الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

الأَْئِمَّةِ فَقَال: إِنَّ ثَوَابَ قِرَاءَةِ التَّرْتِيل أَجَل قَدْرًا، وَثَوَابُ الْكَثْرَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا، لأَِنَّ بِكُل حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ.

وَكَمَال التَّرْتِيل كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ: تَفْخِيمُ أَلْفَاظِهِ، وَالإِْبَانَةُ عَنْ حُرُوفِهِ، وَأَلاَّ يُدْغَمَ حَرْفٌ فِي حَرْفٍ مِمَّا لَيْسَ حَقُّهُ الإِْدْغَامَ، وَقِيل هَذَا أَقَلُّهُ، وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى مَنَازِلِهِ إِنْ تَهْدِيدًا لَفَظَ بِهِ لَفْظَ التَّهْدِيدِ، أَوْ تَعْظِيمًا لَفَظَ بِهِ عَلَى التَّعْظِيمِ (١) .

التَّدَبُّرُ:

١٠ - تُسَنُّ الْقِرَاءَةُ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ الأَْعْظَمُ، وَالْمَطْلُوبُ الأَْهَمُّ، وَبِهِ تَنْشَرِحُ الصُّدُورُ، وَتَسْتَنِيرُ الْقُلُوبُ. قَال تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ (٢)﴾ وَقَال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٣)﴾ وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَشْغَل قَلْبَهُ بِالتَّفَكُّرِ فِي مَعْنَى مَا يَلْفِظُ بِهِ فَيَعْرِفُ مَعْنَى كُل آيَةٍ، وَيَتَأَمَّل الأَْوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ، وَيَعْتَقِدُ قَبُول ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا قَصَّرَ عَنْهُ فِيمَا مَضَى اعْتَذَرَ وَاسْتَغْفَرَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ اسْتَبْشَرَ وَسَأَل، أَوْ عَذَابٍ أَشْفَقَ وَتَعَوَّذَ، أَوْ تَنْزِيهٍ نَزَّهَ وَعَظَّمَ، أَوْ دُعَاءٍ تَضَرَّعَ وَطَلَبَ (٤) .

_________

(١) النشر في القراءات العشر ١ / ٢٠٧ وما بعدها، والإتقان ١ / ١٠٦، والتبيان ص ٤٨.

(٢) سورة ص / ٢٩.

(٣) سورة محمد / ٢٤.

(٤) الإتقان ص١٠٦، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٥٥، والتبيان في آداب حملة القرآن ص ٤٥.

تَكْرِيرُ الآْيَةِ:

١١ - لاَ بَأْسَ بِتَكْرِيرِ الآْيَةِ وَتَرْدِيدِهَا، رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصْبَحَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ (١)﴾ .

الْبُكَاءُ عِنْدَ التِّلاَوَةِ:

١٢ - يُسْتَحَبُّ الْبُكَاءُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّبَاكِي لِمَنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَالْحُزْنُ وَالْخُشُوعُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَْذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (٢)﴾

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (٣) . وَعَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَل بِحُزْنٍ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا (٤)

_________

(١) سورة المائدة / ١١٨. وحديث: " قام بآية يرددها حتى أصبح. . . " أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ٤٧٧ نشر الدار السلفية)، والحاكم (١ / ٢٤١ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وانظر الإتقان ١ / ١٠٧ والتبيان في آداب حملة القرآن ص٤٦.

(٢) سورة الإسراء / ١٠٩.

(٣) حديث: " قراءة ابن مسعود. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٩٤ ط السلفية) .

(٤) حديث: " إن هذا القرآن نزل بحزن " أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٢٤ ط الحلبي) من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال البوصيري في الزوائد: " في إسناده أبو رافع، اسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك "، والإتقان ١ / ١٠٧ والتبيان في آداب حملة القرآن ص٤٧.

تَحْسِينُ الصَّوْتِ:

١٣ - يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَزْيِينُهَا لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ، وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: الْقِرَاءَةُ بِالأَْلْحَانِ لاَ بَأْسَ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ: إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، قَال الرَّافِعِيُّ: فَقَال الْجُمْهُورُ: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ: بَل الْمَكْرُوهُ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْمَدِّ وَفِي إِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنَ الْفَتْحَةِ أَلِفٌ، وَمِنَ الضَّمَّةِ وَاوٌ، وَمِنَ الْكِسْرَةِ يَاءٌ، أَوْ يُدْغِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الإِْدْغَامِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَلاَ كَرَاهَةَ، وَقَال فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الإِْفْرَاطَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَرَامٌ، يُفَسَّقُ بِهِ الْقَارِئُ، وَيَأْثَمُ الْمُسْتَمِعُ غَيْرِ الْمُسْتَنْكِرِ، لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ، قَال: وَهَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْكَرَاهَةِ. وَفِيهِ حَدِيثٌ اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ وَأَهْل الْفِسْقِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ، وَالرَّهْبَانِيَّةِ لاَ يُجَاوِزُ

_________

(١) حديث: " زينوا القرآن بأصواتكم " أخرجه أبو داود (٢ / ١٥٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث البراء بن عازب، والدارقطني في الإفراد من حديث ابن عباس بإسناد حسن، كذا في الفتح لابن حجر (١٣ / ٥١٩ ط السلفية) .

حَنَاجِرَهُمْ، مَفْتُونَةً قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ (١) .

قَال النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَسَنِ الصَّوْتِ، وَالإِْصْغَاءُ إِلَيْهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلاَ بَأْسَ بِاجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ فِي الْقِرَاءَةِ وَلاَ بِإِدَارَتِهَا، وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ قِطْعَةً ثُمَّ الْبَعْضُ قِطْعَةً بَعْدَهَا (٢) .

تَفْخِيمُ التِّلاَوَةِ:

١٤ - تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّفْخِيمِ لِحَدِيثِ: أُنْزِل الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ (٣) قَال الْحَلِيمِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ عَلَى قِرَاءَةِ الرِّجَال، وَلاَ يُخْضِعُ الصَّوْتَ فِيهِ كَكَلاَمِ النِّسَاءِ، قَال: وَلاَ يَدْخُل فِي هَذَا كَرَاهَةُ الإِْمَالَةِ الَّتِي هِيَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْقُرَّاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ نَزَل بِالتَّفْخِيمِ، فَرُخِّصَ مَعَ ذَلِكَ فِي إِمَالَةِ مَا تَحْسُنُ إِمَالَتُهُ (٤) .

_________

(١) حديث: " أقرءوا القرآن بلحون العرب ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧ / ١٦٩ ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه راو لم يسم وبقية أيضا ".

(٢) الإتقان ١ / ١٠٧، والتبيان في آداب حملة القرآن ص٦١.

(٣) حديث: " أنزل القرآن بالتفخيم " أخرجه الحاكم (٢ / ٢٣١ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث زيد بن ثابت، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: " لا والله، العوفي - يعني محمد بن عبد العزيز - مجمع على ضعفه، وبكار - يعني ابن عبد الله - ليس بعمدة والحديث واه منكر

(٤) الإتقان ١٠٧ وما بعدها، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٧.

الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ:

١٥ - وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ بِاسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ، وَأُخْرَى بِاسْتِحْبَابِ الإِْخْفَاءِ، فَمِنَ الأَْوَّل حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: - مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ (١) وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ: الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ (٢) قَال النَّوَوِيُّ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الإِْخْفَاءَ أَفْضَل، حَيْثُ خَافَ الرِّيَاءَ، أَوْ تَأَذَّى مُصَلُّونَ أَوْ نِيَامٌ بِجَهْرِهِ، وَالْجَهْرُ أَفْضَل فِي غَيْرِ ذَلِكَ لأَِنَّ الْعَمَل فِيهِ أَكْثَرُ، وَلأَِنَّ فَائِدَتَهُ تَتَعَدَّى إِلَى السَّامِعِينَ، وَلأَِنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ وَيَجْمَعُ هَمَّهُ إِلَى الْفِكْرِ، وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إِلَيْهِ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ وَيَزِيدُ فِي النَّشَاطِ، وَيَدُل لِهَذَا الْجَمْعِ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ اعْتَكَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَال: أَلاَ إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ، فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلاَ يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ (٣)

_________

(١) حديث: " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٥١٨ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٥٤٥ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) حديث: " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة " أخرجه الترمذي (٥ / ١٨٠ ط الحلبي) من حديث عقبة بن عامر، وحسنه.

(٣) حديث: " ألا إن كلكم مناج لربه " أخرجه أبو داود (٢ / ٨٣ تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن عبد البر كما في شرح الزرقاني على موطأ مالك (١ / ١٣٨ ط المكتبة التجارية الكبرى) .

وَقَال بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ وَالإِْسْرَارُ بِبَعْضِهَا؛ لأَِنَّ الْمُسِرَّ قَدْ يَمَل فَيَأْنَسُ بِالْجَهْرِ، وَالْجَاهِرُ قَدْ يَكِل فَيَسْتَرِيحُ بِالإِْسْرَارِ (١) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَتِهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ:

١٦ - لِلْفُقَهَاءِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، وَقِرَاءَتِهِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:

أ - أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمُصْحَفِ أَفْضَل لأَِنَّ النَّظَرَ فِيهِ عِبَادَةٌ فَتَجْتَمِعُ الْقِرَاءَةُ وَالنَّظَرُ.

بِهَذَا قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْنٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةُ الرَّجُل فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجَةٍ، وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَلْفَيْ دَرَجَةٍ (٢) .

وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ، وَنَظَرُ الْوَلَدِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ عِبَادَةٌ (٣) .

_________

(١) الإتقان ص ١٠٧ - ١٠٨، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٣، ٤٦٤.

(٢) حديث: " قراءة الرجل في غير المصحف. . . " أورده الهيثمي في المجمع (٧ / ١٦٥ ط القدسي) . وقال: رواه الطبراني وفيه أبو سعيد بن عون، وثقه ابن معبد في رواية وضعفه في أخرى، وبقية رجاله ثقات ".

(٣) حديث: " النظر في المصحف عبادة، ونظر الولد إلى الوالدين عبادة " أخرجه ابن أبي الفرائي كما في اللآلئ للسيوطي (١ / ٣٤٦ نشر دار المعرفة) وفي إسناده محمد بن زكريا الغلابي، وهو متهم بالوضع، كذا في ميزان الاعتدال للذهبي (٣ / ٥٥٠ ط الحلبي) .

ب - يَرَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ أَفْضَل؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِرَاءَةِ التَّدَبُّرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (١) وَالْعَادَةُ تَشْهَدُ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ يُخِل بِهَذَا الْمَقْصُودِ فَكَانَ مَرْجُوحًا.

ج - قَال النَّوَوِيُّ فِي الأَْذْكَارِ: إِنْ كَانَ الْقَارِئُ مِنْ حِفْظِهِ يَحْصُل لَهُ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَجَمْعِ الْقَلْبِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُل لَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ، فَالْقِرَاءَةُ مِنَ الْحِفْظِ أَفْضَل، وَإِنِ اسْتَوَيَا فَمِنَ الْمُصْحَفِ أَفْضَل. قَال وَهُوَ مُرَادُ السَّلَفِ (٢) .

قَطْعُ الْقُرْآنِ لِمُكَالَمَةِ النَّاسِ:

١٧ - يُكْرَهُ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِمُكَالَمَةِ أَحَدٍ، قَال الْحَلِيمِيُّ: لأَِنَّ كَلاَمَ اللَّهِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيْهِ كَلاَمُ غَيْرِهِ، وَأَيَّدَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا فِي الصَّحِيحِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، وَكُرِهَ أَيْضًا الضَّحِكَ وَالْعَبَثَ وَالنَّظَرَ إِلَى مَا يُلْهِي (٣) .

_________

(١) سورة ص / ٢٩.

(٢) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦١ - ٤٦٣، والإتقان ص ١٠٨.

(٣) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٤، والإتقان ١ / ١٠٩.

قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْعَجَمِيَّةِ:

١٨ - لاَ يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْعَجَمِيَّةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ أَمْ لاَ فِي الصَّلاَةِ أَمْ خَارِجَهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجُوزُ لِمَنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ يَذْهَبُ إِعْجَازُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَعَنْ الْقَفَّال: أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ لاَ تُتَصَوَّرُ، قِيل لَهُ فَإِذًا لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُفَسِّرَ الْقُرْآنَ، قَال: لَيْسَ كَذَلِكَ لأَِنَّ هُنَاكَ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ مُرَادِ اللَّهِ وَيَعْجِزَ عَنِ الْبَعْضِ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ التَّرْجَمَةَ إِبْدَال لَفْظَةٍ بِلَفْظَةٍ تَقُومُ مَقَامَهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلاَفِ التَّفْسِيرِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل ر: تَرْجَمَةٌ ف ٥ (١١ ٢١٦)

الْقِرَاءَةُ بِالشَّوَاذِّ:

١٩ - نَقَل ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الإِْجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالشَّاذِّ، لَكِنْ ذَكَرَ مَوْهُوبُ الْجَزَرِيُّ جَوَازَهَا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ قِيَاسًا عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى (٢) .

تَرْتِيبُ الْقِرَاءَةِ:

٢٠ - الأَْوْلَى أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ عَلَى تَرْتِيبِ

_________

(١) الإتقان ١ / ١٠٩، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٤ وما بعدها، والتبيان ص ٥٢.

(٢) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٧، والإتقان ١ / ١٠٩.

الْمُصْحَفِ، لأَِنَّ تَرْتِيبَهُ لِحِكْمَةٍ، فَلاَ يُتْرَكُ التَّرْتِيبُ إِلاَّ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ الشَّرْعُ، كَصَلاَةِ صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ﴿الم تَنْزِيلٌ﴾، وَ﴿هَل أَتَى﴾ وَنَظَائِرِهِ، فَلَوْ فَرَّقَ السُّوَرَ أَوْ عَكَسَهَا جَازَ وَتَرَكَ الأَْفْضَل، وَأَمَّا قِرَاءَةُ السُّورَةِ مِنْ آخِرِهَا إِلَى أَوَّلِهَا. فَمُتَّفَقٌ عَلَى مَنْعِهِ، لأَِنَّهُ يُذْهِبُ بَعْضَ نَوْعِ الإِْعْجَازِ وَيُزِيل حِكْمَةَ التَّرْتِيبِ. لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا؟ قَال: ذَاكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ، وَأَمَّا خَلْطُ سُورَةٍ بِسُورَةٍ فَإِنَّ تَرْكَهُ مِنَ الآْدَابِ، لِمَا أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِبِلاَلٍ: يَا بِلاَل قَدْ سَمِعْتُكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. قَال: كَلاَمٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ (١) .

وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: إِذَا ابْتَدَأْتَ فِي سُورَةٍ فَأَرَدْتَ أَنْ تَتَحَوَّل مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا فَتَحَوَّل إِلاَّ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَإِذَا ابْتَدَأْتَ بِهَا فَلاَ تَتَحَوَّل عَنْهَا حَتَّى تَخْتِمَهَا.

وَقَدْ نَقَل الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قِرَاءَةِ آيَةٍ آيَةٍ مِنْ كُل سُورَةٍ. قَال الْبَيْهَقِيُّ وَأَحْسَنُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ أَنْ يُقَال: إِنَّ هَذَا التَّأْلِيفَ لِكِتَابِ اللَّهِ مَأْخُوذٌ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْذُهُ عَنْ

_________

(١) حديث: قال لبلال: قد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٨٢ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة وإسناده حسن.

جِبْرِيل، فَالأَْوْلَى لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى التَّأْلِيفِ الْمَنْقُول (١) .

اسْتِمَاعُ التِّلاَوَةِ:

٢١ - يُسَنُّ الاِسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَرْكُ اللَّغَطِ وَالْحَدِيثِ لِحُضُورِ الْقِرَاءَةِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)

قَال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَالاِشْتِغَال عَنِ السَّمَاعِ بِالتَّحَدُّثِ بِمَا لاَ يَكُونُ أَفْضَل مِنَ الاِسْتِمَاعِ، سُوءُ أَدَبٍ عَلَى الشَّرْعِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالتَّحَدُّثِ لِلْمَصْلَحَةِ (٣) .

وَلِلتَّفْصِيل ر: اسْتِمَاعٌ (٤ ٨٥)

السُّجُودُ لِلتِّلاَوَةِ:

٢٢ - فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً فِيهَا السُّجُودُ: فِي الأَْعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْل، وَالإِْسْرَاءِ، وَمَرْيَمَ، وَالْحَجِّ، وَفِيهَا سَجْدَتَانِ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالنَّمْل، وَالسَّجْدَةِ ﴿الم تَنْزِيلٌ﴾ وَ﴿ص﴾ وَفُصِّلَتْ، وَالنَّجْمِ، وَالاِنْشِقَاقِ، وَاقْرَأْ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ آخِرَ

_________

(١) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٨ وما بعدها، والإتقان ١ / ١٠٩، والتبيان ص ٥٣ وما بعدها

(٢) سورة الأعراف / ٢٠٤.

(٣) الإتقان ص ١١٠، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٧٥.