حَكَمَتْ بَيْنَ خَصْمَيْنِ، فَقَضَتْ قَضَاءً مُوَافِقًا لِدِينِ اللَّهِ يَنْفُذُ (١) . وَإِذَا حَكَمَتْ فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ، فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ يَرَى جَوَازَهُ فَأَمْضَاهُ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إبْطَالُهُ (٢) .
وَأَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ، إذَا اُبْتُلِيَ النَّاسُ بِوِلاَيَةِ امْرَأَةٍ، نَفَذَ قَضَاؤُهَا لِلضَّرُورَةِ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي: قَضَاءٌ ".
تَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ:
١١ - لاَ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْقَضَاءَ لاِنْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْوِلاَيَةِ، وَنَصْبُهُ عَلَى مِثْلِهِ مُجَرَّدُ رِئَاسَةٍ لاَ تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ. وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ إلاَّ إذَا رَضُوا بِهِ (٤) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ تَقْلِيدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْقَضَاءَ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَال كُفْرِهِ، وَيَنْفُذُ عَلَى أَهْل مِلَّتِهِ (٥)
وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ الْقَضَاءِ.
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٥٦، وفتح القدير ٦ / ٣٩١ ط إحياء التراث.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي ٨ / ٢٤٠.
(٤) نهاية المحتاج ٨ / ٢٣٨ ط مصطفى بابي الحلبي، وكشاف القناع ٦ / ٢٩٤.
(٥) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٩٩.
تَنْفِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّنْفِيل فِي اللُّغَةِ مِنَ النَّفَل وَهُوَ الْغَنِيمَةُ:
يُقَال: نَفَّلَهُ أَعْطَاهُ النَّفَل، وَنَفَلَهُ بِالتَّخْفِيفِ نَفَلًا وَأَنْفَلَهُ إيَّاهُ، وَنَفَل الإِْمَامُ الْجُنْدَ إذَا جَعَل لَهُمْ مَا غَنِمُوا، وَنَفَل فُلاَنٌ عَلَى فُلاَنٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ
قَال أَهْل اللُّغَةِ: جِمَاعُ مَعْنَى النَّفَل وَالنَّافِلَةِ مَا كَانَ زِيَادَةً عَلَى الأَْصْل،
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ زِيَادَةُ مَالٍ عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ يَشْتَرِطُهُ الإِْمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ لِمَنْ يَقُومُ بِمَا فِيهِ نِكَايَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الرَّضْخُ:
٢ - الرَّضْخُ هُوَ الْعَطِيَّةُ الْقَلِيلَةُ، وَفِي الشَّرْعِ عَطِيَّةٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ دُونَ السَّهْمِ لِغَيْرِ مَنْ يُسْهَمُ لَهُمْ، كَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ إذَا قَامُوا بِعَمَلٍ فِيهِ إعَانَةٌ عَلَى الْقِتَال (٢) .
_________
(١) لسان العرب مادة: " نفل "، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣٨، وروضة الطالبين ٦ / ٣٦٨، والمغني ٨ / ٣٧٨.
(٢) لسان العرب مختار الصحاح مادتي: " رضخ، وسهم ".