الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
إِحْرَامُهُ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، أَوْ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ (١) .
وَالإِْحْرَامُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ (٢) .
تَكْفِينُ الشَّهِيدِ:
١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ - الَّذِي قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ وُجِدَ بِالْمَعْرَكَةِ جَرِيحًا، أَوْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ مَالٌ - يُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ (٣) وَقَدْ رُوِيَ فِي ثِيَابِهِمْ، وَعَنْ عَمَّارٍ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَنَّهُمَا قَالاَ: لاَ تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا. . الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ الْجُلُودُ وَالسِّلاَحُ وَالْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْخُفُّ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ. لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: تُنْزَعُ عَنْهُ الْعِمَامَةُ وَالْخُفَّانِ وَالْقَلَنْسُوَةُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
_________
(١) حديث " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٥٥ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) البدائع ١ / ٣٠٧، ٣٠٨، والخرشي ٢ / ١٢٧ ط دار صادر بيروت، وشرح منح الجليل ١ / ٢٩٨.
(٣) حديث " زملوهم بدمائهم " أخرجه أحمد (٥ / ٤٣١ ط الميمنية) من حديث جابر بن عبد الله. وإسناده صحيح. نصب الراية (٢ / ٣٠٧ ط المجلس العلمي بالهند) .
قَال: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ (١)، وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ الَّتِي أُمِرَ بِنَزْعِهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ، وَلأَِنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ زَمِّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمُ الثِّيَابُ الَّتِي يُكَفَّنُ بِهَا وَتُلْبَسُ لِلسَّتْرِ، وَلأَِنَّ الدَّفْنَ بِالسِّلاَحِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَدْفِنُونَ أَبْطَالَهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الأَْسْلِحَةِ وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ (٢) .
وَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي أَكْفَانِهِمْ أَوْ يُنْقَصُ عَلَى أَنْ لاَ يَخْرُجَ عَنْ كَفَنِ السُّنَّةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابٍ أَنَّ حَمْزَةَ ﵁ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلاَّ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ إِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ وَجُعِل عَلَى قَدَمَيْهِ الإِْذْخِرُ (٣) .
وَذَاكَ زِيَادَةٌ، وَلأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ عَدَدَ السُّنَّةِ مِنْ بَابِ الْكَمَال وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَهُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْوَرَثَةِ لِجَوَازِ أَنْ
_________
(١) حديث " أمر بقتلى أحد أن ينتزع عنهم الحديد. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٤٩٨ تحقيق عزت عبيد دعاس) وضعفه ابن حجر في التلخيص (٢ / ١١٨ ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) بدائع الصنائع ١ / ٣٢٤.
(٣) حديث: " عن خباب أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء. . . " أخرجه أحمد (٥ / ١١١ ط الميمنية) .
يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ مَا يَضُرُّ بِالْوَرَثَةِ تَرْكُهُ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. أَنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ يُدْفَنُ بِثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وُجُوبًا إِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً وَإِلاَّ فَلاَ يُدْفَنُ بِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَسْتُرَهُ كُلَّهُ فَتُمْنَعُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتُرْهُ زِيدَ عَلَيْهَا مَا يَسْتُرُهُ، فَإِنْ وُجِدَ عُرْيَانًا سُتِرَ جَمِيعُ جَسَدِهِ. قَال ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ عَرَّاهُ الْعَدُوُّ فَلاَ رُخْصَةَ فِي تَرْكِ تَكْفِينِهِ بَل ذَلِكَ لاَزِمٌ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ثِيَابِهِ إِذَا كَانَ فِيهَا مَا يُجْزِيهِ فَلاَ بَأْسَ بِهَا، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ نَزْعُ ثِيَابِهِ وَتَكْفِينُهُ بِغَيْرِهَا.
وَيُنْدَبُ دَفْنُهُ بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ (مَا يُحْتَزَمُ بِهِ فِي وَسَطِهِ) إِنْ قَل ثَمَنُهَا وَخَاتَمٌ قَل ثَمَنُهُ، وَلاَ يُدْفَنُ الشَّهِيدُ بِآلَةِ حَرْبٍ قُتِل وَهِيَ مَعَهُ كَدِرْعٍ وَسِلاَحٍ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ (٢): إِنَّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ يَجِبُ دَفْنُهُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِل فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ حَرِيرًا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَيُنْزَعُ السِّلاَحُ وَالْجُلُودُ وَالْفَرْوُ وَالْخُفُّ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ السَّابِقِ، وَلاَ يُزَادُ فِي ثِيَابِ الشَّهِيدِ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهَا، وَلَوْ لَمْ يَحْصُل الْمَسْنُونُ بِهَا لِنَقْصِهَا أَوْ زِيَادَتِهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِمَا، وَجَاءَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ سُلِبَ مَا عَلَى الشَّهِيدِ مِنْ
_________
(١) شرح منح الجليل ١ / ٣١٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٥.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٩٩ - ١٠٠، ومنتهى الإرادات ١ / ١٥٥.
الثِّيَابِ، كُفِّنَ بِغَيْرِهَا وُجُوبًا كَغَيْرِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكَفَّنُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ نَدْبًا فِي ثِيَابِهِ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمِ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ قَال: وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (١) وَالْمُرَادُ ثِيَابُهُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَاعْتَادَ لُبْسَهَا غَالِبًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُلَطَّخَةً بِالدَّمِ، وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَتِهِمْ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَقْتَ اسْتِشْهَادِهِ بَل هُوَ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ كَسَائِرِ الْمَوْتَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا عَلَيْهِ سَابِغًا أَيْ سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ تَمَّمَ وُجُوبًا، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، وَيُنْدَبُ نَزْعُ آلَةِ الْحَرْبِ عَنْهُ كَدِرْعٍ وَخُفٍّ، وَكُل مَا لاَ يُعْتَادُ لُبْسُهُ غَالِبًا كَجِلْدٍ وَفَرْوٍ وَجُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ (٢) .
وَأَمَّا شُهَدَاءُ غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ كَالْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيبِ فَيُكَفَّنُ كَسَائِرِ الْمَوْتَى وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ (٣) .
_________
(١) حديث جابر: رمى رجل بسهم. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٤٩٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) . وقال ابن حجر: " على شرط مسلم ". التلخيص (٢ / ١١٨ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٥١ ط الحلبي، وشرح التحرير بحاشية الشرقاوي ١ / ٣٣٧، وروضة الطالبين ٢ / ١٢٠.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٣٢٤، وشرح منح الجليل ١ / ٣١٢، وكشاف القناع ٢ / ٩٩ - ١٠٠، ومغني المحتاج ١ / ٣٥١.
إِعْدَادُ الْكَفَنِ مُقَدَّمًا:
١٥ - فِي الْبُخَارِيِّ: عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ ﵁: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا. . . فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ فَقَال: أَكْسِنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا. قَال الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ، قَال: إِنِّي وَاَللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَِلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَال سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ (١) . وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ، لِعَدَمِ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ (٢) . وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ. وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُكْرَهَ تَهْيِئَةُ الْكَفَنِ لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ مُتَحَقِّقَةٌ غَالِبًا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُنْدَبُ أَنْ يَعُدَّ لِنَفْسِهِ كَفَنًا لِئَلاَّ يُحَاسَبَ عَلَى اتِّخَاذِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ حَلٍّ أَوْ أَثَرٍ مِنْ ذِي صَلاَحٍ فَحَسُنَ إِعْدَادُهُ، لَكِنْ لاَ يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِيهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ، بَل لِلْوَارِثِ إِبْدَالُهُ. وَلِهَذَا لَوْ نُزِعَتِ الثِّيَابُ الْمُلَطَّخَةُ بِالدَّمِ عَنِ الشَّهِيدِ وَكُفِّنَ فِي غَيْرِهَا جَازَ مَعَ أَنَّ فِيهَا أَثَرَ الْعِبَادَةِ الشَّاهِدَةِ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَهَذَا أَوْلَى.
_________
(١) حديث سهل بن سعد: أن امرأة جاءت النبي ﷺ ببردة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٤٣ ط السلفية) .
(٢) فتح الباري ٣ / ١٤٣، وابن عابدين ١ / ٦٠٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٥٦، والجمل شرح المنهج ٢ / ١٥٦، وشرح التحرير بحاشية الشرقاوي ١ / ٣٣٧، والمجموع ٥ / ٢١١، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٦٧ ط الرياض.
إِعَادَةُ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كُفِّنَ الْمَيِّتُ فَسُرِقَ الْكَفَنُ قَبْل الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ كُفِّنَ كَفَنًا ثَانِيًا مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَال مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَال، لأَِنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَرَّةِ الأُْولَى الْحَاجَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ (١) .
الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ الْكَفَنِ:
١٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى قَطْعِ النَّبَّاشِ إِذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ نَبَشَ قَطَعْنَاهُ (٢) . وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا لأَِنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، وَإِنْ كَانَ الْكَفَنُ زَائِدًا عَلَى كَفَنِ السُّنَّةِ أَوْ دُفِنَ فِي تَابُوتٍ فَسُرِقَ التَّابُوتُ لَمْ يُقْطَعْ، لأَِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي الْكَفَنِ لَمْ يُجْعَل الْقَبْرُ حِرْزًا لَهُ وَكَذَلِكَ التَّابُوتُ
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ قَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ مُطْلَقًا. لِقَوْلِهِ ﷺ لاَ قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَفِي
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٦١، وشرح منح الجليل ١ / ٢٩٤ ط مكتبة النجاح، والمجموع ٥ / ١٥٨، وكشاف القناع ١ / ١٠٨ ط مكتبة النصر الحديثة.
(٢) حديث البراء بن عازب: " من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه. . . " أخرجه البيهقي في المعرفة كما في نصب الراية للزيلعي (٣ / ٣٦٦ ط المجلس العلمي بالهند) ونقل الزيلعي عن ابن عبد الهادي أن في إسناده من يجهل حاله.
وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْل الْمَدِينَةِ (١» وَلأَِنَّ الشُّبْهَةَ تَمَكَّنَتْ فِي الْمِلْكِ لأَِنَّهُ لاَ مِلْكَ لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةً وَلاَ لِلْوَارِثِ لِتَقَدُّمِ حَاجَةِ الْمَيِّتِ، فَتَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ الْمُسْقِطَةُ لِلْقَطْعِ، وَوَافَقَهُمَا الشَّافِعِيَّةُ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مَدْفُونًا فِي بَرِيَّةٍ لِعَدَمِ الْحِرْزِ (٢) .
الْكِتَابَةُ عَلَى الْكَفَنِ:
١٨ - جَاءَ فِي الْجَمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ، لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الأَْسْمَاءِ الْمُعَظَّمَةِ صِيَانَةً لَهَا مِنَ الصَّدِيدِ، وَبِهِ قَال ابْنُ الصَّلاَحِ (٣) .
_________
(١) حديث " لا قطع على المختفى " قال الزيلعي: " غريب " يعني لا أصل له كما نص عليه في مقدمة كتابه نصب الراية (٣ / ٣٦٧ ط المجلس العلمي بالهند) .
(٢) البحر الرائق ٥ / ٦٠، والبناية ٥ / ٥٥٧، والمهذب ٢ / ٢٧٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٢، والمغني ١ / ٢٧٢.
(٣) الجمل على شرح المنهج ٢ / ١٦٢ ط دار إحياء التراث العربي - بيروت لبنان، وقليوبي ١ / ٣٢٩.
تَكْلِيفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّكْلِيفُ لُغَةً: مَصْدَرُ كَلَّفَ. تَقُول: كَلَّفْتُ الرَّجُل: إِذَا أَلْزَمْتُهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ (١) . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا (٢)﴾ . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: طَلَبُ الشَّارِعِ مَا فِيهِ كُلْفَةً مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، وَهَذَا الطَّلَبُ مِنَ الشَّارِعِ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ بِالاِقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْهْلِيَّةُ:
٢ - أَهْلِيَّةُ الإِْنْسَانِ لِلشَّيْءِ صَلاَحِيَّتُهُ لِصُدُورِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَطَلَبُهُ مِنْهُ (٤) .
قَال الأُْصُولِيُّونَ: إِنَّهُ لاَ بُدَّ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ
_________
(١) تاج العروس، مادة: " كلف ".
(٢) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٣) جمع الجوامع ١ / ١٧١، وإرشاد الفحول ص ٦، والتلويح على التوضيح ١ / ١٣.
(٤) كشف الأسرار ٤ / ٢٣٧.
الْمُخَاطَبِ) مِنْ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحُكْمِ (الْخِطَابِ) وَإِنَّهَا لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْل وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ، وَأَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ (١) .
أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ فَعِبَارَةٌ عَنْ صَلاَحِيَّةِ الشَّخْصِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ، بِحَيْثُ تَثْبُتُ لَهُ حُقُوقٌ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ وَالْتِزَامَاتٌ.
وَأَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ صَلاَحِيَّتِهِ لِصُدُورِ الْفِعْل عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا، وَالآْثَارُ الشَّرْعِيَّةُ تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الأَْهْلِيَّةِ (٢)، وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ الأَْهْلِيَّةَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْلِيَّةٌ) .
ب - الذِّمَّةُ:
٣ - الذِّمَّةُ فِي اللُّغَةِ: الْعَهْدُ وَالضَّمَانُ وَالأَْمَانُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: وَصْفٌ يَصِيرُ بِهِ الشَّخْصُ أَهْلًا لِلإِْلْزَامِ وَالاِلْتِزَامِ، وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ تَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى الذِّمَّةِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّكْلِيفِ وَالذِّمَّةِ أَنَّ التَّكْلِيفَ أَعَمُّ، لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ وَالأَْدَاءِ مَعًا (٣) .
_________
(١) كشف الأسرار ٤ / ٢٣٨.
(٢) شرح التلويح على التوضيح ٢ / ١٦٤ وإرشاد الفحول ص ١١.
(٣) الموسوعة الجزء السابع ص ١٥٢ مصطلح (أهلية)، والتلويح على التوضيح ٢ / ١٦١ - ١٦٢.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - أَوْرَدَ عُلَمَاءُ الْفِقْهِ أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ وَالأَْهْلِيَّةِ فِي بَابِ الْحَجْرِ، وَتَكَلَّمَ عَنْهُ عُلَمَاءُ أُصُول الْفِقْهِ فِي بَيَانِ الْحُكْمِ، وَالْحَاكِمِ، وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومِ بِهِ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى يَحْتَاجُ الْبَحْثُ فِيهَا إِلَى ذِكْرِ التَّكْلِيفِ.
وَالتَّكْلِيفُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مِنَ:
الْحَاكِمِ، وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومِ بِهِ: وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:
أ - عَلاَقَةُ التَّكْلِيفِ بِالْحَاكِمِ وَالشَّارِعِ عَلاَقَةُ الْفِعْل (الْمَصْدَرِ) بِفَاعِلِهِ لأَِنَّ التَّكْلِيفَ يَقَعُ مِنَ الْحَاكِمِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا.
ب - صِلَةُ التَّكْلِيفِ بِالْمَحْكُومِ بِهِ: أَوْرَدَ عُلَمَاءُ الأُْصُول أَنَّ الأَْحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ خَمْسَةٌ. قَال الْغَزَالِيُّ: أَقْسَامُ الأَْحْكَامِ الثَّابِتَةِ لأَِفْعَال الْمُكَلَّفِينَ خَمْسَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالْمَحْظُورُ، وَالْمُبَاحُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمَكْرُوهُ.
وَوَجْهُ هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ إِمَّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْل، أَوِ اقْتِضَاءِ التَّرْكِ، أَوِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ، فَإِنْ وَرَدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْل فَهُوَ أَمْرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الإِْشْعَارُ بِعِقَابٍ عَلَى التَّرْكِ فَيَكُونُ وَاجِبًا، أَوْ لاَ يَقْتَرِنُ فَيَكُونُ نَدْبًا. وَاَلَّذِي وَرَدَ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ فَإِنْ أَشْعَرَ بِالْعِقَابِ عَلَى الْفِعْل فَحَظْرٌ، وَإِلاَّ فَكَرَاهِيَةٌ، وَإِنْ وَرَدَ بِالتَّخْيِيرِ فَهُوَ مُبَاحٌ.