الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

فَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، كَتَكْرَارِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) . وَقَال إِسْحَاقُ: لاَ يَخْرُجُ النَّاسُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً (٢) . وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا (٣) . وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا: كَتَكْرَارِ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلاَثًا عِنْدَ النُّكُول (٤) .

وَقَدْ يَكُونُ سُنَّةً: كَتَكْرَارِ الْغُسْل فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٥) . وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَمُسْتَحَبٌّ (٦) .

وَكَذَلِكَ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٧) . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٨) .

وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ فَلاَ يُسَنُّ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِهِ سَالِمٍ،

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٥٦٧، والحطاب ٢ / ٢٠٥، وروضة الطالبين ٢ / ٩٠، ٩١، والمغني ٢ / ٤٣٩، ونيل المآرب ١ / ٢١٣.

(٢) المغني ٢ / ٤٣٩.

(٣) روضة الطالبين ٢ / ٩١.

(٤) فتح القدير ٧ / ١٦٧، ١٦٨، والقليوبي ٤ / ٣٤٢، والمغني ٩ / ٢٣٦.

(٥) فتح القدير ١ / ٢٧، ٥١، والقليوبي ١ / ٥٣، ٦٧، والمغني ١ / ١٣٩، ٢١٧.

(٦) القوانين الفقهية لابن جزي ٢٨، ٣١.

(٧) القليوبي ١ / ٥٣.

(٨) المغني ١ / ١٢٧.

وَالنَّخَعِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَلْحَةَ بْنِ مُصْرِفٍ، وَالْحَكَمِ، وَقَال التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (١) .

وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا: كَتَكْرَارِ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ بِتَكْرِيرِ تِلاَوَةِ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَصْل الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِتَكْرِيرِ السَّجْدَةِ إِنْ كَرَّرَ مُوجِبَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلسُّجُودِ إِلاَّ الْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ كَرَّرَ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ (٣)، وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ - يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى (سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ) .

وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا: كَتَكْرَارِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٤)، أَوْ غَيْرُ جَائِزٍ كَتَكْرَارِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (٥) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجِبُ تَكْرَارُهُ، بَل لاَ يُسَنُّ (٦) .

_________

(١) فتح القدير ١ / ٣٠، والقوانين الفقهية ٢٧، والمغني ١ / ١٢٧، وكشاف القناع ١ / ١١٨.

(٢) كشاف القناع ١ / ٤٤٩، وشرح الزرقاني ١ / ٢٧٧، و٢٧٨.

(٣) فتح القدير ١ / ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٧٥، وروضة الطالبين ١ / ٣٢٠.

(٤) القليوبي ١ / ٦٠.

(٥) فتح القدير ١ / ١٣١، والحطاب ١ / ٣٦١.

(٦) كشاف القناع ١ / ١١٨.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّكْرَارِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ فِي مَسَائِل، وَاخْتَلَفُوا فِي أُخْرَى.

فَمِنَ الْمَسَائِل الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا:

٤ - عَدَمُ جَوَازِ تَكْرَارِ سُجُودِ السَّهْوِ (١)، وَعَدَمُ تَكْرَارِ الْحَجِّ وُجُوبًا؛ لأَِنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ، وَأَنَّهُ لاَ يَتَعَدَّدُ، فَلاَ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ (٢) . وَعَدَمُ جَوَازِ تَكْرَارِ الْحَدِّ، فَإِنَّ مَنْ كَرَّرَ جَرَائِمَ السَّرِقَةِ، أَوِ الزِّنَى، أَوِ الشُّرْبِ، أَوِ الْقَذْفِ، قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُحَدُّ حَدًّا ثَانِيًا (٣) .

وَمِنَ الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا:

٥ - تَكْرَارُ السَّرِقَةِ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ " سَرِقَةٌ " وَإِلَى مَوْطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٤) . وَتَكْرَارُ صَلاَةِ الْكُسُوفِ (٥) وَقَبُول تَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ

_________

(١) فتح القدير ١ / ٤٣٦، وشرح الزرقاني ١ / ٢٣٣، وروضة الطالبين ١ / ٣١٠، والمغني ٢ / ٣٩.

(٢) فتح القدير ٢ / ٣٢٢، ٣٢٣، والقوانين الفقهية لابن جزي ١٣٢، والقليوبي ٢ / ٨٤، والمغني ٣ / ٢١٧.

(٣) ابن عابدين ٣ / ١٧٢، ١٧٤، ٢٠٧، والحطاب ٦ / ٣١٣، ٣٠١، والقوانين الفقهية لابن جزي ٣٦٢، وروضة الطالبين ١٠ / ١٥١، والمغني ٨ / ٢٣٥.

(٤) ابن عابدين ٣ / ٢٠٦، والقوانين الفقهية لابن جزي ٣٦٥، وروضة الطالبين ١٠ / ١٤٩، والمغني ٨ / ٢٦٤.

(٥) ابن عابدين ١ / ٥٦٥، والحطاب ٢ / ٢٠٤، وروضة الطالبين ٢ / ٨٣، ونيل المآرب ١ / ٢١٠.

- وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحَيْ (صَلاَةُ الْكُسُوفِ، وَتَوْبَةٌ) وَمَوَاطِنِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١) .

وَمِنْهَا تَكْرِيرُ الإِْقْرَارِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا زُفَرَ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ تَكْرِيرُ الإِْقْرَارِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى تَكْرِيرَ الاِعْتِرَافِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَيْضًا (٢) .

وَفِي تَكْرَارِ الطَّلاَقِ لِمَدْخُولٍ بِهَا وَغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَتَكْرَارُ الطَّلاَقِ مَعَ الْعَطْفِ وَعَدَمِهِ، وَتَكْرَارُ يَمِينِ الإِْيلاَءِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَتَكْرَارُ الظِّهَارِ وَأَثَرُهُ فِي تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، وَتَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ، خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ) الْمَوْسُوعَةِ ٢ ٢٣، ٢٤ وَمَوَاطِنِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٣) . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ اقْتِضَاءِ الأَْمْرِ الْخَالِي عَنِ الْقَرَائِنِ - التَّكْرَارِ أَمْ لاَ؟ فَمَوْطِنُ تَفْصِيلِهَا الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

_________

(١) المغني ٨ / ١٢٦، وروضة الطالبين ١٠ / ٧٥، ٧٦.

(٢) ابن عابدين ٣ / ١٩٤، والقوانين الفقهية لابن جزي ٣٦٦، وروضة الطالبين ١٠ / ١٤٣، والمغني ٨ / ٢٧٩.

(٣) ابن عابدين ٢ / ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٦٠، والحطاب ٤ / ٣٩، ١٢٢، وروضة الطالبين ٨ / ٢٧٥، والمغني ٧ / ٢٣٠، ٣٥٧، ٣٥٨، والقوانين الفقهية لابن جزي ٢٣١.

تَكْفِيرٌ

التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي التَّكْفِيرِ فِي اللُّغَةِ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ وَهُوَ أَصْل الْبَابِ.

تَقُول الْعَرَبُ لِلزَّرَّاعِ: كَافِرٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَثَل غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ (١)﴾

وَأَيْضًا يُقَال: التَّكْفِيرُ فِي الْمُحَارِبِ: إِذَا تَكَفَّرَ فِي سِلاَحِهِ، وَالتَّكْفِيرُ أَيْضًا: هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الإِْنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنَ الرُّكُوعِ، كَمَا يَفْعَل مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي مَعْشَرٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّكْفِيرَ فِي الصَّلاَةِ (٢) أَيِ الاِنْحِنَاءَ الْكَثِيرَ فِي حَال الْقِيَامِ.

وَالْكُفْرُ فِي الشَّرْعِ: نَقِيضُ الإِْيمَانِ، وَهُوَ الْجُحُودُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٣)﴾ أَيْ جَاحِدُونَ.

وَهُوَ بِهَذَا لاَ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، لأَِنَّ

_________

(١) سورة الحديد / ٢٠.

(٢) حديث: " كان يكره التكفير في الصلاة " ذكره ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٤ / ١٨٨ ط الحلبي) ولم نعثر على من أخرجه.

(٣) سورة القصص / ٤٨.

الْكَافِرَ ذُو كُفْرٍ، أَيْ ذُو تَغْطِيَةٍ لِقَلْبِهِ بِكُفْرِهِ، قَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الْكُفْرُ شَرْعًا: تَكْذِيبُهُ ﷺ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً.

وَالتَّكْفِيرُ: هُوَ نِسْبَةُ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْقِبْلَةِ إِلَى الْكُفْرِ. وَتَكْفِيرُ الذُّنُوبِ مَحْوُهَا بِفِعْل الْحَسَنَاتِ وَنَحْوِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (١)﴾ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.

وَالتَّكْفِيرُ عَنِ الْيَمِينِ: هُوَ فِعْل مَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ فِيهَا (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّشْرِيكُ:

٢ - التَّشْرِيكُ: مَصْدَرُ شَرَّكَ، يُقَال: شَرَّكْتُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَال تَشْرِيكًا، وَشَرَّكَ النَّعْل: جَعَل لَهَا شِرَاكًا.

وَشَرْعًا: أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ شَرِيكًا فِي مُلْكِهِ أَوْ رُبُوبِيَّتِهِ.

قَال تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عَبْدِهِ لُقْمَانَ أَنَّهُ قَال لاِبْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاَللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٣)﴾

وَالْكُفْرُ أَعَمُّ مِنَ الشِّرْكِ فَهُوَ أَحَدُ أَفْرَادِهِ (٤) .

_________

(١) سورة هود / ١١٤.

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " كفر ". والكليات ٤ / ٧٤، وابن عابدين ٣ / ٢٨٤.

(٣) سورة لقمان / ١٣.

(٤) لسان العرب، والمصباح المنير، والمغرب، مادة: " شرك ".

وَالتَّشْرِيكُ أَيْضًا: بَيْعُ بَعْضِ مَا اشْتَرَى بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَهُوَ التَّوْلِيَةُ بِجُزْءِ السِّلْعَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْبَحْثِ هُوَ الْمَعْنَى الأَْوَّل.

ب - التَّفْسِيقُ:

٣ - التَّفْسِيقُ: تَفْعِيلٌ مِنَ الْفِسْقِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ عَنِ الأَْمْرِ، وَيُقَال: أَصْلُهُ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ، يُقَال: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا، وَكَأَنَّ الْفَأْرَةَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحْرِهَا عَلَى النَّاسِ. وَهُوَ شَرْعًا: الْعِصْيَانُ وَالتَّرْكُ لأَِمْرِ اللَّهِ ﷿ وَالْخُرُوجُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (١)﴾ أَيْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ. وَقَدْ يَكُونُ الْفِسْقُ شِرْكًا، أَوْ كُفْرًا، أَوْ إِثْمًا (٢) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّكْفِيرِ:

(أَوَّلًا) تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ

٤ - الأَْصْل بَقَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَى إِسْلاَمِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيل عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ، لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَل

_________

(١) سورة الكهف / ٥٠.

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمغرب، مادة: " فسق "، والكليات ٣ / ٣١٧.

قِبْلَتَنَا، وَأَكَل ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا (١) .

وَيَجِبُ قَبْل تَكْفِيرِ أَيِّ مُسْلِمٍ النَّظَرُ وَالتَّفَحُّصُ فِيمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَلَيْسَ كُل قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَاسِدٍ يُعْتَبَرُ مُكَفِّرًا.

وَيَجِبُ كَذَلِكَ عَلَى النَّاسِ اجْتِنَابُ هَذَا الأَْمْرِ وَالْفِرَارُ مِنْهُ وَتَرْكُهُ لِعُلَمَائِهِمْ لِخَطَرِهِ الْعَظِيمِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا قَال الرَّجُل لأَِخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَال، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ (٢) .

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَال: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ (٣) .

التَّحَرُّزُ مِنَ التَّكْفِيرِ:

٥ - لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُكَفَّرَ مُسْلِمٌ أَمْكَنَ حَمْل كَلاَمِهِ

_________

(١) حديث: " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٩٦ ط السلفية) من حديث أنس بن مالك.

(٢) حديث: " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥١٤ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٧٩ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٣) حديث: " من دعا رجلا بالكفر - أو قال عدو الله. . . " أخرجه مسلم (١ / ٨٠ ط الحلبي) من حديث أبي ذر ومعنى حار عليه: أي رجع عليه.

عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ، أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ خِلاَفٌ وَلَوْ كَانَ رِوَايَةً ضَعِيفَةً (١) . مَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ لاَ يُحْكَمُ بِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يُخْرِجُهُ مِنَ الإِْيمَانِ إِلاَّ جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، إِذِ الإِْسْلاَمُ الثَّابِتُ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ مَعَ أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَعْلُو، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيل إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ لِعِظَمِ خَطَرِهِ وَتَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَلأَِنَّ الْكُفْرَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَيَسْتَدْعِي نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ، وَمَعَ الشَّكِّ وَالاِحْتِمَال لاَ نِهَايَةَ (٢) .

مَتَى يُحْكَمُ بِالْكُفْرِ:

٦ - يُشْتَرَطُ فِي تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا عِنْدَ صُدُورِ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ مِنْهُ، فَلاَ يَصِحُّ تَكْفِيرُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَلاَ مَنْ زَال عَقْلُهُ بِنَوْمٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، فَلاَ اعْتِدَادَ بِقَوْلِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ.

وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ تَكْفِيرُ مُكْرَهٍ عَلَى الْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ، قَال تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ (٣)﴾ .

وَجَرَى الْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ تَكْفِيرِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالسَّكْرَانِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُمَا مَا هُوَ مُكَفِّرٌ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٥.

(٣) سورة النحل / ١٠٦.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ تَكْفِيرِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ.

وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ تَقْيِيدُهُ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الْمُرَاهِقِ فَقَطْ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَكْفِيرِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَل بَل يُجْبَرُ عَلَى الإِْسْلاَمِ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْحَبْسِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُنْتَظَرُ إِلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالاِسْتِتَابَةِ، فَإِنْ أَصَرَّ قُتِل (١)، لِحَدِيثِ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ (٢) .

تَكْفِيرُ السَّكْرَانِ:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّكْرَانَ غَيْرُ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ لاَ يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّكْرَانِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى تَكْفِيرِهِ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ مَا هُوَ مُكَفِّرٌ.

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٨٥، ٣٠٦، والدسوقي ٤ / ٣٠٨ - ٣١٠، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٧، وكشاف القناع ٦ / ١٦٨، ١٧٤ وما بعدها.

(٢) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٥٨ تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ٥٩ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.