الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
الْحِجْرِ، وَالسُّجُودُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِقِرَاءَةِ آيَاتِ السَّجْدَةِ مَسْنُونٌ، وَوَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَتَفْصِيل مَوَاضِعِ السُّجُودِ، وَعَلَى مَنْ يَجِبُ، وَشُرُوطُ السُّجُودِ، كُل ذَلِكَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ التِّلاَوَةِ) .
_________
(١) المرجع السابق، ومراقي الفلاح ص ٢٦٠.
تَلْبِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّلْبِيَةُ لُغَةً: إِجَابَةُ الْمُنَادِي، وَهِيَ إِمَّا فِي الْحَجِّ وَإِمَّا فِي غَيْرِهِ كَالْوَلِيمَةِ وَالتَّلْبِيَةِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَنْهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِجَابَةٌ) ج ١ ص ٢٥١ وَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَالْمُرَادُ بِهَا قَوْل الْمُحْرِمِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. أَيْ: إِجَابَتِي لَكَ يَا رَبِّ. يُقَال: لَبَّى الرَّجُل تَلْبِيَةً: إِذَا قَال لَبَّيْكَ. وَلَبَّى بِالْحَجِّ كَذَلِكَ. قَال الْفَرَّاءُ: مَعْنَى لَبَّيْكَ إِجَابَةً لَكَ بَعْدَ إِجَابَةٍ. وَفِي حَدِيثِ الإِْهْلاَل بِالْحَجِّ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ: هُوَ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ إِجَابَةُ الْمُنَادِي أَيْ: إِجَابَتِي لَكَ يَا رَبِّ. وَعَنِ الْخَلِيل أَنَّ تَثْنِيَةَ كَلِمَةِ (لَبَّيْكَ) عَلَى جِهَةِ التَّوْكِيدِ (١) .
وَالإِْجَابَةُ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَخْرُجُ فِي مَعْنَاهَا الاِصْطِلاَحِيِّ عَنْ هَذَا إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْخَرَشِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ: أَنَّ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ الإِْجَابَةُ: أَيْ: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال:
_________
(١) لسان العرب، وتاج العروس، ومحيط المحيط، والمصباح المنير مادة: " لبى ".
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١) فَهَذِهِ إِجَابَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالثَّانِيَةُ: إِجَابَةٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٢) يُقَال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أَذَّنَ بِالْحَجِّ أَجَابَهُ النَّاسُ فِي أَصْلاَبِ آبَائِهِمْ فَمَنْ أَجَابَهُ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً، وَمَنْ زَادَ زَادَ. فَالْمَعْنَى أَجَبْتُكَ فِي هَذَا كَمَا أَجَبْتُكَ فِي ذَلِكَ. وَأَوَّل مَنْ لَبَّى الْمَلاَئِكَةُ، وَهُمْ أَيْضًا أَوَّل مَنْ كَانَ بِالْبَيْتِ (٣) .
وَمَعْنَى لَبَّيْكَ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى مَرَاقِي الْفَلاَحِ: أَقَمْتُ بِبَابِكَ إِقَامَةً بَعْدَ أُخْرَى وَأَجَبْتُ نِدَاءَكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (٤) .
وَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: أَجَبْتُكَ يَا أَلَّلَهُ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ. أَوْ لاَزَمْتُ الإِْقَامَةَ عَلَى طَاعَتِكَ مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا لَزِمَهُ وَأَقَامَ بِهِ. وَهِيَ مُثَنَّاةٌ لَفْظًا وَمَعْنَاهَا التَّكْثِيرُ لاَ خُصُوصُ الاِثْنَيْنِ (٥) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - تَلْبِيَةُ الْمُحْرِمِ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٦) لِمَا رَوَى سَهْل بْنُ سَعْدٍ قَال: قَال
_________
(١) سورة الأعراف / ١٧٢.
(٢) سورة الحج / ٢٧.
(٣) الخرشي على مختصر خليل ٢ / ٣٢٤ دار صادر بيروت.
(٤) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٩٩.
(٥) الفواكه الدواني ١ / ٤١١ دار المعرفة.
(٦) الاختيار شرح المختار ١ / ١٤٣ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٢ / ١٥٨، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١١ - ٢١٢، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٨٨م. الرياض الحديثة.
رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلاَّ لَبَّى عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَْرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا (١) . وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
صِيغَتُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:
٣ - وَهِيَ تَلْبِيَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) . كَمَا جَاءَ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ (٤) .
وَهَل لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا أَوْ يُنْقِصَ مِنْهَا؟
قَال الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلٌ لِمَالِكِ: إِنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَلاَ بَأْسَ (٥) . لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄
_________
(١) حديث: " ما من مسلم يلبي. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ١٨٠ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (٢ / ٩٧٤ ط عيسى الحلبي)، والحاكم (١ / ٤٥١ ط دار الكتاب العربي) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي واللفظ للترمذي.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٧٧، والشرح الكبير ٢ / ٣٩.
(٣) ابن عابدين ٢ / ١٥٩، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٨٩ م الرياض الحديثة، المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١٤، الخرشي على مختصر خليل ٢ / ٣٢٨ دار صادر.
(٤) حديث: " أن تلبية رسول الله ﷺ " لبيك اللهم لبيك. . . " أخرجه البخاري (٣ / ٤٠٨ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٤١ ط عيسى الحلبي) .
(٥) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١٤، والخرشي ٢ / ٣٢٨.
كَانَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَةُ إِلَيْكَ وَالْعَمَل. وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ قَال: لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآْخِرَةِ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُمْ فِيهِ. فَقَال: لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآْخِرَةِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِمَالِكٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلاَ تُكْرَهُ، وَذَلِكَ لِقَوْل جَابِرٍ: فَأَهَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ (٢) وَأَهَل النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ. وَلَزِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي بِتَلْبِيَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيَزِيدُ مَعَ هَذَا " لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ. وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ (٣) إِلَيْكَ وَالْعَمَل (٤) .
وَزَادَ عُمَرُ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ ذَا
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ كان ذات يوم والناس يصرفون عنه. . . " أخرجه البيهقي (٥ / ٤٥ ط دار المعرفة) من حديث مجاهد مرسلا، وقال ابن حجر: رواه سعيد بن منصور من حديث عكرمة مرسلا (٢ / ٢٤ ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) حديث: " فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد " لبيك اللهم لبيك. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٦ - ٨٨٧ ط عيسى الحلبي) .
(٣) الرغباء: الضراعة والمسألة.
(٤) حديث: " كان ابن عمر يلبي بتلبية رسول الله ﷺ ويزيد. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١٥ ط عيسى الحلبي) .
النَّعْمَاءِ وَالْفَضْل الْحَسَنِ (١) . وَيَرَى أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ وَلاَ تُسْتَحَبُّ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَزِمَ تَلْبِيَتَهُ فَكَرَّرَهَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا.
وَالْقَوْل الثَّالِثُ لِمَالِكٍ: كَرَاهَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ الرَّسُول ﷺ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا وَيُكْرَهُ لَهُ إِنْقَاصُهَا، وَتَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مِمَّا هُوَ مَأْثُورٌ فَيَقُول: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ إِلَهَ الْخَلْقِ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا. لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآْخِرَةِ. وَمَا لَيْسَ مَرْوِيًّا فَجَائِزٌ وَحَسَنٌ (٣) .
بِمَ تَصِحُّ التَّلْبِيَةُ؟
٤ - تَصِحُّ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ إِلاَّ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ أَفْضَل (٤) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِيِّ يُلَبِّي بِلِسَانِهِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ كَأَنْ لَمْ يَجِدْ
_________
(١) زيادة عمر: لبيك مرغوبا. . . أخرجه ابن أبي شيبة كما في فتح الباري لابن حجر (٣ / ٤١٠ ط السلفية) .
(٢) المغني لابن قدامة ٣ / ٢٩٠ م. الرياض الحديثة.
(٣) ابن عابدين ٢ / ١٥٩.
(٤) ابن عابدين ٢ / ١٥٨ - ١٥٩، وحاشية قليوبي على منهاج الطالبين ٢ / ٩٩.
مَنْ يُعَلِّمُهُ الْعَرَبِيَّةَ، وَمُفَادُ هَذَا أَنَّ الْعَرَبِيَّ الْقَادِرَ عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لاَ يُلَبِّي بِغَيْرِهَا لأَِنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَلَمْ تُشْرَعْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَالأَْذَانِ وَالأَْذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلاَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ لَبَّى بِلُغَتِهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي الصَّلاَةِ (١) .
رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ:
٥ - اسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: جَاءَنِي جِبْرِيل ﵇ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَكَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ (٢) وَقَال أَبُو حَازِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهُمْ مِنَ التَّلْبِيَةِ. وَقَال سَالِمٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فَلاَ يَأْتِي الرَّوْحَاءَ (٣) حَتَّى يَصْحَل صَوْتُهُ (٤) .
_________
(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٤٥٩ ط دار المعرفة، وكشاف القناع ٢ / ٤٢٠ م. النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٩٢م الرياض الحديثة.
(٢) حديث: " جاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد: مر أصحابك. . . " أخرجه الحاكم (١ / ٤٥٠ ط دار الكتاب العربي) من حديث زيد بن خالد وأبي هريرة، ثم قال: هذه الأسانيد كلها صحيحة وليس يعلل واحد منها الآخر. وأقره الذهبي.
(٣) الروحاء: موضع بين الحرمين.
(٤) يصحل صوته: يبح صوته.
وَلاَ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا زِيَادَةً عَلَى الطَّاقَةِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ وَتَلْبِيَتُهُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّطَ فِيهِ مَنْدُوبٌ فَلاَ يُسِرُّهُ الْمُلَبِّي حَتَّى لاَ يَسْمَعَهُ مَنْ يَلِيهِ، وَلاَ يُبَالِغُ فِي رَفْعِهِ حَتَّى يَعْقِرَهُ فَيَكُونُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ وَلاَ يُبَالِغُ فِي أَيِّهِمَا، وَفِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي: هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ مِنَى لأَِنَّهُمَا بُنِيَا لِلْحَجِّ، وَقِيل: لِلأَْمْنِ فِيهِمَا مِنَ الرِّيَاءِ (٢) .
هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَال. أَمَّا النِّسَاءُ فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ بِالتَّلْبِيَةِ إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا تُسْمِعُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَوْ رَفِيقَتَهَا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَال: السُّنَّةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالإِْهْلاَل وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِل فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا (٣) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٥٩، ١٩١، الفتاوى الهندية ١ / ٢٢٣، والاختيار شرح المختار ١ / ١٤٢م. مصطفى الحلبي ١٩٣٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١٣، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٨٩م الرياض الحديثة.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٧٧، والشرح الكبير ٢ / ٤٠، والخرشي على مختصر خليل ١ / ٣٢٤ دار صادر، الفواكه الدواني ١ / ٤١٣ ط دار المعرفة.
(٣) ابن عابدين ٢ / ١٨٩ - ١٩٠، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١٣، ومنهاج الطالبين ٢ / ١٠٠، ونهاية المحتاج للرملي ٣ / ٢٦٤، والخرشي على مختصر خليل ٢ / ٣٢٤ دار صادر، والفواكه الدواني ١ / ٤١٣ ط دار المعرفة، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٣٠ - ٣٣١ م الرياض الحديثة، وكشاف القناع ٢ / ٤٢١ م. النصر الحديثة.
الإِْكْثَارُ مِنَ التَّلْبِيَةِ:
٦ - اسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّلْبِيَةِ لأَِنَّهَا شِعَارُ النُّسُكِ فَيُلَبِّي عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّفَاقِ، أَوْ مَتَى عَلاَ شَرَفًا أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَإِقْبَال اللَّيْل وَالنَّهَارِ. لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي إِذَا رَأَى رَكْبًا، أَوْ صَعِدَ أَكَمَةً، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الْمَكْتُوبَةِ وَآخِرِ اللَّيْل (١) وَلأَِنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تُرْفَعُ الأَْصْوَاتُ وَيَكْثُرُ الضَّجِيجُ (٢) . وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَفْضَل الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوَسُّطَ فِي ذَلِكَ
_________
(١) حديث: " كان يلبي إذا رأى ركبا. . . " قال ابن حجر: " وقد رواه ابن عساكر في تخريجه لأحاديث المهذب، ثم قال: وفي إسناده من لا يعرف. التخليص الحبير (٢ / ٢٣٩ ط. شركة الطباعة الفنية) .
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٦٤ - ١٦٥، مراقي الفلاح ٣٩٩، والاختيار شرح المختار ١ / ١٤٤ مصطفى الحلبي ١٩٣٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١٣، ونهاية المحتاج للرملي ٣ / ٢٦٤، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٩١م الرياض الحديثة.
(٣) حديث: " أفضل الحج العج والثج " أخرجه الترمذي (٣ / ١٨٠ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (٢ / ٩٧ ط عيسى الحلبي)، والحاكم (١ / ٤٥١ ط دار الكتاب العربي) . وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إسالة دماء الهدي (المصباح) .
مَنْدُوبٌ، فَلاَ يُكْثِرُ الْمُحْرِمُ مِنَ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَمَلَّهَا وَيَلْحَقَهُ الضَّرَرُ، وَلاَ يُقَلِّلُهَا حَتَّى يَفُوتَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهُوَ الشَّعِيرَةُ (١) .
مَتَى تَبْدَأُ التَّلْبِيَةُ:
٧ - مِنَ الأُْمُورِ الْمُسْتَحَبَّةِ لِمُرِيدِ الإِْحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا مَعًا مَتَى بَلَغَ مِيقَاتَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ الإِْحْرَامِ فِي غَيْرِ وَقْتِ كَرَاهَةٍ، وَتُجْزِئُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ قَال بِلِسَانِهِ الْمُطَابِقِ لِجِنَانِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ أَيْضًا الْمُعْتَمِرُ وَالْقَارِنُ، وَيُشِيرُ إِلَى نَوْعِ نُسُكِهِ ثُمَّ يُلَبِّي دُبُرَ صَلاَتِهِ. . وَبِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ يَكُونُ مُحْرِمًا وَتَسْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الإِْحْرَامِ.
هَذَا مَا عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (٢) .
وَلَهُ الإِْحْرَامُ بِهَا إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا بَدَأَ السَّيْرُ سَوَاءٌ لأَِنَّ الْجَمِيعَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ. قَال الأَْثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ. الإِْحْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلاَةِ، أَوْ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ؟ فَقَال: كُل ذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي دُبُرِ الصَّلاَةِ وَإِذَا عَلاَ الْبَيْدَاءَ.
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ١٧٧، والفواكه الدواني ١ / ٤١٣ ط دار المعرفة.
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٥٩ - ١٦٠، الفتاوى الهندية ١ / ٢٢٣، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٧٥م الرياض الحديثة، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١١ - ٢١٢، وجواهر الإكليل ١ / ١٧٧، ١٦٨، والشرح الكبير ٢ / ٢٢.