الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
وَلاَ شَكَّ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْخَمْسَةِ تَكْلِيفِيَّةً تَغْلِيبٌ إِذْ لاَ تَكْلِيفَ فِي الإِْبَاحَةِ وَلاَ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى اشْتَرَطُوا فِي التَّكْلِيفِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْل الَّذِي وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مُمْكِنًا.
ج - وَيُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمُكَلَّفِ لِمَا كُلِّفَ بِهِ. بِمَعْنَى قُدْرَتِهِ عَلَى تَصَوُّرِ ذَلِكَ الأَْمْرِ وَالْفَهْمِ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ جَل جَلاَلُهُ بِقَدْرٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الاِمْتِثَال لأَِنَّ التَّكْلِيفَ اسْتِدْعَاءُ حُصُول الْفِعْل عَلَى قَصْدِ الاِمْتِثَال، وَهُوَ مُحَالٌ عَادَةً وَشَرْعًا مِمَّنْ لاَ شُعُورَ لَهُ بِالأَْمْرِ، كَمَا اشْتَرَطُوا الْبُلُوغَ وَجَعَلُوا الْجُنُونَ وَالْعَتَهَ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
تَكَنِّي
انْظُرْ: كُنْيَةٌ.
_________
(١) إرشاد الفحول ص ٦، والمستصفى ١ / ١٠٥، وكشف الأسرار ٤ / ٢٤٨، وفواتح الرحموت ١ / ١٤٣ - ١٤٤ ط بولاق.
تِلاَوَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التِّلاَوَةُ: مِنْ تَلاَ بِمَعْنَى قَرَأَ، وَيَأْتِي هَذَا الْفِعْل بِمَعْنَى تَبِعَ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التِّلاَوَةُ الْقِرَاءَةُ. قَال تَعَالَى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ (٢)﴾ وَفُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (٣)﴾، بِاتِّبَاعِ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ، بِتَحْلِيل حَلاَلِهِ وَتَحْرِيمِ حَرَامِهِ وَالْعَمَل بِمَا تَضَمَّنَهُ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّرْتِيل:
٢ - التَّرْتِيل: لُغَةً التَّمَهُّل يُقَال: رَتَّلْتُ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا أَيْ: تَمَهَّلْتُ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَمْ أَعْجَل (٥) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّأَنِّي فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّمَهُّل
_________
(١) المصباح، والقاموس، مادة: " تلو ".
(٢) سورة آل عمران / ١٦٤، وانظر تفسير القرطبي (٤ / ٢٦٤) .
(٣) سورة البقرة / ١٢١.
(٤) تفسير القرطبي ٢ / ٨٦.
(٥) المصباح مادة: " رتل ".
وَتَبْيِينُ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ تَشْبِيهًا بِالثَّغْرِ الْمُرَتِّل (١)
وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ التَّرْتِيل وَالتِّلاَوَةِ (بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ): أَنَّ التِّلاَوَةَ أَعَمُّ، وَالتَّرْتِيل أَخَصُّ، فَكُل تَرْتِيلٍ تِلاَوَةٌ وَلاَ عَكْسَ.
ب - التَّجْوِيدُ:
٣ - التَّجْوِيدُ: إِعْطَاءُ كُل حَرْفٍ حَقَّهُ وَمُسْتَحَقَّهُ، وَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْحَرْفِ، الصِّفَةُ الذَّاتِيَّةُ الثَّابِتَةُ لَهُ، كَالشِّدَّةِ وَالاِسْتِعْلاَءِ
وَالْمُرَادُ بِمُسْتَحَقِّ الْحَرْفِ، مَا يَنْشَأُ عَنِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ اللاَّزِمَةِ، كَالتَّفْخِيمِ وَغَيْرِهِ.
وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التِّلاَوَةِ. (ر: تَجْوِيدٌ) .
ج - الْحَدْرُ: ٤ - الْحَدْرُ هُوَ: الإِْسْرَاعُ فِي الْقِرَاءَةِ.
فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التِّلاَوَةِ أَيْضًا.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - الْمُسْلِمُونَ مُتَعَبَّدُونَ بِفَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَطْبِيقِ أَحْكَامِهِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ، وَهُمْ مُتَعَبِّدُونَ كَذَلِكَ بِتَصْحِيحِ أَلْفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ تَجْوِيدٍ لَحْنًا، فَقَسَّمُوا اللَّحْنَ إِلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ.
_________
(١) تفسير القرطبي ١ / ١٧ دار الكتب.
فَاللَّحْنُ: خَلَلٌ يَطْرَأُ عَلَى الأَْلْفَاظِ فَيُخِل، إِلاَّ أَنَّ الْجَلِيَّ يُخِل إِخْلاَلًا ظَاهِرًا يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْخَطَأُ فِي الإِْعْرَابِ، وَالْخَفِيُّ يُخِل إِخْلاَلًا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَةِ وَأَئِمَّةُ الأَْدَاءِ الَّذِينَ تَلْقَوْهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْعُلَمَاءِ وَضَبَطُوهُ مِنْ أَلْفَاظِ أَهْل الأَْدَاءِ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ رُكْنٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (٢)﴾ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ لِهَذِهِ الْفَرِيضَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتِلاَوَتِهِ خَارِجَ الصَّلاَةِ. قَال تَعَالَى مُثْنِيًا عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ دَأْبَهُ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل (٣)﴾، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْل وَآنَاءَ النَّهَارِ (٤)، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا (٥) .
_________
(١) الإتقان ١ / ١٠٠ ط مصطفى الحلبي.
(٢) سورة المزمل / ٣٠.
(٣) سورة آل عمران / ٩٠.
(٤) حديث: " لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الكتاب وقام به آناء الليل ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٧٣ - ٧٧ السلفية) .
(٥) حديث: " من قرأ حرفا من كتاب الله، فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها " أخرجه الترمذي (٥ / ١٧٥ ط الحلبي) وقال: " حسن صحيح ".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: يَقُول الرَّبُّ ﷿ مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَل مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْل كَلاَمِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلاَمِ كَفَضْل اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ (١) .
آدَابُ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ:
٦ - يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، لأَِنَّهُ أَفْضَل الأَْذْكَارِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ ﷿ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ (٢) .
قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَكِنْ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ لأَِنَّهُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ مَعَ الْحَدَثِ (٣) .
_________
(١) الإتقان ١ / ١٠٤، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص٧ وما بعدها. وحديث: " يقول الرب ﷿ من شغله القرآن. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ١٨٤ ط الحلبي) وحسنه.
(٢) حديث: " إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر " أخرجه أبو داود (١ / ٢٣ تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن حبان (٢ / ٨٨ الإحسان ط دار الكتب العلمية) .
(٣) حديث: " كان يقرأ مع الحدث ". . لم نعثر عليه في كتب السنن والآثار بهذا اللفظ إلا أنه يستدل عليه بحديث عائشة: كان يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه مسلم (١ / ٢٨٢ ط الحلبي) وأورده البخاري معلقا، وقال العيني: أراد البخاري بإيراد هذا وبما ذكره في الباب الاستدلال على جواز قراءة الجنب والحائض لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره (عمدة القاري ٣ / ٢٧٤ ط المنيرية) .
وَإِذَا كَانَ يَقْرَأُ فَعَرَضَتْ لَهُ رِيحٌ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَتِمَّ خُرُوجُهَا، وَأَمَّا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْقِرَاءَةُ، وَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ وَإِمْرَارُهُ عَلَى الْقَلْبِ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا، وَبِهِ قَال الطَّبَرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ (١) . وَأَمَّا مُتَنَجِّسُ الْفَمِ فَتُكْرَهُ لَهُ الْقِرَاءَةُ، وَقِيل تَحْرُمُ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ بِالْيَدِ النَّجِسَةِ، وَتُسَنُّ الْقِرَاءَةُ فِي مَكَانٍ نَظِيفٍ وَأَفْضَلُهُ الْمَسْجِدُ، وَكَرِهَ قَوْمٌ الْقِرَاءَةَ فِي الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ، وَعِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِمَا، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْحَشِّ (بَيْتِ الْخَلاَءِ) وَفِي بَيْتِ الرَّحَا وَهِيَ تَدُورُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ الْقَارِئُ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ فِي خُشُوعٍ وَوَقَارٍ مُطْرِقًا رَأْسَهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَاكَ تَعْظِيمًا وَتَطْهِيرًا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهُ ﷺ مَرْفُوعًا: إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ (٢) وَلَوْ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ فَمُقْتَضَى اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ إِعَادَةُ السِّوَاكِ أَيْضًا، وَيُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْل الْقِرَاءَةِ
_________
(١) عمدة القاري ٣ / ٢٧٤ ط المنيرية.
(٢) حديث: " إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك " أخرجه ابن ماجه (١ / ١٠٦ ط الحلبي) عن علي موقوفا، وقال البوصيري: " إسناده ضعيف "، وأخرجه مرفوعا البزار بألفاظ مقاربة كما في كشف الأستار (١ / ٢٤٢ ط الرسالة) وقال الهيثمي: رجاله ثقات. المجمع (٢ / ٩٩ - ط القدسي) .
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (١)﴾ يَعْنِي إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ التَّعَوُّذِ لِظَاهِرِ الأَْمْرِ فَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ وَهُوَ مَاشٍ فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ وَعَادَ إِلَى الْقِرَاءَةِ كَانَ حَسَنًا إِعَادَةُ التَّعَوُّذِ. وَصِفَتُهُ الْمُخْتَارَةُ: (أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَزِيدُونَ بَعْدَ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ: السَّمِيعَ الْعَلِيمَ، وَعَنْ حَمْزَةَ أَسْتَعِيذُ وَنَسْتَعِيذُ وَاسْتَعَذْتُ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِمُطَابَقَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، وَهُنَاكَ صِيَغٌ أُخْرَى لِلاِسْتِعَاذَةِ (٢) . قَال الْحَلْوَانِيُّ فِي جَامِعِهِ: لَيْسَ لِلاِسْتِعَاذَةِ حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَيْهِ، مَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ، وَفِي النَّشْرِ لاِبْنِ الْجَزَرِيِّ: الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ الْجَهْرُ بِهَا، وَقِيل: يُسِرُّ مُطْلَقًا، وَقِيل: فِيمَا عَدَا الْفَاتِحَةَ، وَقَدْ أَطْلَقُوا اخْتِيَارَ الْجَهْرِ بِهَا، وَقَيَّدَهُ أَبُو شَامَةَ بِقَيْدٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَةِ مَنْ يَسْمَعُهُ، قَال: لأَِنَّ فِي الْجَهْرِ بِالتَّعَوُّذِ إِظْهَارَ شِعَارِ الْقِرَاءَةِ، كَالْجَهْرِ بِالتَّلْبِيَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ. وَمِنْ فَوَائِدِ الْجَهْرِ أَنَّ السَّامِعَ يُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهَا لاَ يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِذَا أَخْفَى التَّعَوُّذَ لَمْ
_________
(١) سورة النحل / ٩٨.
(٢) الإتقان ص ١٠٤ - ١٠٥، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٥٩ - ٤٦٠ نشر دار المعرفة، وانظر مصطلح استعاذة ف ١١ ٤ / ٨. والتبيان في آداب حملة القرآن ص ٣٩ و٤٤.
يَعْلَمِ السَّامِعُ بِهَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَهُ مِنَ الْمَقْرُوءِ شَيْءٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجِهَا. قَال: وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِإِخْفَاءِ الاِسْتِعَاذَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الإِْسْرَارُ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ وَإِسْمَاعِ نَفْسِهِ، وَقِيل: الْكِتْمَانُ بِأَنْ يَذْكُرَهَا بِقَلْبِهِ بِلاَ تَلَفُّظٍ، قَال: وَإِذَا قَطَعَ الْقِرَاءَةَ إِعْرَاضًا أَوْ بِكَلاَمٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ رَدًّا لِلسَّلاَمِ اسْتَأْنَفَهَا، وَإِذَا كَانَ الْكَلاَمُ بِالْقِرَاءَةِ فَلاَ. قَال: وَهَل هِيَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ حَتَّى لَوْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ جُمْلَةَ، فَهَل يَكْفِي اسْتِعَاذَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الأَْكْل أَوْ لاَ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ اعْتِصَامُ الْقَارِئِ وَالْتِجَاؤُهُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، فَلاَ يَكُونُ تَعَوُّذُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَافِيًا عَنْ آخَرَ (١) .
الْبَسْمَلَةُ:
٧ - وَمِنْ آدَابِ التِّلاَوَةِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّل كُل سُورَةٍ غَيْرَ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ لأَِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ، فَإِذَا أَخَل بِهَا كَانَ تَارِكًا لِبَعْضِ الْخَتْمَةِ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ، فَإِنْ قَرَأَ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ الْعَبَّادِيُّ. قَال الْقُرَّاءُ: وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ قِرَاءَةِ نَحْوِ: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ (٢)﴾،
_________
(١) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠، والإتقان ١ / ١٠٥، وانظر مصطلح (إسرار) ف ١٦ - ٤ / ١٧٢.
(٢) سورة فصلت / ٤٧.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ (١)﴾ كَمَا فِي ذِكْرِ ذَلِكَ بَعْدَ الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الْبَشَاعَةِ وَإِيهَامِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى الشَّيْطَانِ، قَال ابْنُ الْجَزَرِيِّ: وَالاِبْتِدَاءُ بِالآْيِ وَسَطَ " بَرَاءَةٌ " قَل مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْبَسْمَلَةِ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَعْبَرِيُّ (٢) .
النِّيَّةُ:
٨ - لاَ تَحْتَاجُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ إِلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ الأَْذْكَارِ، إِلاَّ إِذَا نَذَرَهَا خَارِجَ الصَّلاَةِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ نِيَّةِ النَّذْرِ أَوِ الْفَرْضِ (٣) .
التَّرْتِيل:
٩ - يُسَنُّ التَّرْتِيل فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ قَال تَعَالَى: ﴿وَرَتِّل الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا نَعَتَتْ قِرَاءَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا (٥) . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِل عَنْ قِرَاءَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ
_________
(١) سورة الأنعام / ١٤١.
(٢) البرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٠، والإتقان ١ / ١٠٥ - ١٠٦، وانظر النشر في القراءات العشر ١ / ٢٥٩.
(٣) الإتقان ١ / ١٠٥ - ١٠٦.
(٤) سورة المزمل / ٤.
(٥) حديث: أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ. أخرجه أبو داود (٤ / ٢٩٤ تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٢٣١ - ٢٣٢ ط دائرة المعارف العثمانية)؛ وصححه ووافقه الذهبي.
يَمُدُّ اللَّهَ، وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ، وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ (١) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّ رَجُلًا قَال لَهُ: إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّل فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ (يَعْنِي الإِْسْرَاعَ بِالْقِرَاءَةِ) إِنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرْسَخٌ فِيهِ نَفْعٌ (٢) . وَأَخْرَجَ الآْجُرِّيُّ فِي حَمَلَةِ الْقُرْآنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَال: لاَ تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقْل (أَيِ التَّمْرِ) وَلاَ تَهُذُّوهُ كَهَذِّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلاَ يَكُونُ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ الإِْفْرَاطِ فِي الإِْسْرَاعِ، قَالُوا: وَقِرَاءَةُ جُزْءٍ بِتَرْتِيلٍ أَفْضَل مِنْ قِرَاءَةِ جُزْأَيْنِ فِي قَدْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِلاَ تَرْتِيلٍ. وَيُسْتَحَبُّ التَّرْتِيل لِلتَّدَبُّرِ، لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الإِْجْلاَل وَالتَّوْقِيرِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي الْقَلْبِ، وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيل لِلأَْعْجَمِيِّ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ مَعْنَى الْقُرْآنِ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ، هَل الأَْفْضَل التَّرْتِيل وَقِلَّةُ الْقِرَاءَةِ، أَمِ السُّرْعَةُ مَعَ كَثْرَتِهَا؟ وَأَحْسَنَ بَعْضُ
_________
(١) حديث أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ. أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٩١ ط السلفية) .
(٢) حديث: قول ابن مسعود هذا كهذ الشعر. عن أبي وائل - شقيق بن سلمة - جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة. فقال: هذا كهذ الشعر. أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٥٥ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٥٦٤ - ط الحلبي) .