الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 46

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ " إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ (١) فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي سُكْرِهِ وَاعْتَبَرُوا مَظِنَّتَهَا، وَلأَِنَّهُ يَصِحُّ طَلاَقُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ فَتَصِحُّ رِدَّتُهُ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ السَّكْرَانِ مُطْلَقًا (٢) .

بِمَ يَكُونُ التَّكْفِيرُ:

أ - التَّكْفِيرُ بِالاِعْتِقَادِ:

٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بَاطِنًا، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِهِ.

وَمَنْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَل، أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ حَالًا لاِنْتِفَاءِ التَّصْدِيقِ بِعَزْمِهِ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إِلَيْهِ بِالتَّرَدُّدِ فِي الْكُفْرِ. وَلاَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ إِلاَّ إِذَا صَرَّحَ بِالْكُفْرِ أَيْضًا (٣) .

ب - التَّكْفِيرُ بِالْقَوْل:

٩ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ قَوْلٌ

_________

(١) حديث: " قول علي: إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٨٤٢ ط الحلبي) وأعله ابن حجر بالانقطاع. (التلخيص الحبير ٤ / ٧٥ ط شركة الطباعة الفنية) .

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٥، ٣٠٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٨، ٣١٠، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٧، وكشاف القناع ٦ / ١٦٨، ١٧٤ وما بعدها.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠١، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٤، ١٣٦، وكشاف القناع ٦ / ١٦٧.

مُكَفِّرٌ، سَوَاءٌ أَقَالَهُ اسْتِهْزَاءً، أَمْ عِنَادًا، أَمِ اعْتِقَادًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (١)﴾ .

وَهَذِهِ الأَْلْفَاظُ الْمُكَفِّرَةُ قَدْ تَكُونُ صَرِيحَةً كَقَوْلِهِ: أُشْرِكُ أَوْ أَكْفُرُ بِاَللَّهِ، أَوْ غَيْرَ صَرِيحَةٍ كَقَوْلِهِ: اللَّهُ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ أَوْ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، أَوْ جَحَدَ حُكْمًا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَحُرْمَةِ الزِّنَى.

وَأَمَّا مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَوْ دَهَشٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْل مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، فَقَال غَلَطًا: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَال مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ (٢) .

_________

(١) سورة التوبة / ٦٦.

(٢) حديث: " لله أشد فرحا بتوبة عبده. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢١٠٤ - ٢١٠٥ ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك

أَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفُرُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ (١)﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (&# x٦٦٢ ;) .

تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ ﷿:

١٠ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الذَّاتَ الْمُقَدَّسَةَ الْعَلِيَّةَ أَوِ اسْتَخَفَّ بِهَا أَوِ اسْتَهْزَأَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٣)﴾

وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول تَوْبَتِهِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى قَبُولِهَا.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ قَبُولِهَا، وَيُقْتَل بِكُل حَالٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ ذَنْبَهُ عَظِيمٌ جِدًّا يَدُل عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلآْخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي تَوْبَتِهِ قُبِلَتْ بَاطِنًا وَنَفَعَهُ ذَلِكَ (٤) .

_________

(١) سورة النحل / ١٠٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠١، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٤، وكشاف القناع ٦ / ١٦٨، وشرح العقائد للتفتازاني ص ١٩٠. وحديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩ ط الحلبي) من حديث ابن عباس. وأعل البوصيري إسناده بالانقطاع، ولكن قواه السخاوي لطرقه. كما في المقاصد الحسنة (ص ٢٣٠ ط الخانجي) .

(٣) سورة التوبة / ٦٦.

(٤) ابن عابدين ٣ / ٢٩٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣١٢، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٦٦، وكشاف القناع ٦ / ١٧٧، ١٧٨، وشرح العقائد للتفتازاني ١٩١.

تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ الأَْنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:

١١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا مِنَ الأَْنْبِيَاءِ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ، أَوْ تَنَقَّصَهُ، أَوْ نَسَبَ إِلَيْهِ مَا لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ، كَعَدَمِ الصِّدْقِ وَالتَّبْلِيغِ، وَالسَّابُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُقْتَل حَدًّا. وَإِنْ تَابَ. وَلاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ.

وَسَبُّ الْمَلاَئِكَةِ كَسَبِّ الأَْنْبِيَاءِ، وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِالنَّبِيِّ أَوِ الْمَلَكِ الْمُجْمَعِ عَلَى كَوْنِهِ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا، فَإِنْ سَبَّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى كَوْنِهِ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا كَالْخَضِرِ وَهَارُوتَ وَمَارُوتَ لَمْ يَكْفُرْ، وَأَدَّبَهُ الْحَاكِمُ اجْتِهَادًا (١) .

تَكْفِيرُ مُكَفِّرِ الصَّحَابَةِ:

١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّرَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ؛ لأَِنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَكَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ ﵂ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ، أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ كَفَرَ، لأَِنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ. وَأَمَّا مَنْ كَفَّرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ دُونَ بَعْضٍ،

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٠، وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٩، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٦٤، وكشاف القناع ٦ / ١٦٨، ١٧٧، والإنصاف ١٠ / ٣٣٢.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى عَدَمِ كُفْرِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَبَعْضُ أَهْل الْحَدِيثِ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ وَتُطَبَّقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ.

قَال الْمِرْدَاوِيُّ فِي الإِْنْصَافِ - وَهُوَ الصَّوَابُ - وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَنَصَّ صَاحِبُ الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَّرَ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الأَْرْبَعَةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ (١) .

تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ:

١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ أَحَدَ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَتَوَقَّفَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي كُفْرِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَال: يُعَاقَبُ وَيُجْلَدُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِلاَّ فُسِّقَ. وَنَقَل ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ فِيمَنْ شَتَمَ صَحَابِيًّا قَوْلُهُ: الْقَتْل أَجْبُنُ عَنْهُ، وَيُضْرَبُ، مَا أَرَاهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي تَكْفِيرِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٣، ٢٩٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣١٢، والفواكه الدواني ٢ / ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٩٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٦٤، ٧٠، وكشاف القناع ٦ / ١٦١، ١٧٠، ١٧٢، والإنصاف ١٠ / ٣٢٣، وشرح العقائد للتفتازاني ١٩٠.

مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ ﵄، وَمِمَّنْ قَال بِتَكْفِيرِهِ كَذَلِكَ الدَّبُوسِيُّ، وَأَبُو اللَّيْثِ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الأَْشْبَاهِ.

قَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ فِي الإِْفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ، رِعَايَةً لِجَانِبِ حَضْرَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ وَهَذَا خِلاَفُ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ (١) .

تَكْفِيرُ مُنْكِرِ الإِْجْمَاعِ:

١٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ حُكْمًا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ.

وَأَمَّا مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، كَوُجُوبِ إِعْطَاءِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الاِبْنِ مَعَ وُجُودِ الْبِنْتِ فَلاَ تَكْفِيرَ لِمُنْكِرِهِ.

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَشْرِطُوا لِلتَّكْفِيرِ سِوَى قَطْعِيَّةِ الثُّبُوتِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا بِتَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ اسْتِحْقَاقَ بِنْتِ الاِبْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ فِي ظَاهِرِ كَلاَمِهِمْ (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٣، ٢٩٤، حاشية الدسوقي ٤ / ٣١٢، وحواشي تحفة المحتاج ٩ / ٨٩، وكشاف القناع ٦ / ١٧٢، والإنصاف ١٠ / ٣٢٤، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٨٩، ١٩٠ ط دار الهلال.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٣، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٥، وقليوبي وعميرة ٤ / ١٧٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٦٥، وكشاف القناع ٦ / ١٧٢، ١٧٣.

ج - التَّكْفِيرُ بِالْعَمَل: ١٥ - نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَفْعَالٍ لَوْ فَعَلَهَا الْمُكَلَّفُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِهَا، وَهِيَ كُل مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صَرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ، كَالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَْفْعَال تَدُل عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، وَكَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي قَاذُورَةٍ، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا، لأَِنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّكْذِيبِ، وَلأَِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الاِسْتِخْفَافِ بِكَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالاِسْتِخْفَافُ بِالْكَلاَمِ اسْتِخْفَافٌ بِالْمُتَكَلِّمِ.

وَقَدْ أَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلْقَاءَ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِهِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْكُفْرِ مِنْ لُبْسِ غِيَارٍ، وَشَدِّ زُنَّارٍ، وَتَعْلِيقِ صَلِيبٍ. وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا إِذَا فَعَلَهُ حُبًّا فِيهِ وَمَيْلًا لأَِهْلِهِ، وَأَمَّا إِنْ لَبِسَهُ لَعِبًا فَحَرَامٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ (١) .

تَكْفِيرُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ:

١٦ - مَذْهَبُ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَدَمُ تَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَعَدَمُ تَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ إِذَا مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٤، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٠١، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٦، وحواشي تحفة المحتاج ٩ / ٩٠ وما بعدها، وروضة الطالبين ١٠ / ٦٩، وكشاف القناع ٦ / ١٦٩، وشرح العقائد للتفتازاني ١٤٢، ١٥٣.

إِيمَانٍ (١) . فَلَوْ كَانَ مُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ يَكْفُرُ بِكَبِيرَتِهِ لَمَا سَمَّاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُؤْمِنًا (٢) .

تَكْفِيرُ السَّاحِرِ:

١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنِ اعْتَقَدَ إِبَاحَةَ السِّحْرِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ مَنْ تَعَلَّمَهُ أَوْ عَمِلَهُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ بِمُجَرَّدِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَعَمَلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ اعْتِقَادٌ أَوْ عَمَل مَا هُوَ مُكَفِّرٌ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَكْفِيرِهِ مُطْلَقًا، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَنِسْبَةِ الْكَائِنَاتِ وَالْمَقَادِيرِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ، وَلاَ يُسْتَتَابُ لِعَمَل السِّحْرِ، لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ، لاَ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اعْتِقَادِهِ مَا يُوجِبُ كُفْرَهُ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ (٣) فَسَمَّاهُ حَدًّا، وَالْحَدُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.

_________

(١) حديث: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٤٧٣، ٤٧٤ ط السلفية) من حديث أنس بن مالك.

(٢) شرح العقيدة الطحاوية ٣٥٥ وما بعدها، ٤١٦، وما بعدها، وشرح العقائد للتفتازاني ١٤٠ وما بعدها.

(٣) حديث: " حد الساحر ضربة بالسيف ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٠ ط الحلبي) من حديث جندب بن جنادة، ثم قال: " هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوفا.

وَقَصَرَهُ الْحَنَابِلَةُ عَلَى السَّاحِرِ الَّذِي يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُقْتَل إِنْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ مَا لَمْ يَتُبْ، فَإِنْ كَانَ يَسُرُّهُ قُتِل مُطْلَقًا، وَلاَ تُقْبَل لَهُ تَوْبَةٌ (١) .

آثَارُ التَّكْفِيرِ:

١٨ - يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّكْفِيرِ آثَارٌ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُكَفِّرِ وَالْمُكَفَّرِ فَآثَارُهُ عَلَى الْمُكَفَّرِ إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ هِيَ:

أ - حُبُوطُ الْعَمَل:

١٩ - إِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ وَاسْتَمَرَّ كَافِرًا حَتَّى مَوْتِهِ كَانَتْ رِدَّتُهُ مُحْبِطَةً لِلْعَمَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ (٢)﴾ .

فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ وَمَا بَقِيَ سَبَبُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ لأَِنَّهُ بِالرِّدَّةِ صَارَ كَالْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ فَإِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ غَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ. وَلأَِنَّ وَقْتَهُ مُتَّسِعٌ إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِخِطَابٍ مُبْتَدَأٍ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ لِلأَْوْقَاتِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٥ وما بعدها، حاشية الدسوقي ٤ / ٣٠٢، وشرح روض الطالب ٤ / ١١٧، وكشاف القناع ٦ / ١٧٧، والإنصاف ١٠ / ٣٤٩ وما بعدها.

(٢) سورة البقرة / ٢١٧.

الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَلأَِنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ الْمُكَرَّمُ وَهُوَ بَاقٍ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَدَّاهَا، لِخُرُوجِ سَبَبِهَا.

وَمَا بَقِيَ سَبَبُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ فِي الْوَقْتِ يُعِيدُ الظُّهْرَ لِبَقَاءِ السَّبَبِ وَهُوَ الْوَقْتُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ عِبَادَاتِهِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي إِسْلاَمِهِ مِنْ صَلاَةٍ وَحَجٍّ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا فَلاَ تَعُودُ إِلَى ذِمَّتِهِ، كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ. وَالْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حُبُوطُ ثَوَابِ الأَْعْمَال لاَ نَفْسُ الأَْعْمَال (١) .

ب - الْقَتْل:

٢٠ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَحَوَّل عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ إِلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّةٌ) .

آثَارُ التَّكْفِيرِ عَلَى الْمُكَفِّرِ:

٢١ - لَمَّا كَانَ التَّكْفِيرُ مِنَ الأُْمُورِ الْخَطِيرَةِ فَقَدْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٣، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ٢ / ٤٨٠، ومواهب الجليل ٦ / ٢٨٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٣، وكشاف القناع ٦ / ١٨١.

(٢) حديث: " من بدل دينه فاقتلوه " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٦٧ ط السلفية) من حديث عبد الله بن عباس.