الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَإِذَا كَانَتْ مَالًا لَهُمْ وَجَبَ ضَمَانُهَا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ (١) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ وُجُوبِ ضَمَانِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَا لِمُسْلِمٍ أَمْ ذِمِّيٍّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَلاَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٢) وَمَا حَرُمَ بَيْعُهُ لِحُرْمَتِهِ لَمْ تَجِبْ قِيمَتُهُ كَالْمَيْتَةِ، وَلأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ غَيْرُ مُتَقَوِّمَيْنِ فَلاَ يَجِبُ ضَمَانُهُمَا، وَدَلِيل أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ - فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: فَإِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ (٣) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُل مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّينَ لاَ أَنَّ حَقَّهُمْ يَزِيدُ عَلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَيَثْبُتُ بِهِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٦٧، والزيلعي ٥ / ٢٣٤، ٢٣٥، ومواهب الجليل ٥ / ٢٨٠.
(٢) حديث: " ألا إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " أخرجه البخاري (٤ / ٤٢٤ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٠٧ ط عيسى الحلبي) .
(٣) حديث: " لهم ما للمسلمين " جاء في البخاري من حديث أنس بن مالك بلفظ " من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا، فهو مسلم له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم " (١ / ٤٩٧ ط السلفية) . وأخرجه بن زنجويه عن معاوية بن قرة مرسلا بلفظ " من شهد منكم أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله واستقبل قبلتنا وأكل من ذبيحتنا فله مثل ما لنا وعليه مثل ما علينا، ومن أبى فعليه الجزية ". الأموال لابن زنجويه (١ / ١١٩ ط مركز الملك فيصل) .
مَا يَثْبُتُ بِالإِْسْلاَمِ، إِذَا الْخَلَفُ لاَ يُخَالِفُ الأَْصْل، فَيَسْقُطُ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّهِمْ (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (إِتْلاَفٌ، وَضَمَانٌ) .
تَقَوُّمُ الْمَنَافِعِ:
٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ: أَنَّ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ مَضْمُونَةٌ بِالْعُقُودِ وَالْغُصُوبِ كَالأَْعْيَانِ. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مُتَقَوِّمَةٌ بِنَفْسِهَا أَنَّ التَّقَوُّمَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِزَّةِ، وَالْمَنَافِعُ عَزِيزَةٌ بِنَفْسِهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَلِهَذَا يَبْذُلُونَ الأَْعْيَانَ لأَِجْلِهَا، بَل تُقَوَّمُ الأَْعْيَانُ بِاعْتِبَارِهَا فَيَسْتَحِيل أَنْ لاَ تَكُونَ هِيَ مُتَقَوِّمَةً (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لاَ تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَل تُقَوَّمُ ضَرُورَةً عِنْدَ وُرُودِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ التَّقَوُّمَ لاَ يَسْبِقُ الْوُجُودَ وَالإِْحْرَازَ، وَذَلِكَ فِيمَا لاَ يَبْقَى غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ (٣)
وَتَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، تُنْظَرُ فِي أَبْوَابِ الْغَصْبِ مِنَ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَفِي مُصْطَلَحَيْ: (ضَمَانٌ، وَغَصْبٌ، وَإِجَارَةٌ)
_________
(١) الزيلعي ٥ / ٢٣٥، المغني لابن قدامة ٥ / ٢٩٨، ٢٩٩ ط الرياض ونهاية المحتاج ٥ / ١٦٥.
(٢) نهاية المحتاج ٥ / ١٦٨ وروضة الطالبين ٥ / ١٣، ومطالب أولي النهى ٤ / ٥٩ نشر المكتب الإسلامي، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢١ نشر دار المعرفة، والقوانين الفقهية ص ٢١٧ ط دار العلم، الزيلعي ٥ / ٢٣٤، والبناية ٨ / ٤١٩، وتكملة فتح القدير ٧ / ٣٩٤.
(٣) تكلمة فتح القدير ٧ / ١٧٥، ٣٩٦ ط الأميرية، والعناية بهامش فتح القدير ٧ / ٣٩٦، والبناية ٨ / ٤٢١، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢١، والقوانين الفقهية ص ٢١٧.
تَقْوِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقْوِيمُ: مَصْدَرُ قَوَّمَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ التَّقْدِيرُ، يُقَال قَوَّمَ الْمَتَاعَ إِذَا قَدَّرَهُ بِنَقْدٍ وَجَعَل لَهُ قِيمَةً (١) .
وَالتَّقْوِيمُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الأَْصْل فِي التَّقْوِيمِ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، كَتَقْوِيمِ مَال التِّجَارَةِ لإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ، وَكَتَقْوِيمِ صَيْدِ الْبَرِّ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ.
تَقْوِيمُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ لإِخْرَاجِ زَكَاتِهَا، مَعَ مُرَاعَاةِ تَوَفُّرِ شُرُوطِهَا مِنْ بُلُوغِ النِّصَابِ وَحَوَلاَنِ الْحَوْل. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تُقَوَّمُ بِهِ عُرُوضُ التِّجَارَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَقْوِيمَ مَال التِّجَارَةِ يَكُونُ بِالأَْنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ. بِأَنْ تُقَوَّمَ عُرُوضُ التِّجَارَةِ بِمَا يَبْلُغُ نِصَابًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَسَوَاءٌ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " قوم ".
أَقُوِّمَتْ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الْغَالِبِ - مَعَ كَوْنِهِ الأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ الأَْنْفَعُ لِلْفَقِيرِ - أَمْ بِغَيْرِهِ. وَسَوَاءٌ أَبَلَغَتْ قِيمَةُ الْعُرُوضِ بِكُلٍّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا، أَمْ بَلَغَتْ نِصَابًا بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ. فَيَلْتَزِمُ فِي كُل الْحَالاَتِ تَقْوِيمَ السِّلْعَةِ بِالأَْحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِالْفِضَّةِ، سَوَاءٌ مَا يُبَاعُ بِالذَّهَبِ أَوْ مَا يُبَاعُ غَالِبًا بِالْفِضَّةِ، فَيُقَوِّمُهُمَا بِالْفِضَّةِ. لأَِنَّهَا قِيَمُ الاِسْتِهْلاَكِ وَلأَِنَّهَا الأَْصْل فِي الزَّكَاةِ.
فَإِنْ كَانَتِ الْعُرُوضُ تُبَاعُ بِهِمَا، وَاسْتَوَيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّكَاةِ، يُخَيَّرُ التَّاجِرُ بَيْنَ تَقْوِيمِهِمَا بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ. وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ أَصْلاَنِ، فَيُعْتَبَرُ الأَْفْضَل لِلْمَسَاكِينِ؛ لأَِنَّ التَّقْوِيمَ لِحَقِّهِمْ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِتَقْوِيمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ أَنْ يَنِضَّ لِلتَّاجِرِ شَيْءٌ وَلَوْ دِرْهَمٌ. وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنِضَّ لَهُ نِصَابٌ. فَإِنْ لَمْ يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ فِي سَنَتِهِ فَلاَ تَقْوِيمَ وَلاَ زَكَاةَ. وَلَيْسَ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يُقَوِّمَ عُرُوضَ تِجَارَتِهِ بِالْقِيمَةِ الَّتِي يَجِدُهَا الْمُضْطَرُّ فِي بَيْعِ سِلَعِهِ، وَإِنَّمَا يُقَوِّمُ سِلْعَتَهُ بِالْقِيمَةِ الَّتِي يَجِدُهَا الإِْنْسَانُ إِذَا بَاعَ سِلْعَتَهُ عَلَى غَيْرِ الاِضْطِرَارِ الْكَثِيرِ (٢) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَخْتَلِفُ تَقْوِيمُ مَال التِّجَارَةِ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ أَحْوَال رَأْسِ الْمَال.
_________
(١) البناية شرح الهداية ٣ / ١١٤، وكشاف القناع ٢ / ٢٤١.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٦٣٩، والحطاب ٢ / ٣١٨.
فَلِرَأْسِ الْمَال خَمْسَةُ أَحْوَالٍ:
الْحَال الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ نَقْدًا نِصَابًا. فَيُقَوِّمُ آخِرَ الْحَوْل بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَيُزَكِّيهِ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا عِنْدَ حَوَلاَنِ الْحَوْل، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ.
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ عَرْضًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَيُقَوِّمُ آخِرَ الْحَوْل بِهِ أَيْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ. فَإِنِ اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ وَبَاعَ بِالدَّنَانِيرِ، وَقَصْدُ التِّجَارَةِ مُسْتَمِرٌّ، وَتَمَّ الْحَوْل، فَلاَ زَكَاةَ إِنْ لَمْ تَبْلُغِ الدَّنَانِيرُ قِيمَةَ الدَّرَاهِمِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ التَّقْوِيمَ يَكُونُ أَبَدًا بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال نَقْدًا دُونَ النِّصَابِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِذَلِكَ النَّقْدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ. وَمَحَل الْوَجْهَيْنِ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ. فَإِنْ مَلَكَ قُوِّمَ بِهِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهُوَ يَمْلِكُ مِائَةً أُخْرَى، فَلاَ خِلاَفَ أَنَّ التَّقْوِيمَ بِالدَّرَاهِمِ. لأَِنَّهُ اشْتَرَى بِبَعْضِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْل، وَابْتَدَأَ الْحَوْل مِنْ حِينِ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ.
الْحَال الثَّالِثُ: أَنْ يَمْلِكَ بِالنَّقْدَيْنِ جَمِيعًا. وَهُوَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ.
الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ كُل وَاحِدٍ نِصَابًا فَيُقَوَّمُ بِهِمَا
عَلَى نِسْبَةِ التَّقْسِيطِ يَوْمَ الْمِلْكِ. وَطَرِيقَةُ تَقْوِيمِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالآْخَرِ.
وَصُورَتُهُ: اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا فَيُنْظَرُ إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمِائَتَيْنِ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَنِصْفُ الْعَرْضِ مُشْتَرَى بِدَرَاهِمَ وَالآْخَرُ بِدَنَانِيرَ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ النِّصَابِ. فَعَلَى احْتِمَالَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُجْعَل مَا دُونَ النِّصَابِ كَالْعُرُوضِ، فَيُقَوَّمُ الْجَمِيعُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ. أَوْ أَنْ يُجْعَل كَالنِّصَابِ فَيُقَوَّمُ مَا مَلَكَهُ بِالدَّرَاهِمِ بِدَرَاهِمَ، وَمَا مَلَكَهُ بِالدَّنَانِيرِ بِدَنَانِيرَ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالآْخَرُ دُونَهُ. فَيُقَوَّمُ مَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الَّذِي هُوَ نِصَابٌ بِذَلِكَ النَّقْدِ مِنْ حِينِ مِلْكِ ذَلِكَ النَّقْدِ. وَمَا مَلَكَهُ بِالنَّقْدِ الآْخَرِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْحَال الثَّانِي.
الْحَال الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَال غَيْرَ النَّقْدِ، بِأَنْ يَمْلِكَ بِعَرْضِ قُنْيَةٌ، أَوْ مِلْكٍ بِخُلْعٍ فَيُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْل بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ، فَإِنْ بَلَغَ بِهِ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ بِغَيْرِهِ نِصَابًا. فَلَوْ جَرَى فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مُتَسَاوِيَانِ، فَإِنْ بَلَغَ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا دُونَ الآْخَرِ قُوِّمَ بِهِ. وَإِنْ بَلَغَ بِهِمَا فَعَلَى أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا: يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فَيُقَوِّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا.
وَالثَّانِي: يُرَاعَى الأَْحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ.
وَالثَّالِثُ: يَتَعَيَّنُ التَّقْوِيمُ بِالدَّرَاهِمِ لأَِنَّهَا أَرْفَقُ.
وَالرَّابِعُ: يُقَوَّمُ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي أَقْرَبِ الْبِلاَدِ إِلَيْهِ.
الْحَال الْخَامِسُ: أَنْ يَمْلِكَ بِالنَّقْدِ وَغَيْرِهِ. بِأَنِ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعَرْضِ قُنْيَةٌ، فَمَا قَابَل الدَّرَاهِمَ يُقَوَّمُ بِهَا، وَمَا قَابَل الْعَرْضَ يُقَوَّمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ (١) .
تَقْوِيمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ:
٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ الْمِثْل مِنَ النَّعَمِ عَلَى مَنْ قَتَل صَيْدَ الْحَرَمِ. فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ مِثْلَهُ مِنَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ إِنْ كَانَ الصَّيْدُ الَّذِي قَتَلَهُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ مِنْهَا (٢) . وَدَلِيلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَلِمَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي تَقْوِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ بِمَا لَهُ مِثْلٌ بِمَا يُمَاثِلُهُ (٤) . وَمَحَل تَفْصِيل مَعْرِفَةِ
_________
(١) روضة الطالبين ٢ / ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٦.
(٢) الحطاب على خليل ٣ / ١٧٩، والشرح الصغير ٢ / ١١١ - ١١٥، والمجموع ٧ / ٤٢٧، المهذب ٢ / ٢٢٤، والمغني ٣ / ٥١٠، ٥١٩.
(٣) سورة المائدة / ٩٥.
(٤) المجموع ٧ / ٤٢٧.
الْمِثْل فِي مُصْطَلَحِ (صَيْدٌ، وَحَرَمٌ، وَإِحْرَامٌ) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْمِثْل مِنَ النَّعَمِ، بَل يُقَوَّمُ الصَّيْدُ بِالْمَال. لأَِنَّ الْمِثْل الْمُطْلَقَ، بِمَعْنَى الْمِثْل فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ الْمُشَارِكُ فِي النَّوْعِ غَيْرُ مُرَادٍ فِي الآْيَةِ إِجْمَاعًا. فَبَقِيَ الْمِثْل مَعْنَى فَقَطْ وَهُوَ الْقِيمَةُ. وَسَوَاءٌ أَوَجَبَ عَلَى قَاتِل الصَّيْدِ الْمِثْل مِنَ النَّعَمِ - عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ - أَمِ الْقِيمَةُ عَلَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، فَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ إِلَى تَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ وَالْخِبْرَةِ، وَمِنَ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِ أَحَدِ الْمُقَوِّمِينَ هُوَ الْقَاتِل. قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِ الْمُتْلِفِ لِلْمَال هُوَ أَحَدُ الْمُقَوِّمِينَ فِي الضَّمَانِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ - إِلَى جَوَازِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَازَ أَنْ يُجْعَل مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَمِينًا فِيهِ، كَرَبِّ الْمَال فِي الزَّكَاةِ. وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ مُضْطَرًّا، أَمَّا إِذَا قَتَلَهُ عُدْوَانًا فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ الْمُقَوِّمِينَ؛ لأَِنَّهُ يَفْسُقُ بِتَعَمُّدِ الْقَتْل، فَلاَ يُؤْتَمَنُ فِي التَّقْوِيمِ.
وَيُخَيَّرُ قَاتِل الصَّيْدِ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا أَنْ يُهْدِيَ مِثْل مَا قَتَلَهُ مِنَ النَّعَمِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ - إِنْ كَانَ الصَّيْدُ لَهُ مِثْلٌ - أَوْ أَنْ يُقَوِّمَهُ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٧.
بِالْمَال وَيُقَوَّمُ الْمَال طَعَامًا وَيَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الصَّيْدَ يُقَوَّمُ ابْتِدَاءً بِالطَّعَامِ، وَلَوْ قَوَّمَهُ بِالْمَال ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ طَعَامًا أَجْزَأَ.
وَالأَْمْرُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصُومَ عَنْ كُل مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا، وَدَلِيلُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (١) . وَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ فِي الْيَوْمِ وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْهُ. وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي (حَجٌّ، وَإِحْرَامٌ، وَصَيْدٌ) .
تَقْوِيمُ السِّلْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ:
٥ - إِذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إِبْقَاءَ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا مَعَ وُجُودِ عَيْبٍ فِيهَا. أَوْ فِي حَال مَا إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ السِّلْعَةِ الْمَعِيبَةِ بِسَبَبِ هَلاَكِهَا أَوْ تَلَفِهَا أَوِ اسْتِهْلاَكِهَا، وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ، أَوْ فِي حَال مَا إِذَا حَدَثَ فِي السِّلْعَةِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، مَعَ وُجُودِ عَيْبٍ قَدِيمٍ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ أَوِ الإِْبْقَاءَ. فَفِي هَذِهِ الْحَالاَتِ تُقَوَّمُ السِّلْعَةُ مَعِيبَةً وَتُقَوَّمُ سَلِيمَةً، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ سَلِيمَةً مِائَةً وَمَعَ الْعَيْبِ تِسْعِينَ،
_________
(١) سورة المائدة / ٩٥.
فَنِسْبَةُ النَّقْصِ عُشْرُ قِيمَةِ الْمَبِيعِ، فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ. وَهَل يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الرَّدِّ أَوْ عَدَمِهِ مَعَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَارِ الْعَيْبِ) . وَلَوْ حَدَثَ فِي السِّلْعَةِ عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، غَيْرِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَتُقَوَّمُ السِّلْعَةُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
فَتُقَوَّمُ السِّلَعُ سَلِيمَةً بِعَشَرَةٍ مَثَلًا، ثُمَّ تُقَوَّمُ ثَانِيًا بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بِثَمَانِيَةٍ مَثَلًا، فَيُقَدَّرُ النَّقْصُ بِالنِّسْبَةِ لِثَمَنِهَا سَلِيمَةً بِالْخُمُسِ. ثُمَّ تُقَوَّمُ ثَالِثًا بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْقَدِيمِ بِثَمَانِيَةٍ مَثَلًا، فَيَكُونُ النَّقْصُ الْخُمُسَ مِنْ ثَمَنِهَا سَلِيمَةً.
وَيُعْتَبَرُ التَّقْوِيمُ يَوْمَ دَخَل الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الأَْصَحُّ اعْتِبَارُ أَقَل قِيمَةِ الْمَبِيعِ الْمُتَقَوِّمِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى وَقْتِ الْقَبْضِ. لأَِنَّ قِيمَةَ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ وَقْتَ الْبَيْعِ أَقَل فَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ حَدَثَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَفِي الثَّمَنِ حَدَثَتْ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ فَلاَ تَدْخُل فِي التَّقْوِيمِ. أَوْ كَانَتِ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَبْضِ، أَوْ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ أَقَل فَالنَّقْصُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَفِي