الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 47

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

جَعَل الْفُقَهَاءُ فِيهِ التَّعْزِيرَ، فَمَنْ نَسَبَ أَحَدًا إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ قَذَفَهُ بِوَصْفٍ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْكُفْرِ، كَيَا يَهُودِيُّ، وَيَا نَصْرَانِيُّ، وَيَا مَجُوسِيُّ عُزِّرَ (١)، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا قَال الرَّجُل لأَِخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ كَمَا قَال وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ (٢) .

(ثَانِيًا) تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ

أ - الذُّنُوبُ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا كَفَّارَاتٌ مُحَدَّدَةٌ:

٢٢ - أَوْجَبَ الشَّارِعُ عَلَى الإِْنْسَانِ كَفَّارَاتٍ مُحَدَّدَةً لِبَعْضِ الذُّنُوبِ بِمُلاَبَسَتِهِ إِيَّاهَا وَذَلِكَ لِعِظَمِ هَذِهِ الذُّنُوبِ وَخَطَرِهَا، وَالْقَصْدُ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ تَدَارُكُ مَا فَرَّطَ مِنَ التَّقْصِيرِ وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ.

وَهِيَ خَمْسُ كَفَّارَاتٍ: كَفَّارَةُ الْقَتْل، وَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالظِّهَارِ، وَالْحِنْثِ فِي الأَْيْمَانِ، وَفِعْل مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ (٣) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (كَفَّارَةٌ) .

ب - الذُّنُوبُ الَّتِي لَمْ تُشَرَّعْ لَهَا كَفَّارَاتٌ مُحَدَّدَةٌ:

٢٣ - لَمْ يَشْرَعِ الإِْسْلاَمُ كَفَّارَاتٍ مُحَدَّدَةً غَيْرَ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٥٨٢ و٣ / ١٨٣، وحاشية العدوي ١ / ٣٧٣، ومواهب الجليل ٦ / ٣٠٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٤٠، وكشاف القناع ٢ / ١١٧، ١١٨ و٦ / ١١٢.

(٢) حديث: " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به. . . " سبق تخريجه ف ٤.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٣٤٠، حواشي تحفة المحتاج ٩ / ٤٥.

الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى بَعْضِ الأَْعْمَال وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ عُمُومًا كَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ، قَال تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (١)﴾ .

وَقَال ﷺ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى إِنَّهَا لَتُصَفِّقُ (٢) وَلاَ يَنْحَصِرُ تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ فِي اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ بَل هُنَاكَ بَعْضُ الْعِبَادَاتِ تُكَفِّرُهَا أَيْضًا كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْعُمْرَةِ إِلَى الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ الْمَبْرُورِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٣) .

وَذَكَرَ الصَّلاَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْغِيبِ فِي سُنَّةِ الْوُضُوءِ لِيَزِيدَ ثَوَابُهُ، وَإِلاَّ فَالتَّكْفِيرُ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الصَّلاَةِ كَمَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا الْوُضُوءُ

_________

(١) سورة النساء / ٣١.

(٢) حديث: " ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس. . . " أخرجه البيهقي في سننه (١٠ / ١٨٧ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وفي إسناده جهالة أحد رواته، وهو صهيب العتواري (الميزان للذهبي ٢ / ٣٢١ ط الحلبي) .

(٣) حديث: " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٥٩ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٠٥ ط الحلبي) من حديث عثمان عفان.

يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ ثُمَّ تَصِيرُ الصَّلاَةُ نَافِلَةً (١) . وَقَال ﷺ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ (٢) وَقَال ﷺ: الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ (٣) .

وَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا كَفَّرَ الْوُضُوءُ لَمْ يَجِدِ الصَّوْمُ مَا يُكَفِّرُهُ، وَهَكَذَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الذُّنُوبَ كَالأَْمْرَاضِ، وَالطَّاعَاتِ كَالأَْدْوِيَةِ، فَكَمَا أَنَّ لِكُل نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الأَْمْرَاضِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الأَْدْوِيَةِ لاَ يَنْفَعُ فِيهِ غَيْرُهُ، كَذَلِكَ الطَّاعَاتُ مَعَ الذُّنُوبِ، وَيَدُل عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لاَ يُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَلاَ الصِّيَامُ وَلاَ الْحَجُّ وَلاَ الْعُمْرَةُ، قَالُوا فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ (٤) .

_________

(١) حديث: " الوضوء يكفر ما قبله ثم تصير الصلاة نافلة " أخرجه أحمد (٥ / ٢٥١ ط الميمنية) من حديث أبي أمامة، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب (١ / ١٣٠ ط مطبعة السعادة) .

(٢) حديث: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر ". أخرجه مسلم (١ / ٢٠٩ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٣) حديث: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٩٧ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٨٣ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٤) حديث: " إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة. قالوا: فما. . . " أخرجه الطبراني في الأوسط وحكم عليه الذهبي بالوضع وتبعه ابن حجر في لسان الميزان (٥ / ١٨٣ ط دائرة المعارف العثمانية) .

وَهَذَا كُلُّهُ فِي الذُّنُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ فَلاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ الْمُقَاصَّةِ (١) .

_________

(١) شرح جوهرة التوحيد ص ١٧٤، ١٧٥.

تَكْفِينٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّكْفِينُ: مَصْدَرُ كَفَّنَ، وَمِثْلُهُ الْكَفَنُ، وَمَعْنَاهُمَا فِي اللُّغَةِ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ.

وَمِنْهُ: سُمِّيَ كَفَنُ الْمَيِّتِ، لأَِنَّهُ يَسْتُرُهُ (١)

وَمِنْهُ: تَكْفِينُ الْمَيِّتِ أَيْ لَفُّهُ بِالْكَفَنِ (٢)

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَكْفِينَ الْمَيِّتِ بِمَا يَسْتُرُهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (٣)، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ (٤) . وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ خَبَّابٍ ﵁

_________

(١) لسان العرب مادة: " كفن ".

(٢) فتح القدير ١ / ٤٥٢ ط الأميرية ببولاق، ومجمع الأنهر ١ / ١٨١ ط دار السعادة

(٣) شرح فتح القدير ١ / ٤٥٢، وحاشية الرهوني ٢ / ٢٠٩ ط الأميرية ببولاق، والمجموع ٥ / ١٤٠ ط المنيرية، وكشاف القناع ٢ / ١٠٣ ط عالم الكتب، والبخاري ٢ / ٩٣ ط محمد علي صبيح.

(٤) حديث " ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٢٠٩ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث ابن عباس. وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٢ / ٦٩ ط شركة الطباعة الفنية) .

قَال: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يُهْدِيهَا قُتِل يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَّ بُرْدَةً، إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَل عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِْذْخِرِ (١)

صِفَةُ الْكَفَنِ:

٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُكَفَّنُ - بَعْدَ طُهْرِهِ - بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ فِي حَال الْحَيَاةِ، فَيُكَفَّنُ فِي الْجَائِزِ مِنَ اللِّبَاسِ.

وَلاَ يَجُوزُ تَكْفِينُ الرَّجُل بِالْحَرِيرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجُوزُ تَكْفِينُهَا فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لأَِنَّ فِيهِ سَرَفًا وَيُشْبِهُ إِضَاعَةَ الْمَال، بِخِلاَفِ لُبْسِهَا إِيَّاهُ فِي الْحَيَاةِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ شَرْعًا.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَحْرُمُ التَّكْفِينُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ

_________

(١) حديث خباب: " هاجرنا مع رسول الله ﷺ. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٤٢ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٦٤٩ ط عيسى الحلبي) .

الضَّرُورَةِ ذَكَرًا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ أُنْثَى؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ الْحَرِيرُ لِلْمَرْأَةِ حَال الْحَيَاةِ، لأَِنَّهَا مَحَل زِينَةٍ وَقَدْ زَال بِمَوْتِهَا (١) .

وَيُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الْكَفَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي مَلْبُوسِ مِثْلِهِ فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ مَا لَمْ يُوصِ بِأَدْنَى مِنْهُ، فَتُتَّبَعُ وَصِيَّتُهُ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ (٢) .

وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَيَجِبُ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ فِي مَلْبُوسِ مِثْلِهِ فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ إِذَا لَمْ يُوصِ بِدُونِهِ، لأَِمْرِ الشَّارِعِ بِتَحْسِينِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الأَْكْفَانِ الْمُبَاحَةِ حَال الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَأَوْسَطُهَا، وَإِنْ كَانَ مُقِلًّا فَخَشِنُهَا.

وَتُجْزِئُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْقُمَاشِ، وَالْخَلِقُ إِذَا غُسِل وَالْجَدِيدُ سَوَاءٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَال: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا فَإِنَّهُمَا لِلْمُهْل وَالصَّدِيدِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ٣٠٧ ط دار الكتاب العربي، والمجموع ٥ / ١٤٨ ط المنيرية، وروضة الطالبين ٢ / ١٠٩ ط المكتب الإسلامي، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٣٦ ط دار الفكر، والدسوقي ١ / ٤١٣ ط عيسى الحلبي، وكشاف القناع ٢ / ١٠٤ ط عالم الكتب، والإنصاف ٢ / ٥٠٧.

(٢) حديث: " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه " أخرجه مسلم (٢ / ٦٥١ ط عيسى الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.

وَالأَْفْضَل أَنْ يَكُونَ التَّكْفِينُ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ (١) .

وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَفَنِ أَلاَّ يَصِفَ الْبَشَرَةَ، لأَِنَّ مَا يَصِفُهَا غَيْرُ سَاتِرٍ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَيُكْرَهُ إِذَا كَانَ يَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ، وَإِنْ لَمْ يَصِفِ الْبَشَرَةَ (٢) .

وَتُكْرَهُ الْمُغَالاَةُ فِي الْكَفَنِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلَبًا سَرِيعًا (٣) .

كَمَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ بِمُزَعْفَرٍ، وَمُعَصْفَرٍ، وَشَعْرٍ، وَصُوفٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ، لأَِنَّهُ خِلاَفُ فِعْل السَّلَفِ.

وَيَحْرُمُ التَّكْفِينُ بِالْجُلُودِ لأَِمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَزْعِ الْجُلُودِ عَنِ الشُّهَدَاءِ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ (٤) .

_________

(١) حديث: " ألبسوا من ثيابكم البياض. . . " سبق تخريجه ف ٢.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ٣٠٧، والمجموع ٥ / ١٤٧، والشرح الصغير ١ / ٥٤٩ ط دار المعارف بمصر، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٦٤ ط الرياض، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤٧ ط المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع ٢ / ١٠٣، وروضة الطالبين ٢ / ١٠٩.

(٣) حديث: " لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا " أخرجه أبو داود (٣ / ٥٠٨ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب. وفيه انقطاع بين الشعبي وعلي، والتلخيص لابن حجر (٢ / ١٠٩ ط شركة الطباعة الفنية) .

(٤) حديث: " أمر بنزع الجلود عن الشهداء، وأن يدفنوا في ثيابهم ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٩٨ تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث ابن عباس وضعفه ابن حجر في التلخيص (٢ / ١١٨ ط شركة الطباعة الفنية) .

وَلاَ يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي مُتَنَجِّسٍ نَجَاسَةً لاَ يُعْفَى عَنْهَا وَإِنْ جَازَ لَهُ لُبْسُهُ خَارِجَ الصَّلاَةِ مَعَ وُجُودِ طَاهِرٍ، وَلَوْ كَانَ الطَّاهِرُ حَرِيرًا (١) .

أَنْوَاعُ الْكَفَنِ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَفَنَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

١ - كَفَنُ السُّنَّةِ.

٢ - كَفَنُ الْكِفَايَةِ.

٣ - كَفَنُ الضَّرُورَةِ.

٤ - أ - كَفَنُ السُّنَّةِ: هُوَ أَكْمَل الأَْكْفَانِ، وَهُوَ لِلرَّجُل ثَلاَثَةُ أَثْوَابٍ: إِزَارٌ وَقَمِيصٌ وَلِفَافَةُ، وَالْقَمِيصُ مِنْ أَصْل الْعُنُقِ إِلَى الْقَدَمَيْنِ بِلاَ دِخْرِيصٍ (٢) وَلاَ أَكْمَامٍ. وَالإِْزَارُ لِلْمَيِّتِ مِنْ أَعْلَى الرَّأْسِ إِلَى الْقَدَمِ بِخِلاَفِ إِزَارِ الْحَيِّ وَاللِّفَافَةُ كَذَلِكَ. لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، فَإِنَّهُ قَال:

_________

(١) حاشية الطحطاوي ٣١٥ ط دار الإيمان، وحاشية أبي السعود على شرح الكنز ١ / ٣٤٨ ط الأولى، والمجموع ٥ / ١٤٨، ١٤٩، وكتاب الفروع ٢ / ٢٢٢ - ٢٢٥ ط عالم الكتب، وحاشية الرهوني ٢ / ٢١٢، والمغني ٢ / ٤٦٤، ومغني المحتاج ١ / ٣٣٧ ص مصطفى الحلبي، والجمل على شرح المنهج ١ / ١٥٧ ط دار إحياء التراث العربي، وكشاف القناع ٢ / ١٠٤.

(٢) الدخريص - ويسمى البنيقة - هو قطعة تضاف إلى الثوب ليتسع (لسان العرب مادة: بنق)

كُفِّنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَلِفَافَةٌ (١) .

وَلِلْمَرْأَةِ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ: قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ وَخِرْقَةٌ تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا، لِحَدِيثِ أُمِّ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَاوَل اللَّوَاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ فِي كَفَنِهَا ثَوْبًا ثَوْبًا حَتَّى نَاوَلَهُنَّ خَمْسَةَ أَثْوَابٍ (٢)، وَلأَِنَّهَا تَخْرُجُ فِيهَا حَالَةَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ (٣) .

٥ - ب - كَفَنُ الْكِفَايَةِ: هُوَ أَدْنَى مَا يُلْبَسُ حَال الْحَيَاةِ، وَهُوَ ثَوْبَانِ لِلرَّجُل فِي الأَْصَحِّ، لِقَوْل أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أُصَلِّي فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُمَا، فَإِنَّهُمَا لِلْمُهْل وَالتُّرَابِ

وَلأَِنَّ أَدْنَى مَا يَلْبَسُهُ الرَّجُل فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ ثَوْبَانِ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِمَا، وَيُصَلِّيَ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفَّنَ فِيهِمَا أَيْضًا.

_________

(١) حديث جابر بن سمرة: " كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب ". أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٧ / ٢٥١١ ط دار الفكر) ونقل الزيلعي عنه تضعفه له. نصب الراية (٢ / ٢٦١ ط المجلس العلمي بالهند) .

(٢) حديث ليلى بنت قانف الثقفية: ناول النبي ﷺ اللواتي غسلن ابنته. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٥٠٩ تحقيق عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة (نصب الراية للزيلعي ٢ / ٢٦٤ ط المجلس العلمي بالهند)

(٣) البدائع ١ / ٣٠٧، وفتح القدير ١ / ٤٥٤ ط بولاق.