الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

مَعَ تَمْهِيدِ الْعُذْرِ لِلْمُخَالِفِ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَحِفْظِ رُتْبَتِهِ وَإِقَامَةِ هَيْبَتِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَيْضًا لاَ تَمْنَعُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى مُقَلِّدٍ رُفِعَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ بِمَا يَرَاهُ طِبْقًا لاِجْتِهَادِهِ، إِذْ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِخِلاَفِ مُعْتَقَدِهِ (١)

إِفْتَاءُ الْمُقَلِّدِ:

١٩ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطَ صِحَّةٍ وَلَكِنَّهُ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ، تَسْهِيلًا عَلَى النَّاسِ (٢) .

وَصَحَّحَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ إِفْتَاءَ الْمُقَلِّدِ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ وُجُودِ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ (٣)، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - بِالضَّرُورَةِ (٤) . وَنَقَل الشَّوْكَانِيُّ اشْتِرَاطَ بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي أَهْلًا لِلنَّظَرِ مُطَّلِعًا عَلَى مَأْخَذِ مَا يُفْتِي بِهِ وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ (٥) .

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْمُفْتِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا سَمِعَ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ مُفْتِيًا فِي تِلْكَ الْحَال وَإِنَّمَا هُوَ مُخْبِرٌ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مِنْ

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٨. القاهرة، مصطفى الحلبي. ١٣٧٨ هـ، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣٠٦.

(٢) مجمع الأنهر ٢ / ١٤٦، والمغني٩ / ٥٢.

(٣) إعلام الموقعين ١ / ٤٦.

(٤) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان ص ٢٤. دمشق. المكتب الإسلامي ص ٢٤.

(٥) إرشاد الفحول ص ٢٩٦.

أَهْل الاِجْتِهَادِ فَيَكُونُ مَعْمُولًا بِخَبَرِهِ لاَ بِفُتْيَاهُ (١) . وَصَحَّحَ الشَّوْكَانِيُّ أَنَّ مَا يُلْقِيهِ الْمُقَلِّدُ عَنْ مُقَلَّدِهِ إِلَى الْمُسْتَفْتِي لَيْسَ مِنَ الْفُتْيَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ نَقْل قَوْلٍ. قَال: الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمُقَلِّدَ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُفْتِيَ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ، أَوْ عَنِ الْحَقِّ، أَوْ عَمَّا يَحِل لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمُقَلِّدَ لاَ يَدْرِي بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ، بَل لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ الْمُجْتَهِدُ. وَهَذَا إِنْ سَأَلَهُ السَّائِل سُؤَالًا مُطْلَقًا. وَأَمَّا إِنْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ قَوْل فُلاَنٍ وَرَأْيِ فُلاَنٍ فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَنْقُل إِلَيْهِ ذَلِكَ وَيَرْوِيهِ لَهُ إِنْ كَانَ عَارِفًا بِمَذْهَبِهِ (٢) .

وَنَقَل ابْنُ الصَّلاَحِ عَنِ الْحَلِيمِيِّ وَالرُّويَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ، ثُمَّ قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ فِي صُورَةِ مَا يَقُولُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَل يُضَيِّفُهُ وَيَحْكِيهِ عَنْ إِمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ. قَال ابْنُ الصَّلاَحِ: فَعَلَى هَذَا مَنْ عَدَدْنَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمُفْتِينَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ لَيْسُوا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمُفْتِينَ، وَلَكِنَّهُمْ قَامُوا مَقَامَهُمْ وَأَدَّوْا عَنْهُمْ (٣) .

_________

(١) المغني ٩ / ٤١.

(٢) رسالة القول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - خاتمة الرسالة.

(٣) فتاوى ابن الصلاح مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم (١٨٨٩ أصول فقه) ق١٠.

هَل الْمُقَلِّدُ مِنْ أَهْل الإِْجْمَاعِ؟

٢٠ - يَرَى جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ لاَ يُعْتَبَرُ فَقِيهًا، وَلِذَا قَالُوا: إِنَّ رَأْيَهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الإِْجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِالْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ، إِذِ الْجَامِعُ بَيْنَ أَهْل الإِْجْمَاعِ هُوَ الرَّأْيُ، وَلَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ رَأْيٌ إِذْ رَأْيُهُ هُوَ عَنْ رَأْيِ إِمَامِهِ. وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَعَلَى أَسَاسِ قَاعِدَةِ جَوَازِ تَجَزُّؤِ الاِجْتِهَادِ، يُعْتَدُّ بِالْمُقَلِّدِ فِي الإِْجْمَاعِ فِي الْمَسَائِل الَّتِي يَجْتَهِدُ فِيهَا (١) .

قَضَاءُ الْمُقَلِّدِ:

٢١ - يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فِي الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا. وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ (٣) وَفَاقِدُ الاِجْتِهَادِ إِنَّمَا يَحْكُمُ بِالتَّقْلِيدِ وَلاَ يَعْرِفُ الرَّدَّ إِلَى مَا أَنْزَل اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُول.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَيَحْكُمَ بِقَوْل سِوَاهُ، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ أَمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ، وَسَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَمْ يَضِقْ. وَقَال سَائِرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي

_________

(١) شرح مسلم الثبوت ٢ / ٢١٧، ٢١٨.

(٢) سورة المائدة / ٤٩.

(٣) سورة النساء / ٥٩.

الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا، لِئَلاَّ تَتَعَطَّل أَحْكَامُ النَّاسِ، وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ غَرَضَ الْقَضَاءِ فَصْل الْخُصُومَاتِ فَإِذَا تَحَقَّقَ بِالتَّقْلِيدِ جَازَ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ تَعَذَّرَ الْقَاضِي الْمُجْتَهِدُ جَازَ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَتَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ بِأَمْرَيْنِ:

الأَْوَّل: أَنْ يُوَلِّيَهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ، بِخِلاَفِ نَائِبِ السُّلْطَانِ، كَالْقَاضِي الأَْكْبَرِ، فَلاَ تُعْتَبَرُ تَوْلِيَتُهُ لِقَاضٍ مُقَلِّدٍ ضَرُورَةً. وَيَحْرُمُ عَلَى السُّلْطَانِ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ. ثُمَّ لَوْ زَالَتِ الشَّوْكَةُ انْعَزَل الْقَاضِي بِزَوَالِهَا.

الثَّانِي: أَنْ لاَ يُوجَدَ مُجْتَهِدٌ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَإِنْ وُجِدَ مُجْتَهِدٌ صَالِحٌ لِلْقَضَاءِ لَمْ يَجُزْ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ، وَلَمْ تَنْفُذْ تَوْلِيَتُهُ. وَعَلَى قَاضِي الضَّرُورَةِ أَنْ يُرَاجِعَ الْعُلَمَاءَ، وَهَذَا مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَذْكُرَ مُسْتَنَدَهُ فِي أَحْكَامِهِ.

مَا يَفْعَلُهُ الْمُقَلِّدُ إِذَا تَغَيَّرَ الاِجْتِهَادُ:

٢٢ - إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ أَنْ فَعَل الْمُقَلِّدُ طِبْقًا لِمَا أَفْتَاهُ بِهِ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُقَلِّدَ مُتَابَعَةُ الْمُقَلَّدِ فِي

_________

(١) المغني ٩ / ٤١، ٥٢، وتبصرة الحكام ١ / ٤٦، وروضة الطالبين ١١ / ٩٤، ٩٧، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي وعميرة ٤ / ٢٩٧.

اجْتِهَادِهِ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ لِتَصَرُّفٍ أَمْضَاهُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِلاَ وَلِيٍّ - مَثَلًا - مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ إِلَى الْبُطْلاَنِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ حَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِذَلِكَ، إِذْ لاَ يُنْقَضُ الاِجْتِهَادُ بِمِثْلِهِ. وَلاَ يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَنْ يُعْلِمَ مَنْ قَلَّدَهُ بِذَلِكَ. وَهَذَا إِنْ كَانَ الاِجْتِهَادُ مُعْتَبَرًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ يَقِينًا، بِأَنْ كَانَ مُخَالِفًا لِنَصٍّ صَحِيحٍ سَالِمٍ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ مُخَالِفًا لِلإِْجْمَاعِ، أَوْ لِقِيَاسٍ جَلِيٍّ، فَيُنْقَضُ. وَقِيل بِالتَّفْرِيقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، فَفِي النِّكَاحِ يُنْقَضُ وَفِي غَيْرِهِ لاَ يُنْقَضُ. أَمَّا قَبْل أَنْ يَتَصَرَّفَ الْمُقَلِّدُ بِنَاءً عَلَى الْفُتْيَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ بَعْدَ تَغَيُّرِ الاِجْتِهَادِ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْفُتْيَا مُسْتَنَدَهُ الْوَحِيدَ (١) .

التَّقْلِيدُ فِي اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَمَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ:

٢٣ - مَنْ أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِرُؤْيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا دُونَ حَرَجٍ يَلْحَقُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الأَْخْذُ بِالْخَبَرِ

_________

(١) مطالب أولي النهى ٦ / ٥٣٦، وإعلام الموقعين ٤ / ٢٢٣، وروضة الطالبين ١١ / ١٠٧، وجمع الجوامع ٢ / ٣٦١، ٣٩١.

عَنْهَا، وَحَرُمَ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ. وَإِلاَّ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ أَخَذَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ وَالتَّقْلِيدُ، وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَلاَ يُقَلِّدَ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الاِجْتِهَادِ فِي الأَْدِلَّةِ يُقَلِّدُ ثِقَةً عَارِفًا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ. فَلَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ مُعْتَبَرٍ وَقَدْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُقَلِّدَ لَزِمَتْهُ الإِْعَادَةُ وَلَوْ صَادَفَتْ صَلاَتُهُ الْقِبْلَةَ. أَمَّا مَا صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ أَوِ التَّقْلِيدِ وَصَادَفَ الْقِبْلَةَ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنِ الْحَال فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ (١) .

وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ تَحْتَ عِنْوَانِ (اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ) . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْل فِي التَّقْلِيدِ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ (٢) (ر: أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .

أَمَّا تَقْلِيدُ أَهْل الْخِبْرَةِ مِنِ الْمُنَجِّمِينَ وَالْحَاسِبِينَ إِذَا اجْتَهَدُوا فِي دُخُول شَهْرِ رَمَضَانَ مَثَلًا بِالنَّظَرِ فِي الْحِسَابِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الصَّوْمُ وَلاَ الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ وَلاَ يَجُوزُ.

وَقَال الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ لِلْمُنَجِّمِ وَالْحَاسِبِ أَنْ يَعْمَلاَ بِمَعْرِفَتِهِمَا بَل يَجِبُ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ تَقْلِيدُهُمَا. وَقَال فِي مَوْضِعٍ

_________

(١) نهاية المحتاج ١ / ٤١٩ـ ٤٢٨، وكشاف القناع ١ / ٣٠٧.

(٢) المغني ١ / ٣٨٧، ونهاية المحتاج ١ / ٣٦٢، وكشاف القناع ١ / ٢٥٩.

آخَرَ: إِنَّ لِغَيْرِهِ الْعَمَل بِهِ (١) .

وَلَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ مِنَ الصَّائِمِ فِي الْفَجْرِ وَالْغُرُوبِ وَلَوْ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الاِجْتِهَادِ. وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ بِكَثْرَةِ الْخَطَأِ فِيهَا (٢) .

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

_________

(١) روضة الطالبين ٢ / ٣٤٧، ونهاية المحتاج ١ / ٣٦٣.

(٢) الدسوقي على الشرح ١ / ٥٢٦.

تَقَوُّمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّقَوُّمُ: مَصْدَرُ تَقَوَّمَ الشَّيْءُ تَقَوُّمًا. مُطَاوِعُ قَوَّمَ يُقَال: قَوَّمْتُهُ فَتَقَوَّمَ أَيْ: عَدَّلْتُهُ فَتَعَدَّل، وَثَمَّنْتُهُ فَتَثَمَّنَ (١) . وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: كَوْنُ الشَّيْءِ مَالًا مُبَاحَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا فِي غَيْرِ ضَرُورَةٍ. فَكُل مُتَقَوِّمٍ مَالٌ، وَلَيْسَ كُل مَالٍ مُتَقَوِّمًا، فَمَا يُبَاحُ بِلاَ تَمَوُّلٍ لاَ يَكُونُ مَالًا كَحَبَّةِ قَمْحٍ. وَمَا يُتَمَوَّل بِلاَ إِبَاحَةِ انْتِفَاعٍ لاَ يَكُونُ مُتَقَوِّمًا كَالْخَمْرِ. وَإِذَا عُدِمَ الأَْمْرَانِ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، كَالدَّمِ، وَإِذَا وُجِدَا كَانَ الشَّيْءُ مَالًا مُتَقَوِّمًا (٢) .

وَقَدْ يُسْتَعْمَل التَّقَوُّمُ فِيمَا يَحْصُرُهُ عَدٌّ أَوْ ذَرْعٌ، كَحَيَوَانٍ وَثِيَابٍ، فَالتَّقَوُّمُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ يُقَابِل الْمِثْلِيَّ (٣) .

_________

(١) المصباح المنير، محيط المحيط، والقاموس المحيط مادة: " قوم ".

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣، ودرر الحكام ١ / ١٠١.

(٣) نهاية المحتاج ٥ / ١٥٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٥٦ ط دار الكتب العلمية.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ):

أ - التَّمَوُّل:

٢ - يُرَادُ بِالتَّمَوُّل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ اتِّخَاذُ الْمَال قُنْيَةٌ (١) .

فَالتَّقَوُّمُ أَخَصُّ مِنَ التَّمَوُّل، لأَِنَّ التَّقَوُّمَ يَسْتَلْزِمُ إِبَاحَةَ الاِنْتِفَاعِ بِالشَّيْءِ شَرْعًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُتَمَوَّلًا (٢) .

(الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ):

٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ - بِجَانِبِ تَوَافُرِ سَائِرِ الشُّرُوطِ - أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا، أَيْ يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمَال غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ. وَهَذَا مَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) . إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَيْعِ غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ وَالشِّرَاءِ بِغَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ، فَبَيْعُ الْمَال غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ بَاطِلٌ عِنْدَهُمْ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ كَبَيْعِ الدَّمِ بِالْخِنْزِيرِ، فَلاَ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَلاَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَيْعُ حَالًّا أَمْ مُؤَجَّلًا. أَمَّا الشِّرَاءُ بِثَمَنٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ، فَيَعْتَبِرُونَهُ

_________

(١) المصباح المنير مادة: " مول ".

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣ ط بولاق.

(٣) درر الحكام ١ / ١٥٢، ١٦٠، حاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٣، والخرشي ٢ / ٤٥٦، وما بعدها، والقوانين الفقهية ص ١٦٣ ط دار العلم، وجواهر الإكليل ٢ / ٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٨٣ ط الحلبي، والمهذب ١ / ٢٦٨، ٢٦٩ط دار المعرفة، وروضة الطالبين ٣ / ٣٥٠ وما بعدها و٥ / ١٧٧، والمغني لابن قدامة ٤ / ٢٨٤ط الرياض.

فَاسِدًا وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَسَبَبُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ أَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ مِنَ الْبَيْعِ، لأَِنَّ الاِنْتِفَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالأَْعْيَانِ، وَالأَْثْمَانُ وَسِيلَةٌ لِلْمُبَادَلَةِ (١) .

وَلِلتَّوَسُّعِ فِي ذَلِكَ (ر: بُطْلاَنٌ، فَسَادٌ، بَيْعٌ، بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) .

تَقَوُّمُ الْمُتْلَفَاتِ:

٤ - مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمُتْلَفُ مُتَقَوِّمًا، فَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلاَفِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُتْلِفُ مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا، لِسُقُوطِ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ (٢) .

(ر: إتْلاَفٌ ف ٣٤ - ١ / ٢٢٥) .

أَمَّا لَوْ أَتْلَفَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الضَّمَانِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّنَا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَ أَهْل الذِّمَّةِ وَمَا يَدِينُونَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ سَأَل عُمَّالَهُ: مَاذَا تَصْنَعُونَ بِمَا يَمُرُّ بِهِ أَهْل الذِّمَّةِ مِنَ الْخُمُورِ؟ فَقَالُوا: نُعَشِّرُهَا، فَقَال: لاَ تَفْعَلُوا، وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا. فَلَوْلاَ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ وَبَيْعُهَا جَائِزٌ لَهُمْ لَمَا

_________

(١) رد المحتار ٤ / ٣.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٦٧، الزيلعي ٥ / ٢٣٣، ومجمع الضمانات ص ١٣٠ـ ١٣٢، والشرح الصغير ٤ / ٤٠٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٦٧، والمغني ٥ / ٢٩٨، ٢٩٩.