الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
تَقْصِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقْصِيرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَصَّرَ. يُقَال: قَصَّرَ ثَوْبَهُ: إِذَا جَعَلَهُ قَصِيرًا، وَقَصَّرَ شَعْرَهُ: إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَقَصَّرَ فِي الأَْمْرِ: تَوَانَى فِيهِ وَفَرَّطَ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّعَدِّي:
٢ - التَّعَدِّي فِي اللُّغَةِ: مُجَاوَزَةُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ (٢) . وَفِي الشَّرْعِ: إِضْرَارٌ بِالْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَالتَّعَدِّي أَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ بَابِ التَّرْكِ وَالإِْهْمَال، أَمَّا التَّعَدِّي فَفِيهِ عَمَلٌ وَعُدْوَانٌ.
ب - الْقَصُّ:
٣ - الْقَصُّ: الأَْخْذُ مِنَ الشَّعْرِ بِالْمِقْرَاضِ خَاصَّةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَقْصِيرِ الشَّعْرِ، أَنَّ التَّقْصِيرَ إِزَالَةُ الشَّعْرِ بِأَيِّ آلَةٍ (٣) .
_________
(١) لسان العرب مادة: " قصر ".
(٢) مختار الصحاح مادة: " عدا ".
(٣) قليوبي ٢ / ١١٨، والقاموس المحيط مادة: " قص ".
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّقْصِيرِ بِاخْتِلاَفِ مُتَعَلَّقِهِ، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَأْتِي:
تَقْصِيرُ الشَّعْرِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَقْصِيرَ الشَّعْرِ أَوْ حَلْقَهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ نُسُكٌ يُثَابُ عَلَيْهِ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٢)، وَخَبَرِ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، وَالْمُقَصِّرِينَ (٣) .
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ، فَلاَ يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ وَيَحْصُل التَّحَلُّل بِدُونِهِ (٤) .
وَالتَّقْصِيرُ أَفْضَل لِمَنِ اعْتَمَرَ قَبْل الْحَجِّ فِي وَقْتٍ لَوْ حَلَقَ فِيهِ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ وَلَمْ يَنْبُتْ لَهُ شَعْرٌ، لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ. وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لِلْمَرْأَةِ، لِمَا فِي الْحَلْقِ مِنَ الْمُثْلَةِ فِي حَقِّهَا (٥) .
أَمَّا هَل هُوَ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلاَ يُجْبَرُ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ١٨١ـ ١٨٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٦، وقليوبي ٢ / ١١٨، والمغني ٣ / ٣٩٠ـ ٤٣٥.
(٢) سورة الفتح / ٢٧.
(٣) حديث: " اللهم ارحم المحلقين والمقصرين " أخرجه البخاري ومسلم بلفظ " اللهم ارحم المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله قال: والمقصرين ": (الفتح ٣ / ٥٦١ ط السلفية، ومسلم ٢ / ٩٤٥ ط عيسى الحلبي) .
(٤) قليوبي ٢ / ١١٨، والمغني ٣ / ٤٣٥.
(٥) المصادر السابقة.
بِالدَّمِ، أَوْ وَاجِبٌ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَقَدْرُ التَّقْصِيرِ مِنَ الشَّعْرِ، وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَحَلُّلٌ، وَحَلْقٌ) .
التَّقْصِيرُ فِي حِفْظِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ:
٦ - التَّقْصِيرُ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِيمَا لاَ ضَمَانَ فِيهِ مِنَ الْمُعَامَلاَتِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالإِْجَارَةِ، لأَِنَّ الْمُقَصِّرَ مُتَسَبِّبٌ فِي تَلَفِهَا بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حِفْظِهَا وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) .
وَالتَّقْصِيرُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ هُوَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ تَقْصِيرًا عُرْفًا فِي حِفْظِ مِثْل نَوْعِ الأَْمَانَةِ.
وَيَخْتَلِفُ التَّقْصِيرُ بِاخْتِلاَفِ طَبِيعَةِ الأَْمْرِ الْمُقَصَّرِ فِيهِ، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لِلتَّقْصِيرِ فِي أَبْوَابِهَا الْمُخْتَلِفَةِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا.
تَقْصِيرُ الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ:
٧ - إِذَا قَصَّرَ الْحَاكِمُ فِي النَّظَرِ فِي مُسْتَنَدِ حُكْمِهِ، كَأَنْ يَحْكُمَ بِجَلْدِ إِنْسَانٍ أَوْ قَطْعِهِ أَوْ قَتْلِهِ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ، فَجُلِدَ أَوْ قُتِل أَوْ قُطِعَ، فَبَانَ الشُّهُودُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ: كَأَنْ بَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ صَبِيَّيْنِ، ضَمِنَ الْحَاكِمُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَبْحَثْ
_________
(١) كشاف القناع٤ / ١٧٩، والوجيز ١ / ٢٨٤، والفروق ٤ / ٢٧، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٩٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤١٩، ونيل المآرب ١ / ٤٠٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٤١، المقنع ٢ / ١٥٧.
حَالَةَ الشُّهُودِ، أَوْ قَصَّرَ فِي الْبَحْثِ؛ لأَِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي التَّلَفِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لاَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِحُكْمِهِ (٢) .
أَمَّا هَل يَضْمَنُ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ، أَوْ تَتَحَمَّل عَنْهُ الْعَاقِلَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَال، فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ) .
تَقْصِيرُ الطَّبِيبِ:
٨ - يَضْمَنُ الطَّبِيبُ إِذَا عَالَجَ الْمَرِيضَ فَقَصَّرَ فِي مُعَالَجَتِهِ، أَوْ أَخْطَأَ فِيهَا خَطَأً فَاحِشًا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) .
(تَقْصِيرُ الإِْزَارِ:
٩ - تَقْصِيرُ الإِْزَارِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَاجِبٌ إِذَا خِيفَ تَنَجُّسُهُ، وَمُحَرَّمٌ إِسْبَالُهُ لِلْخُيَلاَءِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الأَْثَرِ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٤) .
_________
(١) الوجيز ٢ / ١٨٤، وقليوبي ٤ / ٢١٠، والمغني ٩ / ٢٥٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٤٢ـ ٣٩٦.
(٣) الوجيز ٢ / ١٨٤، وقليوبي ٤ / ٢١٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٥، ونيل المآرب ١ / ٤٣٤، ابن عابدين ٥ / ٤٣.
(٤) حديث: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٥٤ـ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٥٢ـ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري.
وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّ تَقْصِيرَهُ مُسْتَحَبٌّ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِسْبَالٌ) .
(تَقْصِيرُ الصَّلاَةِ:
١٠ - يَنْبَغِي تَقْصِيرُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ لِلإِْمَامِ الَّذِي يَخْشَى فِتْنَةَ مَنْ وَرَاءَهُ، أَوْ ضَرَرَهُمْ بِالتَّطْوِيل لِحَدِيثِ: يَا مُعَاذُ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ (١) وَلِحَدِيثِ: مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ (٢) وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مَنْ وَرَاءَهُ مَحْصُورِينَ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيل. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ إِمَامَةٌ (٦ ٢١٣)
تَقْصِيرُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ:
١١ - يُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ طُول صَلاَةِ الرَّجُل وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ فِي فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ. (٣)
_________
(١) حديث: " يا معاذ أفتان أنت " أخرجه البخاري من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري (فتح الباري ٢ / ٢٠٠ ط السلفية) .
(٢) حديث: " من أم بالناس فليتجوز. . . . " أخرجه البخاري من حديث أبي مسعود (فتح الباري ٢ / ٢٠٠ - ط السلفية) .
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٢٦٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٢٦، والمغني ٢ / ٣٠٨، وحديث: " وإن طول صلاة الرجل وقصر خطبته. . " أخرجه مسلم (٢ / ٥٩٤ - ط عيسى الحلبي) .
التَّقْصِيرُ فِي طَلَبِ الشُّفْعَةِ أَوْ أَرْشِ الْعَيْبِ:
١٢ - يَسْقُطُ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِهِمَا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) .
أَمَّا هَل طَلَبُ الشُّفْعَةِ فَوْرِيٌّ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، فَيُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحَيِ: (الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَالشُّفْعَةُ) .
_________
(١) الوجيز ١ / ١٤٣، ١ / ٢٢٠، والمغني ٥ / ٢٢٤، والطحطاوي ٣ / ٥٧، ٤ / ١٢١، وكشاف القناع ٣ / ٢٢٤، وشرح الزرقاني ٦ / ١٨١.
تَقَلُّدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقَلُّدُ: جَعْل الإِْنْسَانِ الْقِلاَدَةَ فِي عُنُقِهِ. وَتَقَلُّدِ الأَْمْرِ: احْتِمَالُهُ، وَكَذَلِكَ تَقَلَّدَ السَّيْفَ: إِذَا جَعَل حَمَائِلَهُ فِي عُنُقِهِ. قَال الشَّاعِرُ:
يَا لَيْتَ زَوْجُكِ قَدْ غَدَا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
أَيْ: وَحَامِلًا رُمْحًا. يَعْنِي أَنَّ التَّقَلُّدَ فِي الأَْصْل لِلسَّيْفِ لاَ لِلرُّمْحِ، وَإِنَّمَا عَطَفَ عَلَى مِثَال قَوْلِهِمْ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - التَّقَلُّدُ بِمَعْنَى وَضْعِ الْقِلاَدَةِ فِي الْعُنُقِ: التَّزَيُّنُ بِالْقَلاَئِدِ نَوْعٌ مِنَ الزِّينَةِ الْمُبَاحَةِ، وَهِيَ فِي الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ وَالصِّغَارِ. وَتُبَاحُ لِلنِّسَاءِ الْقَلاَئِدُ كُلُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ مَوَادَّ مُعْتَادَةٍ، أَوْ مَوَادَّ ثَمِينَةٍ، كَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ السَّرَفِ وَالْخُيَلاَءِ. وَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصِّغَارِ إِنْ كَانُوا ذُكُورًا قَلاَئِدَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: ﴿
_________
(١) لسان العرب مادة " قلد ".
الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ حِلٌّ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحَرَامٌ عَلَى ذُكُورِهَا (١) عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْخِلاَفِ وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (ذَهَبٌ) . (٢)
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَقَلَّدَتْ قِلاَدَةً مِنْ ذَهَبٍ قُلِّدَتْ فِي عُنُقِهَا مِثْلَهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلاَّ مُقَطَّعًا (٤) لَكِنْ قَال الْخَطَّابِيُّ: ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الأَْوَّل ثُمَّ نُسِخَ، أَوِ الْوَعِيدِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْهُ الَّذِي لاَ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ (٥) .
_________
(١) حديث: " الذهب والحرير حل لإناث أمتي حرام على ذكورها " عزاه الزيلعي إلى ابن أبي شيبة في مسنده. (نصب الراية ٤ / ٢٢٥ ط المجلس العلمي) وصححه ابن حجر لكثرة طرقه (التلخيص الحبير ١ / ٥٤ ط المكتبة الأثرية) .
(٢) الخلاف في هذا للشافعية. وانظر شرح المنهاج وحاشية القليوبي وعميرة ١ / ٣٠٢ القاهرة دار إحياء الكتب العربية.
(٣) حديث: " أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار يوم القيامة " أخرجه أحمد ٦ / ٤٥٧ ط المكتب الإسلامي. وأبو داود (٤ / ٤٣٧ ط عزت عبيد دعاس) . قال ابن القطان وعلة هذا الخبر أن محمود بن عمرو - راويه عن أسماء - مجهول الحال، وإن كان قد روى عنه جماعة (مختصر سنن أبي داود ٦ / ١٢٥ط دار المعرفة) إذا فالإسناد ضعيف.
(٤) حديث: " نهى النبي ﷺ عن لبس الذهب إلا مقطعا " أخرجه أبو داود (٤ / ٤٣٧ ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي (١ / ١٦١ ط دار الكتاب العربي) قال الأرناؤوط: إسناده صحيح (جامع الأصول ٤ / ٧٣٠ ط الملاح) .
(٥) عون المعبود، شرح سنن أبي داود، آخر كتاب الخاتم منه.
تَقَلُّدُ السَّيْفِ فِي الإِْحْرَامِ:
٣ - إِذَا احْتَاجَ الْمُحْرِمُ إِلَى تَقَلُّدِ السِّلاَحِ فِي الإِْحْرَامِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَاسْتَدَل لِلأَْوَّلَيْنِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَالَحَ أَهْل مَكَّةَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَانَ فِي الصُّلْحِ أَلاَّ يَدْخُل الْمُسْلِمُونَ مَكَّةَ إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلاَحِ (١) (الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إِبَاحَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، لأَِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَأْمَنُونَ أَهْل مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ وَيَخْفِرُوا الذِّمَّةَ، فَاشْتَرَطُوا حَمْل السِّلاَحِ فِي قِرَابِهِ.
فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، فَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لاَ، إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ (٢) .
وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ لأَِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَال: لاَ يُحْمَل السِّلاَحُ فِي الْحَرَمِ. أَيْ لاَ مِنْ أَجْل الإِْحْرَامِ، فَيُكْرَهُ حَمْلُهُ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلِذَلِكَ لَوْ حَمَل قِرْبَةً فِي عُنُقِهِ لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ. وَقَدْ سُئِل أَحْمَدُ عَنِ الْمُحْرِمِ يُلْقِي جِرَابَهُ فِي رَقَبَتِهِ كَهَيْئَةِ الْقِرْبَةِ، فَقَال: أَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ (٣) .
_________
(١) حديث: " بأن النبي ﷺ لما صالح أهل مكة صلح الحديبية كان في الصلح. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٠٤ ط السلفية) .
(٢) لعله يقصد الحاجة.
(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٣٠٦ ط المنار وكشاف القناع للشيخ منصور البهوتي ٢ / ٤٢٨.
تَقْلِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقْلِيدُ لُغَةً: مَصْدَرُ قَلَّدَ، أَيْ جَعَل الشَّيْءَ فِي عُنُقِ غَيْرِهِ مَعَ الإِْحَاطَةِ بِهِ (١) .
وَتَقُول: قَلَّدْتُ الْجَارِيَةَ: إِذَا جَعَلْتَ فِي عُنُقِهَا الْقِلاَدَةَ، فَتَقَلَّدَتْهَا هِيَ، وَقَلَّدْتُ الرَّجُل السَّيْفَ فَتَقَلَّدَهُ: إِذَا جَعَل حَمَائِلَهُ فِي عُنُقِهِ. وَأَصْل الْقَلْدِ، كَمَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، لَيُّ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ، نَحْوُ لَيُّ الْحَدِيدَةِ الدَّقِيقَةِ عَلَى مِثْلِهَا، وَمِنْهُ: سِوَارٌ مَقْلُودٌ.
وَفِي التَّهْذِيبِ: تَقْلِيدُ الْبَدَنَةِ أَنْ يُجْعَل فِي عُنُقِهَا عُرْوَةُ مَزَادَةٍ، أَوْ حِلَقُ نَعْلٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّهَا هَدْيٌ. وَقَلَّدَ فُلاَنًا الأَْمْرَ إِيَّاهُ. وَمِنْهُ تَقْلِيدُ الْوُلاَةِ الأَْعْمَال (٢) .
وَيُسْتَعْمَل التَّقْلِيدُ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ بِمَعْنَى الْمُحَاكَاةِ فِي الْفِعْل، وَبِمَعْنَى التَّزْيِيفِ، أَيْ صِنَاعَةِ شَيْءٍ طِبْقًا لِلأَْصْل الْمُقَلَّدِ. وَكِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِينَ؛ لأَِنَّ الْمُقَلِّدَ يَفْعَل
_________
(١) روضة الناظر لابن قدامة ٢ / ٤٤٩ ط ثانية، الرياض مكتبة المعارف ١٤٠٤ هـ.
(٢) لسان العرب ومختار الصحاح مادة: " قلد ".