الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
الْعُرْفِيَّةِ عِنْدَ الْعَوَامِّ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلاَةِ اقْتِدَاءً بِالأَْوَّلِينَ فِي تَسَامُحِهِمْ بِذَلِكَ (١) . أَمَّا إِذَا تَأَخَّرَتِ النِّيَّةُ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فَلاَ تُجْزِئُ التَّكْبِيرَةُ وَتَكُونُ الصَّلاَةُ بَاطِلَةً؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ عِبَادَةٌ وَهِيَ لاَ تَتَجَزَّأُ وَلَوْ جَازَ تَأْخِيرُ النِّيَّةِ لَوَقَعَ الْبَعْضُ الَّذِي لاَ نِيَّةَ فِيهِ غَيْرَ عِبَادَةٍ وَمَا فِيهِ نِيَّةُ عِبَادَةٌ فَيَلْزَمُ التَّجَزُّؤُ.
بِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (٢)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: نِيَّةٌ) .
الإِْتْيَانُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ قَائِمًا:
٥ - يَجِبُ أَنْ يُكَبِّرَ الْمُصَلِّي قَائِمًا فِيمَا يُفْتَرَضُ لَهُ الْقِيَامُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَكَانَتْ بِهِ بَوَاسِيرُ صَل قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٣) وَزَادَ النَّسَائِيُّ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا. وَيَتَحَقَّقُ الْقِيَامُ بِنَصْبِ الظَّهْرِ فَلاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ جَالِسًا أَوْ مُنْحَنِيًا وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ مَا يَعُمُّ الْحُكْمِيَّ لِيَشْمَل الْقُعُودَ فِي نَحْوِ الْفَرَائِضِ لِعُذْرٍ.
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ١٥٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٦٩، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٧.
(٢) مراقي الفلاح ص ١١٩، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٧.
(٣) حديث: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٨٧ - ط السلفية) .
قَال الطَّحَاوِيُّ: لَيْسَ الشَّرْطُ عَدَمَ الاِنْحِنَاءِ أَصْلًا، بَل عَدَمُ الاِنْحِنَاءِ الْمُتَّصِفِ بِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى الرُّكُوعِ مِنَ الْقِيَامِ (١) . وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي انْعِقَادِ صَلاَةِ الْمَسْبُوقِ إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ رَاكِعًا فَحَنَى ظَهْرَهُ ثُمَّ كَبَّرَ: (يُنْظَرُ فِي مَسْبُوقٌ) .
النُّطْقُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:
٦ - يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي النُّطْقُ بِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِهِ عَارِضٌ مِنْ طَرَشٍ أَوْ مَا يَمْنَعُهُ السَّمَاعَ فَيَأْتِي بِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ سَمِيعًا أَوْ لاَ عَارِضَ بِهِ لَسَمِعَهُ (٢) . أَمَّا تَكْبِيرُ مَنْ كَانَ بِلِسَانِهِ خَبَلٌ أَوْ خَرَسٌ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خَرَسٌ) .
كَوْنُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ بِالْعَرَبِيَّةِ:
٧ - لاَ تَجُوزُ تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، بِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ فَيَجُوزُ لَهُ التَّكْبِيرُ بِلُغَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ
_________
(١) مراقي الفلاح ص ١١٩، وفتح القدير الخبير بشرح تيسير التحرير للشرقاوي ١ / ٥٥ ط الحلبي، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٦، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٩٣.
(٢) مراقي الفلاح ص ١١٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٦١، ونهاية المحتاج ١ / ٤٤١، والمجموع ٣ / ٢٩٥.
وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ لِلَّهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ يَحْصُل بِكُل لِسَانٍ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بِعَدَمِ إِجْزَاءِ مُرَادِفِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ بِعَرَبِيَّةٍ وَلاَ عَجَمِيَّةٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ بِهَا سَقَطَتْ كَكُل فَرْضٍ (٢) .
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ تَرْجَمَةَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لِمَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَلِغَيْرِهِ، وَقَال لَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَجْزَأَهُ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ كَبَّرَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ بِأَيِّ لِسَانٍ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لاَ جَازَ بِاتِّفَاقِ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ (٣)، وَهَذَا يَعْنِي رُجُوعَ الصَّاحِبَيْنِ إِلَى قَوْل الإِْمَامِ فِي جَوَازِ التَّكْبِيرِ بِالْعَجَمِيَّةِ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: تَرْجَمَةٌ ف ٩ ج ١١ ص ١٧٠) وَأَبْوَابُ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِلَفْظِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي انْعِقَادِ الصَّلاَةِ بِقَوْل الْمُصَلِّي (اللَّهُ أَكْبَرُ) ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ مِنْ
_________
(١) المجموع ٣ / ٣٠١، والمغني ١ / ٤٦٢، والبناية ٢ / ١٢٥، وبدائع الصنائع ١ / ١٣١، والشرح الصغير ١ / ٣٠٦، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ١ / ٥١٥.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٣٠٦، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ١ / ٥١٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٦٢، ٤٦٣.
(٣) ابن عابدين ١ / ٣٢٥، ٣٢٦، والبناية ٢ / ١٢٤، وبدائع الصنائع ١ / ١٣١، والمجموع ٣ / ٣٠١.
أَلْفَاظِ التَّعْظِيمِ هَل يَقُومُ مَقَامَهُ (١)؟ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِقَوْل (اللَّهُ أَكْبَرُ) وَلاَ يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِشُرُوطِهَا الَّتِي ذَكَرُوهَا بِالتَّفْصِيل فِي كُتُبِهِمْ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ (٢)
وَقَال لِلْمُسِيءِ صَلاَتَهُ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ (٣) وَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ (٤) وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ (٥) وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ الْعُدُول عَنْ ذَلِكَ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ (٦) . وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ بِمِثْل
_________
(١) الإفصاح ١ / ٨٩.
(٢) حديث: " تحريمها التكبير " سبق تخريجه (ف ٢) .
(٣) حديث: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٣٧ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٤) حديث: " لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يقول الله أكبر ". أخرجه الطبراني في الكبير بهذا اللفظ ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ١٠٤) . وقد أخرج الحديث أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي عدا قوله (الله أكبر) سنن أبي داود ١ / ٥٣٧ تحقيق عزت عبيد دعاس، والمستدرك ١ / ٢٤٢ ط دائرة المعارف العثمانية.
(٥) حديث: " كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بقوله " الله أكبر " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٢١، ٢٢٢ ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمر.
(٦) المغني لابن قدامة ١ / ٤٦٠، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٣، ٢٠٤.
مَا قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ كَلِمَةُ التَّكْبِيرِ وَلاَ يُجْزِئُ مَا قَرُبَ مِنْهَا كَ: الرَّحْمَنُ أَجَل، وَالرَّبُّ أَعْظَمُ " إِلاَّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَى الْمَشْهُورِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي لاَ تَمْنَعُ اسْمَ التَّكْبِيرِ: كَاللَّهُ الأَْكْبَرُ " لاَ تَضُرُّ؛ لأَِنَّهُ لَفْظٌ يَدُل عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَلَى زِيَادَةِ مُبَالَغَةٍ فِي التَّعْظِيمِ وَهُوَ الإِْشْعَارُ بِالتَّخْصِيصِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُل شَيْءٍ. وَكَذَا لاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمُ (اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَل) وَكَذَا كُل صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَطُل بِهَا الْفَصْل كَقَوْلِهِ: اللَّهُ ﷿ أَكْبَرُ، لِبَقَاءِ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَخَلَّل غَيْرُ صِفَاتِهِ تَعَالَى أَوْ طَالَتْ صِفَاتُهُ تَعَالَى (١) .
وَيَرَى إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ صِحَّةَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلاَةِ بِكُل ذِكْرٍ هُوَ ثَنَاءٌ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُهُ لاَ غَيْرُ مِثْل أَنْ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ الأَْكْبَرُ، اللَّهُ الْكَبِيرُ، اللَّهُ أَجَل، اللَّهُ أَعْظَمُ، أَوْ يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ كُل اسْمٍ ذُكِرَ مَعَ الصِّفَةِ نَحْوُ أَنْ يَقُول: الرَّحْمَنُ أَعْظَمُ، الرَّحِيمُ أَجَل، سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لاَ يُحْسِنُ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (٢)﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ ذِكْرُ اسْمِ الرَّبِّ لاِفْتِتَاحِ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ١٥١ وروضة الطالبين ١ / ٢٢٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٦٠.
(٢) سورة الأعلى / ١٥.
الصَّلاَةِ لأَِنَّهُ عَقَّبَ الصَّلاَةَ الذِّكْرَ بِحَرْفٍ يُوجِبُ التَّعْقِيبَ بِلاَ فَصْلٍ، وَالذِّكْرُ الَّذِي تَتَعَقَّبُهُ الصَّلاَةُ بِلاَ فَصْلٍ هُوَ تَكْبِيرَةُ الاِفْتِتَاحِ، فَقَدْ شُرِعَ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ بِمُطْلَقِ الذِّكْرِ فَلاَ يَجُوزُ التَّقْيِيدُ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ بِأَخْبَارِ الآْحَادِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِتِلْكَ الأَْلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُطْلَقُ الذِّكْرِ، لاَ مِنْ حَيْثُ هِيَ ذِكْرٌ بِلَفْظٍ خَاصٍّ. وَلأَِنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ التَّعْظِيمُ فَكُل لَفْظٍ دَل عَلَى التَّعْظِيمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الشُّرُوعُ بِهِ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ سُئِل بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ الأَْنْبِيَاءُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ؟ قَال بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل (١) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ لاَ يَصِيرُ شَارِعًا إِلاَّ بِأَلْفَاظٍ مُشْتَقَّةٍ مِنَ التَّكْبِيرِ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ الأَْكْبَرُ، اللَّهُ الْكَبِيرُ، إِلاَّ إِذَا كَانَ لاَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ أَوْ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوعَ بِالتَّكْبِيرِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَالتَّكْبِيرُ حَاصِلٌ بِهَذِهِ الأَْلْفَاظِ الثَّلاَثَةِ (٢) .
وَمِمَّا يَتَّصِل بِالشُّرُوطِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ: أَنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ عَلَى (أَكْبَرُ) فِي التَّكْبِيرِ، فَإِنْ نَكَّسَهُ
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ١٣٠، ومراقي الفلاح ص ١٢١، والبناية في شرح الهداية ٢ / ١٢٢، ١٢٣.
(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٣٠، وحديث " وتحريمها التكبير. . . " تقدم تخريجه ف / ٢٠.
لاَ يَصِحُّ لأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ تَكْبِيرًا، كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الاِحْتِرَازِ فِي التَّكْبِيرِ عَنْ زِيَادَةِ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى. فَمَنْ قَال: (آللَّهُ أَكْبَرُ) بِمَدِّ هَمْزَةِ " اللَّهُ " أَوْ بِهَمْزَتَيْنِ أَوْ قَال اللَّهُ أَكْبَارُ (١) لَمْ يَصِحَّ تَكْبِيرُهُ (٢) .
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا كَذَلِكَ فِي أَنَّ زِيَادَةَ الْمَدِّ عَلَى الأَْلِفِ الَّتِي بَيْنَ اللاَّمِ وَالْهَاءِ مِنْ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ لاَ تَضُرُّ؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ الْمَدِّ إِشْبَاعٌ لأَِنَّ اللاَّمَ مَمْدُودَةٌ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ زَادَ فِي مَدِّ اللاَّمِ وَلَمْ يَأْتِ بِحَرْفٍ زَائِدٍ (٣) .
وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِمُبْطِلاَتِ التَّكْبِيرِ زِيَادَةَ وَاوٍ سَاكِنَةٍ أَوْ مُتَحَرِّكَةٍ بَيْنَ كَلِمَتَيِ التَّكْبِيرِ (٤) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ زِيَادَةَ وَاوٍ قَبْل هَمْزَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ قَلْبُ الْهَمْزَةِ وَاوًا لاَ يَبْطُل بِهِ الإِْحْرَامُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِبُطْلاَنِ الإِْحْرَامِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ إِشْبَاعِ الْهَاءِ مِنَ (اللَّهُ) وَزِيَادَةِ وَاوٍ مَعَ هَمْزَةِ " أَكْبَرُ (٥) ".
_________
(١) أكبار: جمع كبر بفتح الكاف وهو الطبل (كشاف القناع ١ / ٣٣٠) .
(٢) الإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٢٠، والمغني ١ / ٤٦١، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٢١، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٤، والزرقاني ١ / ١٩٤، والمجموع ٣ / ٢٩٢، وكشاف القناع ١ / ٣٣٠.
(٣) كشاف القناع ١ / ٣٣٠، والمجموع ٣ / ٢٩٣، والجوهرة النيرة ١ / ٦١، والخرشي مع حاشية العدوي عليه ١ / ٢٦٥، والزرقاني ١ / ١٩٤، ١٩٥.
(٤) الإقناع ١ / ١٢٠، والمجموع ٣ / ٢٩٢.
(٥) الفواكه الدواني ١ / ٢٠٤.
أَمَّا مُجَرَّدُ إِشْبَاعِ الْهَاءِ مِنْ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً لُغَةً إِلاَّ أَنَّهُ لاَ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلاَةُ، بِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ (١)، كَمَا أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لَمْ يَعُدُّوهُ مِنْ مُبْطِلاَتِ الإِْحْرَامِ (٢) .
أَمَّا تَشْدِيدُ الرَّاءِ مِنْ (أَكْبَرُ) فَيَبْطُل بِهِ الإِْحْرَامُ بِالصَّلاَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رَزِينٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَال الرَّمْلِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّهُ لاَ يَضُرُّ لأَِنَّ الرَّاءَ حَرْفُ تَكْرِيرٍ وَزِيَادَتُهُ لاَ تُغَيِّرُ الْمَعْنَى (٣) .
هَذَا وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْوَقْفَةَ الطَّوِيلَةَ بَيْنَ (اللَّهُ) (وَأَكْبَرُ) مُبْطِلَةٌ لِلإِْحْرَامِ بِالصَّلاَةِ، أَمَّا الْوَقْفَةُ الْيَسِيرَةُ بَيْنَهُمَا فَلاَ يَبْطُل بِهَا الإِْحْرَامُ (٤) .
وَيَبْقَى التَّنْوِيهُ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ ذَكَرُوا شُرُوطًا كَثِيرَةً لِصِحَّةِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ.
وَبِتَتَبُّعِ عِبَارَاتِ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُعْظَمَ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرُوهَا هِيَ نَفْسُهَا شُرُوطٌ لِلصَّلاَةِ كَدُخُول الْوَقْتِ وَاعْتِقَادِ دُخُولِهِ وَالطُّهْرِ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالاِسْتِقْبَال
_________
(١) مراقي الفلاح ص ١٢١.
(٢) حاشية العدوي على الخرشي ١ / ٢٦٥، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٤، والإقناع ١ / ١٢٠، وكشاف القناع ١ / ٣٣٠.
(٣) حاشية العدوي على الخرشي ١ / ٢٦٥، ونهاية المحتاج ١ / ٤٤٠.
(٤) الإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٢٠، والمجموع ٣ / ٢٩٢، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٤.
وَتَعْيِينِ الْفَرْضِ فِي ابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ وَنِيَّةِ اتِّبَاعِ الإِْمَامِ مَعَ نِيَّةِ أَصْل الصَّلاَةِ لِلْمُقْتَدِي (١) .
وَنَظَرًا لأَِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تُذْكَرُ بِالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ، وَنِيَّةٌ، وَاقْتِدَاءٌ) فَقَدِ اكْتَفَى هُنَا بِذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الشُّرُوطِ، فَمَنْ أَرَادَ التَّوَسُّعَ فَلْيُرَاجِعْ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ وَأَبْوَابَ صِفَةِ الصَّلاَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٠٣، وحاشية الطحطاوي على الدر ١ / ٢٠٥، وحاشية العدوي على الخرشي ١ / ٢٦٥، والإقناع ١ / ١٢٠، ومراقي الفلاح ص ١٢١، والخرشي ١ / ٢٦٥، والإقناع ١ / ١٢٠، وكشاف القناع ١ / ٣٣٠.
تَكْرَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّكْرَارُ: الإِْتْيَانُ بِالشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ التَّكْرِيرِ. مَصْدَرُ كَرَّرَ وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ " التَّكْرَارِ " عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْعَادَةُ: ٢ - مِنْ مَعَانِي الإِْعَادَةِ: فِعْل الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. وَلِتَفْصِيل بَاقِي مَعَانِيهَا يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ " إِعَادَةٌ ". وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّكْرَارِ، وَبَيْنَ الإِْعَادَةِ - بِهَذَا الْمَعْنَى -: أَنَّ التَّكْرَارَ يَقَعُ عَلَى إِعَادَةِ الشَّيْءِ مَرَّةً وَمَرَّاتٍ، وَالإِْعَادَةُ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ (٢) فَكُل إِعَادَةٍ تَكْرَارٌ، وَلَيْسَ الْعَكْسُ.
حُكْمُهُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُهُ: ٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّكْرَارِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهِ:
_________
(١) مختار الصحاح، ولسان العرب المحيط مادة: " كرر "، والتعريفات للجرجاني ص ٥٨.
(٢) الفروق لأبي هلال العسكري ص ٣٠، طبع بيروت.