الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

الثَّمَنِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَلاَ يَدْخُل فِي التَّقْوِيمِ (١) .

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَكُونُ تَقْوِيمُ الأَْصْل وَقْتَ الْبَيْعِ وَتَقْوِيمُ الزِّيَادَةِ وَقْتَ الْقَبْضِ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ إِنَّمَا تَأْخُذُ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ بِالْقَبْضِ (٢) .

التَّقْوِيمُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ:

٦ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيَّاتِ بِجِنْسِهَا إِلاَّ بَعْدَ تَيَقُّنِ الْمُمَاثَلَةِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، وَلاَ يَجُوزُ التَّفَاضُل بَيْنَهَا. وَلِهَذَا لاَ يُعْتَبَرُ التَّقْوِيمُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، لأَِنَّ التَّقْوِيمَ ظَنِّيٌّ وَقَائِمٌ عَلَى التَّخْمِينِ وَالتَّقْدِيرِ. وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الرِّبَا أَنَّ الْجَهْل بِالتَّمَاثُل كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُل. فَمَا لَمْ تُتَيَقَّنِ الْمُمَاثَلَةُ لاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ لاِحْتِمَال التَّفَاضُل. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِجِنْسِهِ جُزَافًا، كَقَوْلِكُ بِعْتُكُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ (٣) مِنَ الطَّعَامِ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ مُكَايَلَةً، مَعَ الْجَهْل بِكَيْل الصُّبْرَتَيْنِ أَوْ كَيْل أَحَدِهِمَا (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (رِبًا) .

_________

(١) حاشية الدسوقي ٣ / ١٢٤، الشرح الصغير ٣ / ١٧٤، وروضة الطالبين ٣ / ٢٧٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٤١، وكشاف القناع ٣ / ٢١٨، والمغني ٤ / ١٦٣، وفتح القدير ٦ / ١٠ـ ١٢

(٢) البدائع ٥ / ٢٨٥.

(٣) كمية غير معلومة القدر.

(٤) روضة الطالبين ٣ / ٣٨٣، وكشاف القناع ٣ / ٢٥٣، والمجموع ١٠ / ٣٥٣.

تَقْوِيمُ الْجَوَائِحِ:

٧ - الْجَائِحَةُ: مِنَ الْجَوْحِ، وَهُوَ الْهَلاَكُ، وَاصْطِلاَحًا: مَا أَتْلَفَ مِنْ مَعْجُوزٍ عَنْ دَفْعِهِ عَادَةً قَدْرًا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ نَبَاتٍ بَعْدَ بَيْعِهِ. كَأَنْ يَهْلَكَ الثَّمَرُ بِسَبَبِ بَرْدٍ أَوْ ثَلْجٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ رِيحٍ حَارٍّ أَوْ جَرَادٍ أَوْ فِئْرَانٍ أَوْ نَارٍ أَوْ عَطَشٍ. فَإِذَا أَصَابَتِ الْجَائِحَةُ الثَّمَرَ، وُضِعَ عَنِ الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَتْهُ بَعْدَ تَقْوِيمِهَا. فَيُعْتَبَرُ مَا أُصِيبَ مِنَ الْجَائِحَةِ، وَيُنْسَبُ إِلَى قِيمَةِ مَا بَقِيَ سَلِيمًا فِي زَمَنِ الْجَائِحَةِ. فَيُقَال مَثَلًا كَمْ يُسَاوِي الثَّمَرُ قَبْل الْجَائِحَةِ، فَيُقَال عِشْرُونَ، وَالْقَدْرُ الْمُجَاحُ زَمَنَ الْجَائِحَةِ - عَلَى أَنْ يُقْبَضَ فِي وَقْتِهِ - قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، وَقِيمَةُ السَّلِيمِ يَوْمَ الْجَائِحَةِ - عَلَى أَنْ يُقْبَضَ فِي وَقْتِهِ - عَشَرَةٌ، فَيُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي نِصْفُ قِيمَةِ الثَّمَرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَهُوَ عَشَرَةٌ. وَمَحَل تَقْوِيمِ الْجَائِحَةِ إِذَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، بِأَنْ تَمَّ الْعَقْدُ وَلَمْ يَتِمَّ الْقَبْضُ وَلاَ التَّخْلِيَةُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْل الرَّسُول ﷺ: فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ (١) . أَمَّا إِذَا أَصَابَتِ الْجَائِحَةُ الثَّمَرَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ بَعْدَ تَأَخُّرِ الْمُشْتَرِي فِي الْجَذِّ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي

_________

(١) حديث: " أمر بوضع الجوائح " أخرجه مسلم (٣ / ١١٩١ ط الحلبي) .

اشْتَرَى الثَّمَرَةَ لَهُ، فَضَمَانُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْل الرَّسُول ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (١) . وَالضَّمِيرُ فِي (تَصَدَّقُوا) لِلصَّحَابَةِ غَيْرِ الْبَائِعِينَ. وَمَحَل الْبَحْثِ فِي أَحْكَامِ ضَمَانِ الْجَوَائِحِ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ، وَجَائِحَةٌ، وَثَمَرٌ) وَلاَ يَسْتَعْجِل بِالتَّقْوِيمِ يَوْمَ الْجَائِحَةِ، بَل يَنْتَظِرُ إِلَى انْتِهَاءِ الْبُطُونِ - فِيمَا يُزْرَعُ بُطُونًا (٢) لِيَتَحَقَّقَ الْمِقْدَارُ الْمُصَابُ الَّذِي يُرَادُ تَقْوِيمُهُ (٣) .

التَّقْوِيمُ فِي الْقِسْمَةِ:

٨ - قَدْ تَحْتَاجُ الْقِسْمَةُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهَا إِلَى تَقْوِيمِ الْمُقْسَمِ. وَلِهَذَا اشْتُرِطَ فِي الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالتَّقْوِيمِ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِسْمَةِ مُقَوِّمَانِ.

_________

(١) حديث: " خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " أخرجه مسلم (٣ / ١١٩١ - ط الحلبي) .

(٢) أي الخلائف وهو الزرع الذي يخلف ما حصد منه.

(٣) الشرح الصغير ٣ / ٢٤٢، الزرقاني ٥ / ١٩٤، وروضة الطالبين ٣ / ٥٠٤، ونهاية المحتاج ٤ / ١٤٩، وكشاف القناع ٣ / ٢٨٤، ومجمع الضمانات ص ٢٢٠.

لأَِنَّ التَّقْوِيمَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِاثْنَيْنِ، فَاشْتُرِطَ الْعَدَدُ لِلتَّقْوِيمِ لاَ لِلْقِسْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِسْمَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْوِيمٍ كَفَى قَاسِمٌ وَاحِدٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاسِمَ فِي التَّقْوِيمِ نَائِبٌ عَنِ الْحَاكِمِ فَيَكُونُ كَالْمُخْبِرِ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِوَاحِدٍ كَالْقَائِفِ وَالْمُفْتِي وَالطَّبِيبِ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مُقَوِّمَانِ، بِنَاءً عَلَى الْمَرْجُوحِ - عِنْدَهُمْ - أَنَّ الْمُقَوِّمَ شَاهِدٌ لاَ حَاكِمٌ. وَهَذَا الْخِلاَفُ فِيمَنْ يَنْصِبُهُ الإِْمَامُ، أَمَّا فِيمَنْ يَنْصِبُهُ الشُّرَكَاءُ فَيَكْفِي فِيهِ قَاسِمٌ وَاحِدٌ قَطْعًا. وَلِلإِْمَامِ جَعْل الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ، وَحِينَئِذٍ فَيُعْمَل فِيهِ بِعَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ يَشْهَدَانِ عِنْدَهُ بِالْقِيمَةِ لاَ بِأَقَل مِنْهَا (١) . وَتَتِمَّةُ هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ (قِسْمَةٌ) .

تَقْوِيمُ نِصَابِ السَّرِقَةِ:

٩ - مِنْ شَرْطِ إِقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ أَنْ يَبْلُغَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْوِيمِ نِصَابِ السَّرِقَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَقْوِيمِ نِصَابِ السَّرِقَةِ بِالدَّرَاهِمِ. بِأَنْ تَبْلُغَ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْ غَيْرِ الْفِضَّةِ وَلَوْ كَانَ

_________

(١) روضة الطالبين ١١ / ٢٠١ـ والشرح الصغير ٣ / ٦٦٥، والمغني ٩ / ١٢٦.

ذَهَبًا، وَأَنْ يَكُونَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَزْنًا وَقِيمَةً إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنَ الْفِضَّةِ (١) .

وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَاتِ الثَّلاَثِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . لِحَدِيثِ أُمِّ أَيْمَنَ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي حَجَفَةٍ وَقُوِّمَتْ يَوْمَئِذٍ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِدِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (٣) .

وَقَدِ اخْتَلَفَتْ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ فَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَمُرْسَلًا، وَرُوِيَ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ (٤) وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ إِلاَّ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا لأَِنَّ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لاَ دَخْل لِلْعَقْل فِيهَا.

_________

(١) فتح القدير ٥ / ١٢٣ـ ١٢٤، وحاشية ابن عابدين ٣ / ١٩٣.

(٢) كشاف القناع ٦ / ١٣٢، والإنصاف ١٠ / ٢٦٢، ٢٦٣.

(٣) حديث: " لا تقع يد السارق إلا في حجفة " أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (٣ / ١٦٣ـ نشر مطبعة الأنوار المحمدية)، وأعله الزيلعي بالانقطاع وقال: " ولكنه يتقوى بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة " ثم ذكرها. نصب الراية (٣ / ٣٥٨ - ط المجلس العلمي بالهند) .

(٤) حديث ابن عباس: " إن النبي ﷺ قطع يد الرجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم " أخرجه أبو داود (٤ / ٥٤٨ـ تحقيق عزت عبيد دعاس) وحكم عليه ابن حجر بالاضطراب. (فتح الباري ١٢ / ١٠٣ ط السلفية) .

وَفِي حَدِيثٍ: لاَ يُقْطَعُ السَّارِقُ إِلاَّ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (١)

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْوِيمِ ثَمَنِ الْمِجَنِّ فَرُوِيَ أَنَّهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. فَوَجَبَ الأَْخْذُ بِالأَْكْثَرِ دَرْءًا لِلْحَدِّ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ وَبِالدَّنَانِيرِ. وَالنِّصَابُ رُبُعُ دِينَارٍ شَرْعِيٍّ مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ شَرْعِيَّةٌ مِنَ الْفِضَّةِ أَوْ مَا يُسَاوِيهِمَا.

وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تُقَوَّمُ غَيْرُ الأَْثْمَانِ بِأَدْنَى الأَْمْرَيْنِ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَقْوِيمِ نِصَابِ السَّرِقَةِ بِالدَّنَانِيرِ، بِأَنْ يَبْلُغَ الْمَسْرُوقُ قِيمَةَ رُبُعِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالاِعْتِبَارُ بِالذَّهَبِ الْمَضْرُوبِ. لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (٣)

_________

(١) حديث: " لا يقطع السارق إلا في عشرة دراهم ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٩٣ - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو وأعل بالانقطاع كما في نصب الراية (٣ / ٣٥٩ - ط المجلس العلمي بالهند) .

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٤، والشرح الصغير ٤ / ٤٧٢.

(٣) حديث: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٩٦ـ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣١٢ـ ط الحلبي) من حديث عائشة واللفظ لمسلم.

فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا وَجَبَ أَنْ يَبْلُغَ رُبُعَ دِينَارٍ وَزْنًا وَقِيمَةً، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَجَبَ أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ (١) .

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعُرُوضَ لاَ تُقَوَّمُ إِلاَّ بِالدَّرَاهِمِ، وَيَكُونُ الذَّهَبُ أَصْلًا بِنَفْسِهِ لاَ غَيْرَ.

وَيَكُونُ تَقْوِيمُ الْمَسْرُوقِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الْغَالِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ السَّرِقَةُ.

وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ قِيمَةُ الشَّيْءِ وَقْتَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالطَّحَاوِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ يَوْمَ السَّرِقَةِ وَوَقْتَ الْقَطْعِ بِأَنْ لاَ يَقِل فِيهِمَا عَنْ نِصَابٍ.

فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ عَشَرَةً، فَنَقَصَتْ وَقْتَ الْقَطْعِ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ. إِلاَّ إِذَا كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ عَيْبٍ دَخَل الْمَسْرُوقَ أَوْ فَاتَ بَعْضُهُ.

كَمَا يُعْتَبَرُ فِي تَقْوِيمِ الْمَسْرُوقِ مَكَانَ السَّرِقَةِ، فَلَوْ سَرَقَ فِي بَلَدٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةً - مَثَلًا - فَأَخَذَ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَقِيمَتُهُ فِيهَا أَقَل فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.

وَيَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ وَاحِدٌ إِنْ كَانَ مُوَجَّهًا مِنَ الْقَاضِي، لأَِنَّ تَقْوِيمَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لاَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُقَوِّمُ مُوَجَّهًا مِنَ الْقَاضِي فَلاَ بُدَّ

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ١١٢، وحاشية قليوبي وعميرة ٤ / ١٨٦.

مِنَ اثْنَيْنِ

وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمَانِ بِأَنْ قَوَّمَ أَحَدُهُمَا الْمَسْرُوقَ نِصَابًا وَالآْخَرُ دُونَ النِّصَابِ كَانَ هَذَا شُبْهَةً يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ. وَلاَ يَجِبُ إِقَامَةُ الْحَدِّ إِلاَّ إِذَا قَطَعَ الْمُقَوِّمُونَ بِبُلُوغِ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا بِأَنْ يَقُولُوا إِنَّ قِيمَتَهُ بَلَغَتْ نِصَابًا قَطْعًا أَوْ يَقِينًا مَثَلًا. وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ فِي تَقْوِيمِ الْمَسْرُوقِ لاِخْتِلاَفِ قِيمَةِ مَا قُوِّمَ بِهِ، بِأَنْ يُقَوَّمَ مَثَلًا بِنَقْدَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ خَالِصَيْنِ اعْتُبِرَ أَدْنَاهُمَا، وَالأَْوْجَهُ - كَمَا يَقُول النَّوَوِيُّ - أَنْ يُقَوَّمَ بِأَعْلاَهُمَا قِيمَةً دَرْءًا لِلْحَدِّ.

تَقْوِيمُ حُكُومَةِ الْعَدْل:

١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُرُوحَ الَّتِي لَمْ يُقَدِّرِ الشَّارِعُ لَهَا دِيَةً تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.

وَيُقْصَدُ بِالْحُكُومَةِ تَقْدِيرُ نِسْبَةِ الْجُرْحِ مِنَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَتَكُونُ هَذِهِ النِّسْبَةُ هِيَ دِيَةُ الْجُرْحِ.

وَتُعْرَفُ هَذِهِ النِّسْبَةُ عَنْ طَرِيقَيْنِ: الطَّرِيقُ الأَْوَّل: تَقْوِيمُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا سَلِيمًا غَيْرَ مَجْرُوحٍ. ثُمَّ يُقَوَّمُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا مَجْرُوحًا، وَيُنْظَرُ كَمْ نَقَصَتِ الْجِنَايَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِذَا قُدِّرَ النَّقْصُ بِالْعُشْرِ مَثَلًا وَجَبَ عَلَى الْجَانِي عُشْرُ دِيَةِ النَّفْسِ.

وَذَلِكَ لأَِنَّ الْحُرَّ لاَ يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ، فَيُقَوَّمُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا.

فَإِنَّ الْقِيمَةَ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ لِلْحُرِّ.

الطَّرِيقُ الثَّانِي: تَقْدِيرُ الْجُرْحِ بِنِسْبَتِهِ مِنْ أَقَل جُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ تُظْهِرُهُ، وَمِقْدَارُهَا شَرْعًا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، فَيَكُونُ مِقْدَارُ دِيَةِ هَذَا الْجُرْحِ بِمِقْدَارِ نِسْبَتِهِ مِنَ الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُهُ مِثْل (نِصْفِ الْمُوضِحَةِ) مَثَلًا وَجَبَ فِيهِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ وَجَبَ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَهَكَذَا. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا لاَ نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إِلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْل الْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَقْوِيمَ النَّقْصِ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُضْوِ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْجِنَايَةُ إِنْ كَانَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ تُقَوَّمُ الْحُكُومَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دِيَةِ النَّفْسِ (١)

١١ - وَيُشْتَرَطُ فِي تَقْوِيمِ الْحُكُومَةِ شُرُوطٌ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ لاَ تَبْلُغَ الْحُكُومَةُ أَرْشَ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَإِنْ بَلَغَتْ ذَلِكَ نَقَصَ الْقَاضِي مِنْهَا شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ، فَحُكُومَةُ جُرْحِ الأُْنْمُلَةِ الْعُلْيَا، أَوْ قَلْعِ ظُفْرِهَا لاَ تَبْلُغُ أَرْشَ الأُْنْمُلَةِ. وَكَذَلِكَ حُكُومَةُ الأُْصْبُعِ لاَ تَبْلُغُ

_________

(١) وترى اللجنة أن الأوفق في هذه الأيام الرجوع إلى أهل الخبرة من الأطباء أو غيرهم ليقدروا نسبة العجز إلى النفس.

حُكُومَتُهَا أَرْشَ الأُْصْبُعِ. وَالْجِنَايَةُ عَلَى الرَّأْسِ لاَ تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الْبَطْنِ لاَ تَبْلُغُ أَرْشَ الْجَائِفَةِ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالظَّهْرِ وَالْكَتِفِ وَالْفَخِذِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ حُكُومَتُهَا دِيَةَ عُضْوٍ مُقَدَّرٍ كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَأَنْ تَزِيدَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: يَجِبُ أَنْ يَتِمَّ تَقْوِيمُ الْحُكُومَةِ بَعْدَ انْدِمَال الْجُرْحِ وَبُرْئِهِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَسْرِيَ تَأْثِيرُ الْجِنَايَةِ إِلَى النَّفْسِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْوَفَاةِ. أَوْ يَسْرِيَ إِلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَيَخْتَلِفُ تَقْوِيمُ الْحُكُومَةِ بِذَلِكَ، فَتَجِبُ إِمَّا دِيَةُ النَّفْسِ أَوْ أَرْشُ الْعُضْوِ الْمُقَدَّرِ (١) .

تَقْوِيمُ جِنَايَةِ الْبَهَائِمِ:

١٢ - إِذَا جَنَتِ الْبَهِيمَةُ عَلَى الزَّرْعِ مَثَلًا فَأَتْلَفَتْهُ وَثَبَتَ ضَمَانُهُ عَلَى صَاحِبِهَا. يُقَوِّمُ أَهْل الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ الزَّرْعَ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ وَسَلاَمَتِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَلَفِهِ وَجَائِحَتِهِ، وَيَضْمَنُ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ مِقْدَارَ النَّقْصِ بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ.

وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ يُقَوَّمُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عَلَى

_________

(١) البحر الرائق ٨ / ٣٧٢، والشرح الصغير ٤ / ٣٨١، والزرقاني ٨ / ٣٤، وروضة الطالبين ٩ / ٣٠٨، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٢٥، والمغني ٨ / ٥٦.